أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (13)

شرح الكلمات :

{ ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ؟ } : أي أَخِفْتُم الفقر إن قدمتم بين يدي نجواكم صدقات .

{ فإن لم تفعلوا وتاب الله عليكم } : أي تقديم الصدقات ، وتاب الله عليكم بأن رخص لكم في تركها .

{ فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } : أي على الوجه المطلوب من إقامتها وأخرجوا الزكاة .

{ وأطيعوا الله ورسوله } : أي وداوموا على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله .

{ والله خبير بما تعملون } : أي من أعمال البر والإِحسان وسيثيبكم على ذلك بالجنة .

المعنى :

وقوله تعالى { ءأشفقتم } أي أخفتم الفاقة والفقر إن أنتم ألزمتم بالصدقة بين يدي كل مناجاة ، وعليه فإن لم تفعلوا وتاب الله عليكم برفع هذا الواجب ونسخه فرجع بكم إلى عهد ما قبل وجوب الصدقة ، فأقيموا الصلاة بأدائها في أوقاتها في جماعة المؤمنين مراعين شرائطها وأركانها وسننها وآدابها وآتوا الزكاة الواجبة في أموالكم . وأطيعوا الله ورسوله في أمرهما ونهيهما يكفكم ذلك عوضاً عن الصدقة التي نسخت تخفيفاً عليكم ورحمة بكم .

وقوله { والله بما تعملون خيبر } أي فراقبوه في طاعته وطاعة رسوله تفلحون فتنجوا من النار وتدخلوا الجنة دار الأبرار .

الهداية

من الهداية :

- مشروعية النسخ في الشريعة قبل العلم بالمنسوخ وبعده إذ هذه الصدقة نسخت قبل أن يعمل بها اللهم إلا ما كان من عليّ رضي الله عنه فإنه أخبر أنه تصدق بدينار وناجى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخت هذه الصدقة ، فكان يقول في القرآن آية لم يعمل بها أحد غيري وهى فضيلة له رضى الله عنه .

- في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله في الواجبات والمحرمات عوض عما يفوت المؤمن من النوافل .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (13)

ثم لما رأى تبارك وتعالى شفقة المؤمنين ، ومشقة الصدقات عليهم عند كل مناجاة ، سهل الأمر عليهم ، ولم يؤاخذهم بترك الصدقة بين يدي المناجاة ، وبقي التعظيم للرسول والاحترام بحاله لم ينسخ ، لأن هذا الحكم من باب المشروع لغيره ، ليس مقصودا لنفسه ، وإنما المقصود هو الأدب مع الرسول والإكرام له ، وأمرهم تعالى أن يقوموا بالمأمورات الكبار المقصودة بنفسها ، فقال : { فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا } أي : لم يهن عليكم تقديم الصدقة ، ولا يكفي هذا ، فإنه ليس من شرط الأمر أن يكون هينا على العبد ، ولهذا قيده بقوله : { وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي : عفا لكم عن ذلك ، { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } بأركانها وشروطها ، وجميع حدودها ولوازمها ، { وَآتُوا الزَّكَاةَ } المفروضة [ في أموالكم ] إلى مستحقيها .

وهاتان العبادتان هما أم العبادات البدنية والمالية ، فمن قام بهما على الوجه الشرعي ، فقد قام بحقوق الله وحقوق عباده ، [ ولهذا قال بعده : ] { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وهذا أشمل ما يكون من الأوامر .

ويدخل في ذلك طاعة الله [ وطاعة ] رسوله ، بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما ، وتصديق ما أخبرا به ، والوقوف عند حدود الله{[1018]} .

والعبرة في ذلك على الإخلاص والإحسان ، ولهذا قال : { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فيعلم تعالى أعمالهم ، وعلى أي : وجه صدرت ، فيجازيهم على حسب علمه بما في صدورهم .


[1018]:- في ب: حدود الشرع.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (13)

ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر لطفه بعباده فقال : { أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ } .

الإشفاق معناه : أن يتوقع الإنسان عدم حصوله على ما يريده والمراد به هنا : الخوف .

والاستفهام مستعمل فيما يشبه اللوم والعتاب ، لتخلف بعضهم عن مناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسبب تقديم الصدقة .

و " إذ " فى قوله : { فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ } ظرفية مفيدة للتعليل .

والمعنى : أخفتم - أيها المؤمنون - أن تقدموا قبل مناجاتكم للرسول - صلى الله عليه وسلم - صدقة فيصيبكم بسبب ذلك الفقر ، إذا ما واظبتم على ذلك .

{ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ } أى : فحين لم تفعلوا ما كلفناكم به من تقديم الصدقة قبل مناجاتكم للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وتاب الله - تعالى - عليكم ، بأن رخص لكم فى هذه المناجاة بدون تقديم صدقة ، بفضلنا ورحمتنا - فداوموا على إقامة الصلاة ، وعلى إعطاء الزكاة لمستحقيها ، وأطيعوا الله ورسوله ، فى كل ما أمركم به أو نهاكم عنه .

واعلموا أن الله - تعالى - خبير بما تعملون ، ولا يخفى عليه شىء من أقوالكم أو أفعالكم ، وسيجازي الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازي الذين أحسنوا بالحسنى .

وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية ناسخة للتى قبلها ، لأنها أسقطت وجوب تقديم الصدقة الذى أمرت به الآية السابقة .

وقد لخص الإمام الآلوسى كلام العلماء فى هذه المسألة تلخيصا حسنا فقال : " واختلف فى أن الأمر للندب أو للوجوب ، لكنه نسخ بقوله - تعالى - : { أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ . . } وهو وإن كان متصلا به تلاوة ، لكنه غير متصل به نزولا . وقيل نسخ بآية الزكاة . والمعول عليه الأول .

ولم يعين مقدار الصدقة ، ليجزىء القليل والكثير . أخرج الترمذى عن على بن أبى طالب قال : لما نزلت { ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرسول فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً . . } .

قال لى النبى : - صلى الله عليه وسلم - " " ما ترى فى دينار " قلت : لا يطيقونه قال : " نصف دينار " قلت : لا يطيقونه ، قال : " فكم " ؟ قلت : شعيرة . قال : " فإنك لزهيد " " .

فلما نزلت : { أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ . . } قال - صلى الله عليه وسلم - : " خفف الله عن هذه الأمة " ولم يعمل بها - على المشهور - غير علي - كرم الله وجهه .

واختلف فى مدة بقاء هذا الأمر ، أى : الأمر بتقديم الصدقة : فعن مقاتل : عشرة أيام .

وقال قتادة : ساعة من نهار . . .

قال بعض العلماء : " والآية الناسخة متأخرة فى النزول ، وإن كانت تالية للآية المنسوخة فى التلاوة ، والظاهر - والله أعلم - أن الحادثة من باب الابتلاء والامتحان ، ليظهر للناس محب الدنيا من محب الآخرة ، والله بكل شىء عليم " .

وقال أحد العلماء : " ولا يشتم من قوله - تعالى - : { أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ . . . } . أن الصحابة قد وقع منهم تقصير . فإن التقصير إنما يكون إذا ثبت أنه كانت هناك مناجاة لم تصحبها صدقة ، والآية قالت : { فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ } أي : ما أمرتم به من الصدقة ، وقد يكون عدم الفعل ، لأنهم لم يناجوا ، فلا يكون عدم الفعل تقصيرا .

وأما التعبير بالإشفاق من جانبهم ، فلا يدل على تقصيرهم ، فقد يكون الله - تعالى - علم - أن كثيرا منهم استكثر التصدق عند كل مناجاة فى المستقبل لو دام الوجوب ، فقال الله - تعالى - لهم { أَأَشْفَقْتُمْ } . وكذلك ليس فى قوله { وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ } ما يدل على أنهم قصروا ، فإنه يحمل على أن المعنى أنه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا ، ومثل هذا يجوز أن يعبر عنه بالتوبة . . " .