أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (3)

شرح الكلمات :

{ ولقد فتنا الذين من قبلهم } : أي اختبرنا من قبلهم إذ هي سنة جارية في الناس .

{ فليعلمن الله الذين صدقوا } : أي في إيمانهم ، وليعلمن الذين كذبوا فيه بما يظهر من أعمالهم .

المعنى :

وقوله تعالى : { ولقد فتنا الذين من قبلهم } من الأمم السابقة فهي إذاً سنة ماضية في الناس لا تتخلف . وقوله تعالى { فليعلمن الله الذين صدقوا } في إيمانهم أي يظهر ذلك ويعلمه مشاهدة بعد أن عَلِمَه قبل إخراجه إلى الوجود حيث قدر ذلك وكتبه في كتاب المقادير وذلك بتكليفهم وقيامهم بما كلفوا به من شاق الأفعال وشاق التروك ، إذ الهجرة والجهاد والزكاة أفعال ، وترك الربا والزنا والخمر وتروك { وليعلمن الكاذبين } حيث ادَّعوا الإِيمان ولما ابتلوا بالتكاليف لم يقوموا بها ، فبان بذلك عدم صدقهم وإنهم كاذبون في دعواهم أنهم مؤمنون .

الهداية :

من الهداية :

بيان سنة أن الإِيمان يصدق بالأعمال أو يكذب .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (3)

يخبر تعالى عن [ تمام ] حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال " إنه مؤمن " وادعى لنفسه الإيمان ، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن ، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه .

فإنهم لو كان الأمر كذلك ، لم يتميز الصادق من الكاذب ، والمحق من المبطل ، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة ، أن يبتليهم بالسراء والضراء ، والعسر واليسر ، والمنشط والمكره ، والغنى والفقر ، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان ، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن ، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة ، والشهوات المعارضة للإرادة ، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل ، ويدفعها{[619]} بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب ، أو الصارفة عن ما أمر اللّه به ورسوله ، يعمل بمقتضى الإيمان ، ويجاهد شهوته ، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته .

ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا ، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات ، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه .

والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا اللّه ، فمستقل ومستكثر ، فنسأل اللّه تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وأن يثبت قلوبنا على دينه ، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير ، يخرج خبثها وطيبها .


[619]:- كذا في ب وفي أ: ويدفعه.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (3)

قوله تعالى : " ولقد فتنا الذين من قبلهم " أي ابتلينا الماضين كالخليل ألقي في النار وكقوم نشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه . وروى البخاري عن خباب بن الأرت : قالوا شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة . فقلنا له : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا فقال : ( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) وخرج ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يُوعَك فوضعت يدي عليه ، فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف . فقلت : يا رسول الله ما أشدها عليك قال : ( إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر ) قلت : يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال ( الأنبياء ) وقلت : ثم من قال ( ثم الصالحون إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يُحَوبها{[12394]} وأن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء ) وروى سعد بن أبي وقاص قال : قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال ( الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة ) وروى عبد الرحمن بن زيد أن عيسى عليه السلام كان له وزير فركب يوما فأخذه السبع فأكله فقال عيسى : يا رب وزيري في دينك وعوني على بني إسرائيل وخليفتي فيهم سلطت عليه كلبا فأكله قال : ( نعم كانت له عندي منزلة رفيعة لم أجد عمله يبلغها فابتليته بذلك لأبلغه تلك المنزلة ) وقال وهب : قرأت في كتاب رجل من الحواريين : إذ سلك بك سبيل البلاء فقر عينا فإنه سلك بك سبيل الأنبياء والصالحين ، وإذا سلك بك سبيل الرخاء فابك على نفسك فقد خولف بك عن سبيلهم

قوله تعالى : " فليعلمن الله الذين صدقوا " أي فليرين الله الذين صدقوا في إيمانهم وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " وغيرها . قال الزجاج : ليعلم صدق الصادق بوقوع صدقه منه ، وقد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازى عليه ، وإنما يعلم صدق الصادق واقعا كائنا وقوعه ، وقد علم أنه سيقع وقال النحاس : فيه قولان - أحدهما - أن يكون " صدقوا " مشتقا من الصدق و " الكاذبين " مشتقا من الكذب الذي هو ضد الصدق ويكون المعنى ، فليبينن الله والذين صدقوا فقالوا : نحن مؤمنون واعتقدوا مثل ذلك والذين كذبوا حين اعتقدوا غير ذلك والقول الآخر أن يكون صدقوا مشتقا من الصدق وهي الصلب والكاذبين مشتقا من كذب إذا انهزم فيكون المعنى ، فليعلمن الله الذين ثبتوا في الحرب والذين انهزموا ؛ كما قال الشاعر{[12395]} :

ليثٌ بِعَثَّرَ يصطاد الرجالَ إذا *** ما الليثُ كَذَّبَ عَنْ أقْرَانِهِ صَدَقَا

فجعل " ليعلمن " في موضع ، فليبينن مجازا وقراءة الجماعة : " فليعلمن " بفتح الياء واللام ، وقرأ علي بن أبي طالب بضم الياء وكسر اللام وهي تبين معنى ما قال النحاس ويحتمل ثلاثة معان : الأول : أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا ، بمعنى يوقفهم على ما كان منهم . الثاني : أن يكون المفعول الأول محذوفا تقديره . فليعلمن الناس والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين أي يفضحهم ويشهرهم ، هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر وذلك في الدنيا والآخرة : الثالث : أن يكون ذلك من العلامة ، أي يضع لكل طائفة علامة يشتهر بها فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أسر سريرة ألبسه الله رداءها )


[12394]:وردت هذه الكلمة في سنن ابن ماجه بالهاء المهملة، وقال هامشه:" يحوبها" من حبى بحاء مهملة وباء موحدة أي يجعل لها حبيبا. ووردت في الجامع الصغير للسيوطي بالجيم وقال شارحه: هي جيم وواو وموحدة أي يخرقها ويقطعها، وكل شيء قطع وسطه فهو مجوب. ورواية الجامع الصغير هي المتبادرة.
[12395]:هو زهير بن أبي سلمى. وعثر بشد المثلثة اسم موضع.