{ يحاربون الله ورسوله } : بالخروج عن طاعتهما وحمل السلام على المؤمنين وقتلهم وسلب أموالهم والاعتداء على حرماتهم .
{ ويسعون في الأرض فساداً } : بإخافة الناس وقطع طرقهم وسلب أموالهم والاعتداء على أعراضهم .
{ أو يصلبوا } : يشدون على أعواد الخشب ويقتلون ، أو بعد أن يقتلوا .
{ من خلاف } : بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، والعكس .
{ أو ينفوا من الأرض } : أي من أرض الإِسلام .
{ خزي في الدنيا } : ذل ومهانة .
لما ذكر تعالى ما أوجبه على اليهود من شدة العقوبة وعلى جريمة القتل والفساد في الأرض كسْرا لِحِدةٍ جرأتهم على القتل والفساد ذكر هنا حكم وجزاء من يحارب المسلمين ويسعى بالفساد في ديارهم فقال تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } بالكفر بعد الإِيمان والقتل والسلب بعد الأمان ، { ويسعون في الأرض فساداً } بتخويف المسلمين ، وقطع طرقهم وأخذ أموالهم ، والاعتداء على حرماتهم وأعراضهم ، هو ما أذكره لكم لا غيره فاعلموه أنه { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } ومعنى يقتلوا : يقتلون واحداً بعد واحد نكاية لهم وإرهاباً وتعزيراً لغيرهم ، ومعنى يصلبوا بعد ما يقتل الواحد منهم يشد على خشبة مدة ثلاثة أيام ومعنى ينفوا من الأرض يخرجوا من دار الإِسلام ، أو إلى مكان ناءٍ كجزيرة في بحر أو يحبسوا حتى ينجو المسلمون من شرهم وأذاهم ، ويكون ذلك الجزاء المذكور خزياً وذلاً لهم في الدنيا { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } وهو عذاب النار .
- بيان حكم الحرابة وحقيقتها : خروج جماعة اثنان فأكثر ويكون بأيديها سلاح ولهم شوكة ، خروجهم إلى الصحراء بعيداً عن والقرى ، يشنون هجمات على المسلمين فيقتلون ويسلبون ويعتدون على الأعراض . هذه هي الحرابة وأهلها يقال لهم المحاربون وحكمهم ما ذكر تعالى في الآية الأولى ( 33 ) .
- الإِمام مخير في إنزال التي يرى أنها مناسبة لاستتباب الأمن ، إن قلنا أو في الآية للتخيير ، وإلا فمن قتل وأخذ المال وأخاف الناس قتل وصلب ، ومن قتل ولم يأخذ مالاً قتل ، ومن قتل وأخذ مالاً قطعت يده ورجله من خلاف فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى ، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالاً ينفى .
ولما كان هذا الإسراف بعد هذه الموانع محاربة{[25703]} للناهي عنه ، وكان تارة يكون بالقتل وتارة بغيره ، وكان ربما ظن أن عذاب القاتل يكون بأكثر من القتل لكونه كمن قتل الناس جميعاً ، وصل به سبحانه قوله على طريق الحصر : { إنما جزاؤا } وكان الأصل : جزاؤهم ، ولكن أريد تعليق الحكم بالوصف والتعميم فقال : { الذين يحاربون الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له { ورسوله } أي بمحاربة{[25704]} من نَهَيَا عن محاربته بقطع الطريق وهم مسلمون ، ولهم منعة ممن{[25705]} أرادهم ، ويقصدون المسلمين في دمائهم وأموالهم سواء كانوا في البلد أو خارجها .
ولما كان عباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً ، أعلم أن هؤلاء عماد الشيطان بقوله : { ويسعون في الأرض } ولما كان هذا ظاهراً{[25706]} في الفساد ، صرح به في قوله : { فساداً } أي حال كونهم ذوي فساد ، أو للفساد ، ويجوز أن يكون مصدراً ليسعون - على المعنى ، ولما كانت أفعالهم مختلفة ، فسم عقوبتهم بحسبها فقال : { أن يقتلوا } أي إن كانت جريمتهم القتل فقط ، لأن القتل جزاؤه القتل{[25707]} ، وزاد - لكونه{[25708]} في قطع الطريق - صيرورته حتماً لا يصح العفو عنه { أو يصلّبوا } أي مع القتل إن ضموا{[25709]} إلى القتل أحد المال ، بأن يرفع المصلوب على جذع ، ومنهم من قال : يكون ذلك وهو حيّ ، فحينئذٍ{[25710]} تمد يداه{[25711]} مع الجذع ، والأصح عند الشافعية أنه يقتل ويصلى عليه ثم يرفع على الجذع زمناً يشيع خبره فيه لينزجر غيره ، ولا يزاد على ثلاثة أيام { أو تقطّع أيديهم } أي اليمنى بأخذهم المال من غير قتل { وأرجلهم } أي اليسرى لإخافة السبيل ، وهذا معنى قوله : { من خلاف } أي إن كانت الجريمة أخذ المال فقط { أو ينفوا من الأرض } أي بالإخافة والإزعاج إن لم يقعوا{[25712]} في قبضة الإمام ليكونوا منتقلين من بلد إلى آخر{[25713]} ذعراً وخوفاً ، وبالحبس إن وقعوا في القبضة ، وكانوا{[25714]} قد كثروا سواد المحاربين وما قتلوا{[25715]} ولا أخذوا مالاً { ذلك } أي النكل الشديد المفصّل إلى ما ذكر { لهم } أي خاصاً بهم { خزي } أي إهانة وذل{[25716]} بإيقاعه بهم { في الدنيا } أي ليرتدع بهم غيرهم { ولهم } أي{[25717]} إن لم يتوبوا { في الآخرة } أي التي هي موطن الفصل{[25718]} بإظهار العدل { عذاب عظيم } أي هو بحيث لا يدخل تحت مَعارِفِكم أكثر من وصفه بالعظم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.