{ أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } : أي الطمأنينة بعد ما أصابهم من الاضطراب والقلق من الصلح .
{ وكان الله عليما حكيما } : أي عليما بخلقه حكيما في تدبيره لأوليائه .
وقوله تعالى { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } أي هو الله المنعم عليك بما ذكر لك الذي أنزل السكينة أي الطمأنينة على قلوب المؤمنين من أصحابك وكان عددهم ألفا وأربعمائة صاحب أنزل السكينة عليهم بعد اضطراب شديد أصاب نفوسهم دل عليه قول عمر رضي الله عنه لرسول صلى الله عليه وسلم ألست نبيَّ الله حقا ؟ قال : " بلى ، " قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : " بلى ، " قلت فَلِمَ نُعطى الدنيّة في ديننا إذاً ؟ قال " إني رسول الله ولستُ أعصيه وهو ناصري . " قلت أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال فأتيت أبا بكر فقالت يا أبا بكر أليس هذا نبئ الله حقا ؟ قال بلى ، قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال بلى ، قلت : فَلِمَ نُعطى الدنيّة في ديننا ؟ قال أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بِغَرْزِهِ أي سر على نهجه ولا تخالفه . فوالله إنه لعلى الحق ، قلت أليس كان يحدثنا انه سيأتي البيت ويطوف به ؟ قال بلى . قال فهل أخبرك أنه العام ؟ قلت : لا ، قال فإِنك تأتيه وتطوف به . وقوله { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } أي بشرائع الإِسلام كلما نزل حكم آمنوا به وعملوا به ومن ذلك الجهاد وبذلك يكون إيمانهم في ازدياد . وقوله تعالى ولله جنود السموات والأرض أي ملائكة السماء وملائكة الأرض وكل ذي شوكة وقوة من الكائنات هو لله كغيره ويسخره كما يشاء ومتى شاء فقد يسلط جيشاً كافراً على جيش كافر نصرة لجيش مؤمن والمراد من هذا انه تعالى قادر على نصرة نبيّه ودينه بغيركم أيها المؤمنون وكان الله وما زال أزلا وأبدا عليما بخلقه حكيما في تدبير أمور خلقه .
- إنعام الله على العبد يوجب الشكر والشكر يوجب المغفرة وزيادة الإِنعام .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين فقال : { هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة فِي قُلُوبِ المؤمنين ليزدادوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ . . } .
والسكينة : من السكون ، والمراد بها الثبات والطمأنينة التى أودعها - سبحانه - فى قلوب المؤمنين ، فترتب على ذلك أن أطاعوا الله ورسوله . بعد أن ظنوا أن فى شروط صلح الحديبية ظلما لهم . وأن بايعوا النبى - صلى الله عليه وسلم - على الموت بعد أن بلغهم أن عثمان - رضى الله عنه - قد قتله المشركون ، وفى التعبير عن ذلك بالإِنزال ، إشعار بعلو شأنها ، حتى لكأنها كانت مودعة فى خزائن رحمة الله - تعالى - ، ثم أنزلها بفضله فى قلوبهم بعد ذلك . .
أى : هو - سبحانه - بفضله ورحمته ، الذى أنزل السكينة والطمأنينة والثبات فى قلوب المؤمنين ، فانشرحت صدورهم لهذا الصلح بعد أن ضاقت فى أول الأمر .
وقوله : { ليزدادوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ } تعليل لهذا الانزال للسكينة .
أى : أوجد السكينة وخلقها فى قلوبهم ، ليزدادوا يقينا على يقينهم ، وتصديقا لى تصديقهم وثباتا على ثباتهم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } وقوله - سبحانه - : { وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها ، أن الإِيمان يزيد وينقص .
قال الآلوسى ما ملخصه : قال البخارى : لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار ، فما رأيت أحداً منهم يختلف فى أن الإِيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص .
واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل . أما العقل ، فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإِيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين فى الفسوق والمعاصى ، مساويا لإِيمان الأنبياء ، واللازم باطل ، فكذا وأما الثانى : فلكثرة النصوص فى هذا المعنى ، ومنها الآية التى معنا وأمثالها ، ومنها وما روى " عن ابن عمر قال : قلنا : يا رسول الله ، إن الايمان يزيد وينقص ، قال : " نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخله النار " " .
وقال الإِمام النووى وغيره : إن الايمان بمعنى التصديق القلبى ، يزيد وينقص - أيضا بكثرة النظر ، ووضوح الأدلة ، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم .
ثم بين - سبحانه - شمول ملكه وقدرته فقال : { وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً } . أى : ولله - تعالى - وحده جنود السماوات والأرض من ملائكة وجن وإنس ، إذ الكل تحت قهره وسلطانه ، فهو - سبحانه - الذى يدبر أمرهم كيف شاء ، ويدفع بعضهم ببعض كما تقضى حكمته وإرادته ، وهو - تعالى - العليم بكل شئ . الحكيم فى جميع أفعاله . .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.