{ لا تغلوا في دينكم } : الغلو : الإِفراط في الشيء ومجاوزة الحد فيه فمثلاً أمرنا بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين فغسلهما إلى الكتفين غلو أمرنا بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم فدعاؤه غلو في الدين .
{ أهواء قوم قد ضلوا } : جمع هوى ، وصاحب الهوى هو الذي يعتقد ويقول ويعمل بما يهواه لا بما قامت به الحجة وأقره الدليل من دين الله تعالى .
{ وأضلوا كثيراً } : أي أضلوا عدداً كثيراً من الناس بأهوائهم وأباطيلهم .
{ عن سواء السبيل } : سواء السبيل : وسط الطريق العدل لا ميل فيه إلى اليمين ولا إلى اليسار .
ما زال السياق في الحديث عن أهل الكتاب يهوداً ونصارى فقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { قل } يا رسولنا : { يا أهل الكتاب } والمراد بهم النصارى { لا تغلوا في دينكم غير الحق } ، أي لا تتشددوا في غير ما هو حق شرعه الله تعالى لكم ، فتبتدعون البدع وتتغالوا في التمسك بها والدفاع عنها ، التشدد محمود في الحق الذي أمر الله به اعتقاداً وقولاً وعملاً لا في المحدثات الباطلة ولا تتبعوا أهواء قوم ضلوا من قبل كثيراً من الناس بأهوائهم المتولدة عن شهواتهم ، وضلوا أي وهم اليوم ضالون بعيدون عن جادة الحق والعدل في عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم . هذا ما تضمنته الآية الأولى ( 77 ) .
ولما قامت الأدلة على بطلان قول اليهود ثم على{[27166]} بطلان مدعى النصارى ، ولم يبق لأحد علة ، أمره صلى الله عليه وسلم أن ينهى الفريقين عن الغلو بالباطل في أمر عيسى عليه السلام : اليهود بإنزاله عن{[27167]} رتبته ، والنصارى برفعه عنها بقوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب } أي عامة { لا تغلوا } أي تجاوزوا الحد علواً ولا نزولاً { في دينكم } .
ولما كان الغلو ربما أطلق على شدة الفحص عن الحقائق واستنباط الخفي من الأحكام والدقائق من خبايا النصوص ، نفى ذلك بقوله : { غير الحق } وعرّفه ليفيد أن المبالغة في الحق غير منهي عنها ، وإنما المنهي عنه تجاوز دائرة الحق بكمالها ، ولو نكر لكان من جاوز حقاً إلى غيره واقعاً في النهي ، كمن جاوز الاجتهاد في الصلاة النافلة إلى الجد في العلم النافع ، ولو قيل : باطلاً ، لأوهم أن المنهي عنه{[27168]} المبالغة في الباطل ، لا أصله ومطلقه .
ولما نهاهم أن يضلوا بأنفسهم ، نهاهم أن يقلدوا في ذلك غيرهم فقال : { ولا تتبعوا } أي فاعلين فعل من يجتهد في ذلك { أهواء قوم } أي هَوَوا مع ما لهم من القوة ، فكانوا أسفل سافلين ، والهوى لا يستعمل إلا في الشر { قد ضلوا } ولما كان ضلالهم غير مستغرق للزمان الماضي ، أدخل الجار فقال : { من قبل } أي من قبل زمانكم{[27169]} هذا عن منهاج العقل فصبروا على ضلالهم وأنسوا بما تمادوا عليه في{[27170]} محالهم { وأضلوا } أي لم يكفهم ضلالُهم في أنفسهم حتى أضلوا غيرهم { كثيراً } أي من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظن حقاً { وضلوا } أي بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمنابذة الشرع { عن سواء } أي عدل { السبيل * } أي الذي لا سبيل في الحقيقة غيره ، لأن الشرع هو الميزان{[27171]} القسط والحكم العدل ، وهذا إشارة إلى أنهم إن{[27172]} لم ينتهوا كانوا على محض التقليد لأسلافهم الذين هم في غاية البعد عن النهج{[27173]} وترك الاهتداء بنور العلم{[27174]} ، وهذا غاية في التبكيت ، فإن تقليدهم لو كان فيما يشبه{[27175]} الحق كان جهلاً ، فكيف وإنما هو تقليد في هوى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.