الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (129)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم عظم نفسه تعالى، فقال: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} من الخلق عبيده وفي ملكه، {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم} في تأخير العذاب عن هذين الحيين من بني سليم...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني بذلك تعالى ذكره: ليس لك يا محمد من الأمر شيء، ولله جميع ما بين أقطار السموات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها دونك ودونهم، يحكم فيهم بما شاء، ويقضي فيهم ما أحبّ، فيتوب على من أحبّ من خلقه العاصين أمره ونهيه، ثم يغفر له ويعاقب من شاء منهم على جرمه، فينتقم منه، وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحبّ أن يستر عليه ذنوبه من خلقه بفضله عليهم بالعفو والصفح، والرحيم بهم في تركه عقوبتهم عاجلاً على عظيم ما يأتون من المآثم...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان التقدير: بل الأمر له سبحانه وحده عطف عليه قوله -مبيناً لقدرته على ما قدم من فعله بهم على وجه أعم -: {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ما في السماوات} أي كلها على عظمها من عاقل وغيره، وعبر ب "ما "لأن غير العاقل أكثر وهي به أجدر {وما في الأرض} كذلك مِلكاً ومُلكاً فهو يفعل في مِلكه ومُلكه ما يشاء، وفي التعبير ب "ما" أيضاً إشارة إلى أن الكفرة الذين السياق لهم في عداد ما لا يعقل. ولما كانت الأقسام كلها راجعة إلى قسمين: عافية وعذاب، قال- مترجماً لذلك مقرراً لقوله: {ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران: 128]: {يغفر لمن يشاء} أي منهم ومن غيرهم فيعطيه ما يشاء من خيري الدنيا والآخرة ويغنيه عن الربا وغيره {ويعذب من يشاء} بالمنع عما يريد من خيري الدارين، لا اعتراض عليه، فلو عذب الطائع ونعّم العاصي لحسن منه ذلك، ولا يقبح منه شيء، ولا اعتراض بوجه عليه، هذا مدلول الآية وهو لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل. ولما كان صلى الله عليه وسلم لشدة غيظه عليهم في الله جديراً بالانتقام منهم بدعاء أو غيره أشار له سبحانه إلى العفو للحث على التخلق بأخلاق الله الذي سبقت رحمته غضبه بقوله: {والله} أي المختص بالجلال والإكرام {غفور رحيم} أي محاء للذنوب عيناً وأثراً، مكرم بعد ذلك بأنواع الإكرام، فانطبق ذلك على إيضاح {ليس لك} [آل عمران: 128] وإفهامه الموجب لاعتقاد أن يكون له سبحانه وتعالى الأمر وحده. ولما أنزل عليه ذلك وما في آخر النحل مما للصابرين والعافين حرم المثلة واشتد نهيه صلى الله عليه وسلم عنها، فكان لا يخطب خطبة إلا منع منها...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{وَللَّهِ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض} كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان اختصاصِ ملكوتِ كلِّ الكائناتِ به عز وجل إثرَ بيانِ اختصاصِ طرَفٍ من ذلك به سبحانه تقريراً لما سبق وتكملةً له. وتقديمُ الجارِّ للقصر، وكلمةُ {مَا} شاملةٌ للعقلاء أيضاً تغليباً أي له ما فيهما من الموجودات خلقاً ومُلكاً لا مدخَلَ فيه لأحد أصلاً فله الأمرُ كلُّه {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} أن يغفرَ له مشيئةً مبنيةً على الحِكمة والمصلحة {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} أن يعذِّبَه بعمله مشيئةً كذلك. وإيثارُ كلمة {مِنْ} في الموضعين لاختصاص المغفرةِ والتعذيبِ بالعقلاء، وتقديمُ المغفرة على التعذيب للإيذان بسبق رحمتِه تعالى غضبَه وبأنها من مقتَضيات الذاتِ دونه فإنه من مقتضيات سيئاتِ العُصاة، وهذا صريحٌ في نفي وجوبِ التعذيبِ، والتقييدُ بالتوبة وعدمِها كالمنافي له {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تذييلٌ مقرر لمضمون قوله تعالى: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} [آل عمران، الآية: 129] مع زيادة، وفي تخصيص التذييلِ به دون قرينةٍ من الاعتناء بشأن المغفرةِ والرحمةِ ما لا يخفي...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

فمن كان له ملك السماوات والأرض كان حقيقا بان يكون له الأمر كله في السماوات والأرض، ولا يمكن أن يكون لأحد من أهلهما شركة معه ولا رأي ولا وساطة تأثير في تدبيرهما، وإن كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا إلا من سخره تعالى للقيام بشيء فإنه يكون خاضعا لذلك التسخير، لا يستطيع الخروج فيه عن السنن العامة التي قام بها نظام الكون ونظام الاجتماع، وفي ذلك تأديب من الله تعالى لرسوله وإعلام بان ذلك اللعن والدعاء على المشركين مما لم يكن ينبغي له...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

ولما نفى عن رسوله أنه ليس له من الأمر شيء قرر من الأمر له فقال {ولله ما في السماوات وما في الأرض} من الملائكة والإنس والجن والحيوانات والأفلاك والجمادات كلها، وجميع ما في السماوات والأرض، الكل ملك لله مخلوقون مدبرون متصرف فيهم تصرف المماليك، فليس لهم مثقال ذرة من الملك، وإذا كانوا كذلك فهم دائرون بين مغفرته وتعذيبه فيغفر لمن يشاء بأن يهديه للإسلام فيغفر شركه ويمن عليه بترك العصيان فيغفر له ذنبه، {ويعذب من يشاء} بأن يكله إلى نفسه الجاهلة الظالمة المقتضية لعمل الشر فيعمل الشر ويعذبه على ذلك، ثم ختم الآية باسمين كريمين دالين على سعة رحمته وعموم مغفرته وسعة إحسانه وعميم إحسانه، فقال {والله غفور رحيم} ففيها أعظم بشارة بأن رحمته غلبت غضبه، ومغفرته غلبت مؤاخذته، فالآية فيها الإخبار عن حالة الخلق وأن منهم من يغفر الله له ومنهم من يعذبه، فلم يختمها باسمين أحدهما دال على الرحمة، والثاني دال على النقمة، بل ختمها باسمين كليهما يدل على الرحمة، فله تعالى رحمة وإحسان سيرحم بها عباده لا تخطر ببال بشر، ولا يدرك لها وصف، فنسأله تعالى أن يتغمدنا ويدخلنا برحمته في عباده الصالحين...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 128]

... بيان حقيقة إيمانيةٍ كلية، في سنة اللّه في الكافرين الظالمين، وفي قدرته الشاملة التي تجعل له السلطة الكاملة عليهم في المغفرة أو العذاب، للتأكيد على أنَّ النبيّ (ص) في ذاته وفي دوره لا يملك من الأمر في ذلك شيئاً، لأنَّ الأشياء في نتائجها الحاسمة تنطلق من إرادة اللّه، فلا دور للأنبياء إلاَّ تهيئة الأجواء الملائمة للهداية أو المتحرّكة في مواقع التحدّي من أجل تنفيذ أوامر اللّه في الأخذ بالوسائل التي يملكونها، مما أعطاهم اللّه القدرة فيه، لأنَّ النتائج مربوطة بالحركة العامّة للأوضاع والوسائل التي قد يملك النَّاس بعض القدرة على تحريكها بإرادة اللّه، ولكنَّهم لا يملكون كلّ شيء فيها من الداخل والخارج، واللّه العالم. [ليس لك من الأمر شيء] في مصير هؤلاء النَّاس الذين حاربوك، لتحدّد أنت ذلك بطريقتك الخاصّة، لأنَّ اللّه لم يجعل للأنبياء ذلك إلاَّ في دائرة خاصّة من خلال وسيلة الدُّعاء تارةً والشفاعة أخرى، فهما يتحرّكان من خلال ما حدّده اللّه من منهجٍ ومواقع، فليس لك أن تشفع إلاَّ لمن ارتضى أو تدعو إلاَّ لمن يريد اللّه لك أن تدعو له، ويبقى الأمر للّه أن يعذبهم إن شاء أو يتوب عليهم ويغفر لهم إذا أراد، [أو يتوب عليهم أو يعذِّبهم] انطلاقاً من حكمته العميقة الشاملة في العذاب والمغفرة اللذين لا ينطلقان من حالة طارئةٍ أو الخضوع لضغط معيّن كما هو عند النَّاس، بل ينطلقان من السنّة الإلهية من موقع الحكمة في ذلك كلّه، فله أن يغفر لهم ويتوب عليهم وله أن يعذّبهم، [فإنَّهم ظالمون] يستحقون العذاب، كما يمكن أن تنالهم المغفرة عند توفر عناصرهم فيهم من خلال إنابتهم إلى اللّه وعودتهم إليه.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

هذه الآية في الحقيقة تأكيد لمفاد الآية السابقة، فيكون المعنى هو: أن العفو أو المجازاة ليس بيد النبي، بل هو لله الذي بيده كلّ ما في السماوات وكلّ ما في الأرض، فهو الحاكم المطلق لأنه هو الخالق، فله الملك وله التدبير، وعلى هذا الأساس فإن له أن يغفر لمن يشاء من المذنبين، أو يعذّب، حسب ما تقتضيه الحكمة، لأن مشيئته تطابق الحكمة: (ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء).

ثمّ إنه سبحانه يختم الآية بقوله: (والله غفور رحيم) تنبيهاً إلى أنه وإن كان شديد العذاب، إلاّ أن رحمته سبقت غضبه، فهو غفور رحيم قبل أن يكون شديد العقاب والعذاب.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (129)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد ، وشج في رأسه ، فجعل يسلت الدم عنه ويقول : ( كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى ) فأنزل الله تعالى : " ليس لك من الأمر شيء " . الضحاك : هَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المشركين فأنزل الله تعالى : " ليس لك من الأمر شيء " . وقيل : استأذن في أن يدعو في استئصالهم ، فلما نزلت هذه الآية علم أن منهم من سيسلم وقد آمن كثير منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم . وروى الترمذي عن ابن عامر قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على أربعة نفر فأنزل الله عز وجل : " ليس لك من الأمر شيء " فهداهم الله للإسلام وقال : هذا حديث حسن غريب صحيح . وقوله تعالى : " أو يتوب عليهم " قيل : هو معطوف على " ليقطع طرفا " . والمعنى : ليقتل طائفة منهم ، أو يحزنهم بالهزيمة أو يتوب عليهم أو يعذبهم . وقد تكون " أو " ها هنا بمعنى " حتى " و " إلا أن " . قال امرؤ القيس :

أو نموتَ فَنُعْذَرَا

قال علماؤنا : قوله عليه السلام : ( كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم ) استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به . وقوله تعالى : " ليس لك من الأمر شيء " تقريب لما استبعده وإطماع في إسلامهم ، ولما أطمع في ذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : ( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) . قال علماؤنا : فالحاكي في حديث ابن مسعود هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، وهو المحكى عنه ، بدليل ما قد جاء صريحا مبينا أنه عليه الصلاة والسلام لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقا شديدا وقالوا : لو دعوت عليهم ! فقال : ( إني لم أبعث لَعّانا ولكني بعثت داعيا ورحمة ، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) . فكأنه عليه السلام أوحى إليه بذلك قبل وقوع قضية أحد ، ولم يعين له ذلك النبي ، فلما وقع له ذلك تعين أنه المعنى بذلك بدليل ما ذكرنا . ويبينه أيضا ما قاله عمر له في بعض كلامه : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! لقد دعا نوح على قومه فقال : " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " {[3465]} [ نوح : 26 ] الآية . ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا ، فقد وطئ ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا ، فقلت : ( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) . وقوله : ( اشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم ) يعني بذلك المباشر لذلك ، وقد ذكرنا اسمه على اختلاف في ذلك ، وإنما قلنا إنه خصوص في المباشر ؛ لأنه قد أسلم جماعة ممن شهد أحدا وحسن إسلامهم .

الثانية : زعم بعض الكوفيين أن هذه الآية ناسخة للقنوت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله بعد الركوع في الركعة الأخيرة من الصبح ، واحتج بحديث ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر بعد رفع رأسه من الركوع فقال : ( اللهم ربنا ولك الحمد في الآخرة - ثم قال - اللهم العن فلانا وفلانا ) فأنزل الله عز وجل " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم " الآية . أخرجه البخاري ، وأخرجه مسلم أيضا من حديث أبي هريرة أتم منه . وليس هذا موضع نسخ وإنما نبه الله تعالى نبيه على أن الأمر ليس إليه ، وأنه لا يعلم من الغيب شيئا إلا ما أعلمه ، وأن الأمر كله لله يتوب على من يشاء ويجعل العقوبة لمن يشاء . والتقدير : ليس لك من الأمر شيء ولله ما في السموات وما في الأرض دونك ودونهم يغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء . فلا نسخ ، والله أعلم . وبين بقوله : " ليس لك من الأمر شيء " أن الأمور{[3466]} بقضاء الله وقدره ردا على القدرية وغيرهم .

الثالثة : واختلف العلماء في القنوت في صلاة الفجر وغيرها ، فمنع الكوفيون منه في الفجر وغيرها . وهو مذهب الليث ويحيى بن يحيى الليثي الأندلسي صاحب مالك ، وأنكره الشعبي . وفي الموطأ عن ابن عمر : أنه كان لا يقنت في شيء من الصلاة . وروى النسائي أنبأنا قتيبة عن خلف عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقنت ، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت ، وصليت خلف عمر فلم يقنت ، وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت ، ثم قال : يا بني إنها بدعة . وقيل : يقنت في الفجر دائما وفي سائر الصلوات إذا نزل بالمسلمين نازلة . قاله الشافعي والطبري . وقيل : هو مستحب في صلاة الفجر ، وروي عن الشافعي . وقال الحسن وسحنون : إنه سنة . وهو مقتضى رواية علي بن زياد عن مالك بإعادة تاركه للصلاة عمدا . وحكى الطبري الإجماع على أن تركه غير مفسد للصلاة . وعن الحسن : في تركه سجود السهو ، وهو أحد قولي الشافعي . وذكر الدارقطني عن سعيد بن عبدالعزيز فيمن نسي القنوت في صلاة الصبح قال : يسجد سجدتي السهو . واختار مالك قبل الركوع ، وهو قول إسحاق . وروي أيضا عن مالك بعد الركوع ، وروي عن الخلفاء الأربعة ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق أيضا . وروى عن جماعة من الصحابة التخيير في ذلك . وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن أنس أنه قال : ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا . وذكر أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت ؛ فقال : ( يا محمد إن الله لم يبعثك سبّابا ولا لعّانا وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا ، ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) قال : ثم علمه هذا القنوت فقال : ( اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخنع{[3467]} لك ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد{[3468]} ونرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق ){[3469]} .


[3465]:- راجع جـ18 ص 312.
[3466]:- في نسخة: هـ و ب و د، وفي غيرها: الأمر
[3467]:- الخنوع: الخضوع والذل.
[3468]:- الحفد (بفتح فسكون): الإسراع في العمل والخدمة.
[3469]:- الرواية بكسر الحاء، أي من نزل به عذابك ألحقه بالكفار. وقيل: هو بمعنى لاحق، لغة في الحق. ويروى بفتح الحاء على المفعول، أي إن عذابك يلحق بالكفار ويصابون به. (عن ابن الأثير).

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (129)

قوله : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) .

والمقصود من هذه الآية التأكيد على ما ذكر مما اقتضاه قوله سبحانه : ( ليس لك من الآمر شيء أو يتوب عليهم ) فالأمر في ذلك كله لله ، سواء في ذلك التوبة والغفران أو الحساب أو العقاب أو المخلوقات والكائنات والأشياء جميعا . وإنما ذلك من عداد الملكوت الكبير مما هو منوط بإرادة الله ومشيئته . على أن رحمة الله بالعباد بالغة السعة . لا جرم أن رحمة الله تفيض على الحياة والكائنات جميعا بما ينعكس على الوجود كله بالخير والبركة والنور المشعش ، ومن جملة ذلك أن الله جل جلاله غفار للخطايا والذنوب والآثام مهما كثرت أو تراكمت . فقال سبحانه في الآية : ( والله غفور رحيم ) .