جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المفترين على ربهم من عبدة الأوثان، الزاعمين أن الله حرّم عليهم ما هم محرموه من حروثهم وأنعامهم:"هَلُمّ شُهَدَاءَكُمْ" يقول: هاتوا شهداءكم الذين يشهدون على الله أنه حرّم عليكم ما تزعمون أنه حرّمه عليكم...
قال الله لنبيه: "فإنْ شَهِدُوا "يقول: يا محمد، فإن جاءوك بشهداء يشهدون أن الله حرّم ما يزعمون أن الله حرّمه عليهم. "فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ" فإنهم كذبة وشهود زور في شهادتهم بما شهدوا به من ذلك على الله. وخاطب بذلك جلّ ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم، والمراد به أصحابه والمؤمنون به.
"وَلا تَتّبِعْ أهْوَاءَ الّذِينَ كَذّبُوا بآياتِنا" يقول: ولا تتابعهم على ما هم عليه من التكذيب بوحي الله وتنزيله في تحريم ما حرّم وتحليل ما أحلّ لهم، ولكن اتبع ما أوحى إليك من كتاب ربك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. "وَالّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخِرَةِ" يقول: ولا تتبع أهواء الذين لا يؤمنون بالآخرة، فتكذّب بما هم به مكذّبون من إحياء الله خلقه بعد مماتهم ونشره إياهم بعد فنائهم. "وَهُمْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ" يقول: وهم مع تكذيبهم بالبعث بعد الممات وجحودهم قيام الساعة بالله يعدلون الأوثان والأصنام، فيجعلونها له عِدلاً، ويتخذونها له ندّا يعبدونها من دونه...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أشار إلى أَنَّ مَنْ تجرَّد عن برهانٍ يُصَرِّحه وبيان يوضِّحهُ فغيرُ مقبول من فاعله...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{هَلُمَّ}...والمعنى: هاتوا شهداءكم وقرّبوهم.
فإن قلت: كيف أمره باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أنّ الله حرم ما زعموه محرّماً، ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟ قلت: أمره باستحضارهم وهم شهداء بالباطل، ليلزمهم الحجة ويلقمهم الحجر، ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شيء، لتساوي أقدام الشاهدين والمشهود لهم في أنهم لا يرجعون إلى ما يصحّ التمسك به. وقوله: {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} يعني فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم: لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم وكان واحداً منهم {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين كَذَّبُواْ بآياتنا} من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنّ من كذب بآيات الله وعدل به غيره فهو متبع للهوى لا غير، لأنه لو اتبع الدليل لم يكن إلا مصدقاً بالآيات موحداً لله تعالى.
فإن قلت: هلاّ قيل: قل هلم شهداء يشهدون أنّ الله حرّم هذا؟ وأي فرق بينه وبين المنزل؟ قلت: المراد أن يحضروا شهداءهم الذين علم أنهم يشهدون لهم وينصرون قولهم، وكان المشهود لهم يقلدونهم ويثقون بهم ويعتضدون بشهادتهم، ليهدم ما يقومون به فيحق الحق ويبطل الباطل، فأضيفت الشهداء لذلك، وجيء بالذين للدلالة على أنهم شهداء معروفون موسومون بالشهادة لهم وبنصرة مذهبهم، والدليل عليه قوله تعالى: {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} ولو قيل: هلم شهداء يشهدون لكان معناه هاتوا أناساً يشهدون بتحريم ذلك فكان الظاهر طلب شهداء بالحق وذلك ليس بالغرض. ويناقضه قوله تعالى: {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ}.
... المسألة الثالثة: أنه تعالى نبه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه، ومعنى {هلم} أحضروا شهداءكم.
ثم قال: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} تنبيها على كونهم كاذبين، ثم بين تعالى أنه إن وقعت منهم تلك الشهادة فعن اتباع الهوى، فأمر نبيه أن لا يتبع أهواءهم، ثم زاد في تقبيح ذلك بأنهم لا يؤمنون بالآخرة، وكانوا ممن ينكرون البعث والنشور، وزاد في تقبيحهم بأنهم يعدلون بربهم فيجعلون له شركاء. والله أعلم.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
ثم إنه تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يطالب مشركي قومه بإحضار من عساهم يعتمدون عليه من الشهداء في إثبات تحريم الله تعالى عليهم ما ادعوه من المحرمات بعد أن نفى عنهم العلم، وسجل عليهم اتباع الحرز والخرص ليظهر لهم أنهم ليسوا على شيء يعتد به من العلم الاستدلالي ولا الشهودي في أنفسهم، ولا على شيء من النقل عن ذي علم شهودي فقال له: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا}. أي أحضروا شهدائكم الذين يخبرون عن علم شهودي أن الله حرم عليكم هذا الذي زعمتم تحريمه. وهو طلب تعجيز، لأنه ما ثم شهداء يشهدون فهو كالاستفهام عن العلم بذلك قبله، وكقوله من قبل {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} فراجع تفسيره، ولم يقل هاتوا شهداء ليحضروا أي امرئ يقول ما شاء، فإضافة الشهداء إليهم ووصفهم بما وصفهم يقتضي أن المطلوب منهم إحضاره هو جماعة من أهل العلم الذين تتلقى عنهم الأمم الأحكام الدينية وغيرها بالأدلة الصحيحة التي تجعل النظريات كالمشهودات بالحس، أو كالرسل الذين يتلقون الدين من الوحي الإلهي وهو أقوى العلوم الضرورية عندهم، كأنه يقول إذا لم تكونوا أنتم على علم تقيمون الحجة على صحته وكان عندكم شهداء تلقيتم عنهم ذلك وهم يقدرون على ما لا تقدرون عليه من الشهادة فأحضروهم لنا، ليدلوا بما عندهم من الحجة التي قلدتموهم لأجلها.
ثم قال له {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} أي فإن فرض إحضار شهداء شهدوا فلا تشهد معهم أي فلا تقبل شهادتهم ولا تسلمها لهم بالسكوت عليها فإن السكوت عن الباطل في مثل هذا المقام كالشهادة به بل بين لهم بطلان زعمهم الذي سموه شهادة. فأمثال هذه الفروض تذكر لأجل التذكير بما يجب أن يترتب عليها إن وجدت كما يزعم أصحاب الأهواء فيها ولذلك قال: {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا} أي ولا تتبع أهواء هؤلاء الناس الذين كذبوا بآياتنا المنزلة وما أرشدت إليه من آياتنا في الأنفس والآفاق، فوضع الظاهر موضع الضمير؛ إذ لم يقل ولا تتبع أهواءهم، لبيان أن المكذب بهذه الآيات والحجج الظاهرة إصرارا على تقاليده الباطلة إنما يكون صاحب هوى وظن لا صاحب علم وحجة.
{وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أي والذين هم على جهلهم واتباع أهوائهم لا يؤمنون بالآخرة فيحملهم الإيمان على سماع الحجة إذا ذكروا بها، وهم مع ذلك يشركون بربهم فيتخذون له مثلا وعدلا يعادله ويشاركه في جلب الخير والنفع ودفع الضر إن لم يكن باستقلاله وقدرته، فبحمله للرب على ذلك والتأثير في عمله وإرادته...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وأخيراً يوجه الله -سبحانه- رسوله صلى الله عليه وسلم إلى مواجهة المشركين في موقف الإشهاد على قضية التشريع، كما واجههم من قبل في موقف الإشهاد على قضية الألوهية في أوائل السورة: في أوائل السورة قال له: (قل: أي شيء أكبر شهادة؟ قل الله. شهيد بيني وبينكم، وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ. أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل: لا أشهد. قل: إنما هو إله واحد، وإنني بريء مما تشركون).. وهنا قال له: (قل: هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم. ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم بربهم يعدلون)...
. إنها مواجهة هائلة، ومواجهة كذلك فاصلة. ودلالتها على طبيعة هذا الدين غير خافية.. إن هذا الدين يسوي بين الشرك العلني الواضح باتخاذ آلهة أخرى مع الله؛ وبين الشرك الآخر الذي يتمثل في مزاولة حق الحاكمية والتشريع للناس بما لم يأذن به الله -دون اعتبار لما يدعونه هم من أن ما يشرعونه هو شريعة الله!- كما أنه يصم الذين يرتكبون هذه الفعلة بأنهم يكذبون بآيات الله، ولا يؤمنون بالآخرة، وهم بربهم يعدلون.. أي يجعلون له أنداداً تعدله...
وهو ذات التعبير الذي جاء في أول آية في السورة وصفا للذين كفروا: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون).. هذا حكم الله على الذين يغتصبون حق الحاكمية ويزاولونه بالتشريع للناس -دون اعتبار لدعواهم أن ما يشرعونه هو من شريعة الله!- وليس بعد حكم الله رأي لأحد في هذه القضية الخطيرة...
فإذا أردنا أن نفهم لماذا يقضي الله -سبحانه- بهذا الحكم؟ ولماذا يعدهم مكذبين بآياته؛ غير مؤمنين بالآخرة، مشركين يعدلون بربهم غيره.. فإن لنا أن نحاول الفهم. فتدبر حكمة الله في شرعه وحكمه أمر مطلوب من المسلم.. إن الله قد حكم على المشرعين للناس من عند أنفسهم -مهما قالوا أنه من شرع الله- بأنهم يكذبون بآياته. لأن آياته -إن كان المراد بها آياته الكونية- كلها تشهد بأنه الخالق الرازق الواحد.. والخالق الرازق هو المالك. فيجب أن يكون وحده المتصرف الحاكم.. فمن لم يفرده -سبحانه- بالحاكمية فقد كذب بآياته هذه.. وإن كان المقصود آياته القرآنية، فالنصوص فيها حاسمة وصريحة وواضحة في وجوب إفراده -سبحانه- بالحاكمية في حياة البشر الواقعية، واتخاذ شريعته وحدها قانونا، وتعبيد الناس له وحده بالشرع النافذ والحكم القاهر كذلك حكم عليهم -سبحانه- بأنهم لا يؤمنون بالآخرة.. فالذي يؤمن بالآخرة، ويوقن أنه ملاق ربه يوم القيامة، لا يمكن أن يعتدي على ألوهية الله، ويدعي لنفسه حقه الذي يتفرد به. وهو حق الحاكمية المطلقة في حياة البشر. ممثلة هذه الحاكمية في قضائه وقدره، وفي شريعته وحكمه.. ثم حكم عليهم في النهاية بأنهم بربهم يعدلون.. أي أنه حكم عليهم بالشرك الذي وصف به الكافرين.. ذلك أنهم لو كانوا موحدين ما شاركوا الله -سبحانه- في حق الحاكمية الذي تفرد به. أو ما قبلوا من عبد أن يدعيه ويزاوله وهم راضون! هذه -فيما يبدو لنا- هي علة حكم الله على من يزاولون حق الحاكمية ويشرعون للناس ما لم يأذن به، بالتكذيب بآياته، وعدم الإيمان بالآخرة والشرك الذي يتحقق به الكفر.. أما الحكم ذاته فلا يملك "مسلم "أن يجادل فيه. فقد صدرت فيه كلمة الفصل التي لا معقب عليها. فلينظر كل "مسلم" كيف يتأدب أمام كلمة العزيز الحكيم...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
...وإِنكارهم للقيامة والبعث، والخرافات، وإِتباعهم للهوى، شواهد حيّة على أنّ أحكامهم هذه مختلقة أيضاً، وأنّ ادعاهم في مسألة تحريم هذه الموضوعات من جانب الله لا قيمة له، ولا أساس له من الصحة...
{ هلم } قيل : هي بمعنى هات فهي متعدية وقيل : بمعنى أقبل فهي غير متعدية ، وهي عند بعض العرب فعل يتصل به ضمير الاثنين والجماعة والمؤنث وعند بعضهم اسم فعل فيخاطب بها الواحد والاثنان والجماعة والمؤنث على حد سواء ، ومقصود الآية تعجيزهم عن إقامة الشهداء .
{ فإن شهدوا فلا تشهد معهم } أي : إن كذبوا في شهادتهم وزوروا فلا تشهد بمثل شهادتهم .
ولما صدق الحق ، و{[31594]} انكسر جند الباطل واندق ببطلان جميع شبههم ، ونطقت الدلائل وأفحم المجادل ، فبان أنه لا شاهد لهم بحق لأنه لا حق لهم ، كان كأنه قيل : قل لهم : ها أنا قد شهد لي بما قلته مَن لا ترد شهادته وزكاتي الذي لا يقبل إلا تزكيته بهذا{[31595]} الكتاب الذي كان عجزكم عن الإتيان بشيء من مثله شاهداً بأنه قوله ، فهل لكم أنتم من شاهد يقبل ! ولما لم يكن لهم شاهد غير متخرصيهم{[31596]} ، فإن المبطل يظهر باطله عند المحاققة سنة من الله مستمرة ، فيظهر للمشهود لهم بما يلوح من بهتهم أنهم ليسوا على شيء{[31597]} ، أمره سبحانه أن يأمرهم بدعائهم ليظهر خزيهم و{[31598]} تشتهر فضيحتهم{[31599]} فقال : { قل هلم } أي احضروا ، وهي كلمة دعوة يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع عند{[31600]} الحجازيين { شهداءكم } .
ولما كان كأنه قيل : أيّ شهداء ؟ قال : { الذين يشهدون } أي يوقعون الشهادة على { أن الله } أي الذي لا حكم لغيره { حرم هذا } أي الذي ذكرتموه من قبل ، وإضافة الشهداء إليهم ووصفهم ب " الذين " دليل على{[31601]} أنهم معروفون{[31602]} موسومون بنصرة مذهبهم بالباطل ، ولو قال : شهداء - من غير إضافة لأفهم أن المطلوب من يشهد بالحق وليس كذلك ، لأنه أقيم الدليل العقلي على أنه لا حجة لهم وأن الحجة لله على خلاف ما ادعوه ، فبطل قطعاً أن يكون أحد يشهد على ذلك بحق .
ولما كان كأنه قيل : فإنهم إذا أحضروا{[31603]} لا يقدرون - إن كان لهم عقل أو فيهم حياء{[31604]} - على النطق إذا سمعوا هذا الحق ، بني عليه قوله : { فإن } اجترؤوا بوقاحة { شهدوا } أي كذباً وزوراً بذلك الذي أبطلناه بالأدلة القطعية { فلا تشهد معهم } أي فاتركهم ولا تسلم لهم{[31605]} ، فإنهم على ضلال وليست شهادتهم مستندة إلا{[31606]} إلى الهوى { ولا تتبع أهواء } وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف دلالة على أن القائد إلى التكذيب وكل ردى إنما هو الهوى{[31607]} ، وأن من خالف ظاهر الآيات إنما هو صاحب هوى ، فقال : { الذين كذبوا } أي أوقعوا التكذيب { بآياتنا } أي على ما لها من الظهور بما لها من العظمة بإضافتها إلينا .
ولما وصفهم بالتكذيب ، أتبعه الوصف بعدم الإيمان ، ودل بالنسق بالواو على العراقة في كل من الوصفين فقال : { والذين لا يؤمنون بالآخرة } أي التي هي{[31608]} دار الجزاء ، فإنهم لو جوزوها{[31609]} ما اجترؤوا على الفجور { وهم بربهم } أي الذين لا نعمة عليهم ولا خير عندهم إلا وهو منه وحده { يعدلون } أي يجعلون غيره عديلاً له ، وسيعلمون حين يقولون لشركائهم وهم في جهنم يختصمون
{ تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين{[31610]} }[ الشعراء : 97 ، 98 ] .