{ مرج البحرين . . . } أرسل البحرين : العذب والملح في مجاريهما متجاورين ؛ كما ترسل الخيل في المرج . يقال : مرج الدابة يمرجها ، أرسلها ترعى . أو خلطهما فأمرج أحدهما في الآخر وأفاضه فيه ؛ من المرج وأصله الخلط . يقال : مرج أمرهم يمرج ، اختلط ؛ ومنه قيل للمرعى : مرج ؛ لاجتماع أخلاط من الدواب فيه . { عذب فرات } شديد العذوبة ، مائل إلى الحلاوة وهو ماء الأنهار . وسمي فراتا لأنه يفرت العطش ، أي يقطعه ويكسره . { ملح أجاج } شديد الملوحة والمرارة ، وهو ماء البحار . سمي أجاجا من الأجيج وهو تلهب النار ، لأن شر به يزيد العطش . { برزخا } حاجزا عظيما من الأرض ، يمنع بغي أحدهما على الآخر ؛ لحفظ حياة الإنسان والنبات ؛ كما قال تعالى : " بينهما برزخ لا يبغيان " {[254]} . { وحجرا محجورا } أي وجعل كل واحد منهما حراما محرما على الآخر أن يفسده . والمراد : لزوم كل منهما صفته ؛ فلا ينقلب العذب في مكانه ملحا ، ولا الملح في مكانه عذبا .
قوله : ( وهو الذي مرج البحرين ) ( مرج البحرين ) ، أي خلالهما لا يلتبس أحدهما بالآخر{[3334]} أو خلاهما متجاورين متلاصقين . وقد سمي الماءين الكثيرين الواسعين بحرين ( هذا عذاب فرات وهذا ملح زجاج ) أي خلق الماءين وهما الحلو والملح . فالحلو كالأنهار والآبار والعيون . وهذا هو البحر الحلو العذب الفرات . فقد جعله نعمة للخلق والعباد ليشكروه ولا يكفروه ؛ فهم محتاجون إلى هذا الماء ؛ إذ يستقون منه شرابا عذبا زلالا ويسقون منه الحرث والأنعام . فلولاه لكانت الأرض يبسا قفرا لا حياة فيها ولا نبات ولا نماء ، و ( فرات ) صفة لقوله : ( عذب ) أي شديد العذوبة .
أما الملح الأجاج ، فهو المالح المر لشدة ملوحته{[3335]} وذلك كالبحار المعروفة في مشارق الأرض ومغاربها . ومنها المسماة بالمحيطة كبحر الأطلسي والهادي وغيرهما من المحيطات والبحار الكبيرة : كبحر الروم وبحر الخزر والبحر الأحمر وما شاكلها من البحار الملحة . وهي ساكنة راكدة لا تجري لكنها تضطرب وتتلاطم فيها الأمواج ، وخصوصا في الشتاء وعند اشتداد الرياح . ومن عجيب صنع الله وبالغ حكمته التي يتدبرها أولو النهى والحجا ، أن خلق الله هذه البحار الساكنة ملحة كيلا يأتي عليها التعفن والنتن فتفسد بفسادها الدنيا .
ومعلوم أن نسبة البحار الملحة في الدنيا تعدل ثلثي الأرض . فكيف إذا خالطت العفونة والنتن هذا الشطر الأكبر من مساحة العالم . لكنها بكونها ملحة ؛ فإنها تظل سليمة من الفساد والنتن ، ويظل ماؤها طيبا طهورا ؛ فقد روى كثير من الأئمة وأهل السنن عن رسول الله ( ص ) أنه قال في البحر : " هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته " .
وفي مقابل ذلك جعل الله المياه الجارية عذبة ؛ لأنها بجريانها وحركتها وتبدلها لا يأتي عليها التعفن أو الفساد . فلا جرم أن تكون هذه حكمة الصانع العليم ، مما يشير إلى عظيم قدرته وتدبيره في خلقه . أفلا يدل ذلك كله على وجود الإله الصانع المقتدر ؟ ! .
قوله : ( وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ) البرزخ والحجر ، بمعنى الحاجز من الأرض والسد يحجز بينهما . وقيل : البرزخ ، بمعنى البلاد والقفار ، فلا يختلطان إلا بزوال الحاجز يوم القيامة . وقال أكثر المفسرين : المراد بالحاجز ، المانع أو الحائل من قدرة الله يفصل بينهما ويمنعهما من التمازج . فهما في الظاهر مختلطان وفي الحقيقة منفصلان ؛ أي منفصلان بقدرة الله .
ويعضد هذا القول ما أثبتته النظريات العلمية الحديثة في الجاذبية المتوازنة بين الأرض والشمس أو غيرهما من الكواكب . أو في عملية المد والجزر التي تنعكس على البحار في الأرض بسبب الجاذبية بينها وبين القمر . وبذلك تدور الحركة الكونية في انسجام متسق ، وفي انتظام موزون لا يتعثر ولا يضطرب ولا يعرف الخلل أو الفوضى . وذلك كله بقدرة الله ومن صنعه وحكمته البالغة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.