فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (4)

{ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما( 4 ) } .

الله الذي وعدك تمام النعمة وعزة النصر هو سبحانه الذي أحل السكون والوقار ، واليقين والثبات في قلوب المؤمنين ، والركون إلى تأييد الله تعالى ومدده ليزدادوا يقينا على يقينهم ، وتعظم ثقتهم في رعاية ربهم لهم ، ونصرهم على عدوهم ؛ ولربنا الكبير المتعال ، ذي السلطان المحيط والجلال ، جنود السماوات والأرض وما بين ذلك وما وراء ذلك { وما يعلم جنود ربك إلا هو } فكل قُوَى الكون يسلطها الله على من يشاء إذا يشاء ، ويؤيد بها من يريد ؛ وكان ربنا ولا يزال واسع العلم عظيم الحكمة .

وقال الراغب : إنزال الله تعالى نعمته على عبد إعطاؤه تعالى إياها ، وذلك إما بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن ، أو بإنزال أسبابه والهداية إليه كإنزال الحديد ونحوه .

[ . . وذهب جمهور الأشاعرة . . والفقهاء والمحدثون والمعتزلة إلى أن الإيمان يزيد وينقص ، ونُقل ذلك عن الشافعي ومالك . وقال البخاري : لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص ، واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل ، أما الأول فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويا لإيمان الأنبياء عليهم السلام مثلا ، واللازم باطل فكذا الملزوم ؛ وأما الثاني فلكثرة النصوص في هذا المعنى ، منها الآية المذكورة ، ومنها ما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما قلنا : يا رسول الله ؟ إن الإيمان يزيد وينقص ؟ قال : ( نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار ) ، ومنها ما روي عن عمر ، وجابر رضي الله تعالى عنهما- مرفوعا- : ( لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح ) . .

وقال النووي وجماعة محققون من علماء الكلام : إن الإيمان بمعنى التصديق القلبي يزيد وينقص أيضا بكثرة النظر ووضوح الأدلة ، وعدم ذلك ؛ ولهذا كان إيمان الصدّيقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه ؛ ويؤيده أن كل واحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا منه في بعضها ، فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها . . ومراتب اليقين متفاوتة : إلى علم اليقين ، وحق اليقين ، وعين اليقين ، مع أنها لا شك معها . . ]{[5014]} .


[5014]:روح المعاني جـ26،ص92، 93.