الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} (122)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني بذلك جلّ ثناؤه: والله سميع عليم حين همّت طائفتان منكم أن تفشلا. والطائفتان اللتان همتا بالفشل ذكر لنا أنهم بنو سَلِمة وبنو حارثة... قال أبو جعفر: وقد دللنا على أن ذلك كان يوم أحد فيما مضى بما فيه الكفاية عن إعادته...

وأما قوله {أنْ تَفْشَلا} فإنه يعني: همّا أن يضعفا ويجبنا عن لقاء عدوّهما، يقال منه: فشل فلان عن لقاء عدوّه يفشل فشلاً... وكان همهما الذي همّا به من الفشل: الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حين انصرف عنهم عبد الله بن أبيّ بن سلول ابن معه، جبنا منهم، من غير شكّ منهم في الإسلام ولا نفاق، فعصمهم الله مما هموا به من ذلك، ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجهه الذي مضى له، وتركوا عبد الله بن أبيّ ابن سلول والمنافقين معه، فأثنى الله عزّ وجلّ عليهما بثبوتهما على الحقّ، وأخبر أنه وليهما وناصرهما على أعدائهما من الكفار...يقول: {وَعَلى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ المُؤْمِنُونَ} أي من كان به ضعف من المؤمنين أو وهن فليتوكل عليّ، وليستعن بي، أعنه على أمره، وأدفع عنه، حتى أبلغ به وأقوّيه على نيته...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قوله تعالى: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} قوله: {همت} [يحتمل إذ هموا هم خطر، ويحتمل إذ هموا هم عزم، وكذلك هذا التأويل في قوله: {لقد همت به وهم بها} [يوسف: 24] همت هي به، هم عزم، وهم بها هم خطر، وهم الخطر يقع من غير صنع من صاحبه، وهم العزم يكون بالعزيمة والقصد. وقوله تعالى: {أن تفشلا} والفشل ليس مما ينهى عنه لأنه يقع من غير فعله، لكنه، والله أعلم، هموا أن يفعلوا فعل الفشل؛ وذكر في القصة أن الطائفتين أحدهما من بني كذا والأخرى من بني كذا، فلا يجب أن يذكروا إلا أن يقروا هم بذلك، وكانوا يقولون: نحن كنا فعلنا، وما يجب إلا أن نكون في قوله: {والله وليهما} ظهر لنا ولاية الله، ولو لم يكن لم يظهر. وقوله تعالى: {والله وليهما} قد ذكرنا هذا في غير موضع، أن الولي، قيل: هو الناصر، وقيل: هو الحافظ، وقيل: إنه أولى بهم... المؤمن يعلم علم اليقين أن من نصره الله لا يغلبه شيء، ومن يخذله الله لا ينصره شيء. وقوله تعالى: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [حق على المؤمنين ألا يتوكلوا إلا على الله جلا وعلا... توكل أي اعتمد على ما وعد، واجتهد في الوفاء بما عهد، وفوض كل أمره إلى الله إذ علم أنه بكليته لله، وإليه مرجعه، وبهذه الجملة عهد أن ينصر دينه، ويولي عدوه دبره، والله أعلم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

يُبْرِزُ الجميعَ في صدار الاختيار؛ كأنَّ الأمر إليهم في نفيهم وإتيانهم، وفعلهم وتركهم، وفي الحقيقة لا يتقلبون إلا بتصريف القبضة، وتقليب القدرة...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... عن ابن عباس رضي الله عنه: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس، وكما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه... ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية، والله تعالى يقول: {والله وَلِيُّهُمَا} ويجوز أن يراد: والله ناصرهما ومتولي أمرهما، فما لهما تفشلان ولا تتوكلان على الله فإن قلت، فما معنى ما روي من قول بعضهم عند نزول الآية:"والله ما يَسُرُّنا أنا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبرنا الله بأنه ولينا" ؟ قلت: معنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك الهمة غير المأخوذ بها لأنها لم تكن عن عزيمة وتصميم كانت سبباً لنزولهما. والفشل: الجبن والخور...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

قوله: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أمر في ضمنه التغبيط للمؤمنين بمثل ما فعله بنو حارثة وبنو سلمة من المسير مع النبي صلى الله عليه وسلم...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

إن قيل: الهم بالشيء هو العزم، فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل والترك وذلك معصية فكيف بهما أن يقال والله وليهما؟. والجواب: الهم قد يراد به العزم، وقد يراد به الفكر، وقد يراد به حديث النفس، وقد يراد به ما يظهر من القول الدال على قوة العدو وكثرة عدده ووفور عدده، لأن أي شيء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف من ظهر ذلك منه بأنه هم بأن يفشل من حيث ظهر منه ما يوجب ضعف القلب، فكان قوله {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} لا يدل على أن معصية وقعت منهما، وأيضا فبتقدير أن يقال: إن ذلك معصية لكنها من باب الصغائر لا من باب الكبائر، بدليل قوله تعالى: {والله وليهما} فإن ذلك الهم لو كان من باب الكبائر لما بقيت ولاية الله لهما...

[و] في المعنى وجوه:

الأول: أن المراد منه بيان أن ذلك الهم ما أخرجهما عن ولاية الله تعالى.

الثاني: كأنه قيل: الله تعالى ناصرهما ومتولي أمرهما فكيف يليق بهما هذا الفشل وترك التوكل على الله تعالى؟

الثالث: فيه تنبيه على أن ذلك الفشل إنما لم يدخل في الوجود لأن الله تعالى وليهما فأمدهما بالتوفيق والعصمة، والغرض منه بيان أنه لولا توفيقه سبحانه وتسديده لما تخلص أحد عن ظلمات المعاصي، ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى بعده هذه الآية {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}...

ثم قال: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} التوكل: تفعل، من وكل أمره إلى فلان إذا اعتمد فيه كفايته عليه ولم يتوله بنفسه، وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي أن يدفع الإنسان ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

أمرهم بالتوكل عليه، وقدم المجرور للاعتناء بمن يتوكل عليه، أو للاختصاص على مذهب من يرى ذلك. ونبّه على الوصف الذي يقتضي ذلك وهو الإيمان، لأنَّ مَنْ آمن بالله خير أن لا يكون اتكاله إلا عليه، ولذلك قال: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} وأتى به عاماً لتندرج الطائفتان الهامّتان وغيرهم في هذا الأمر، وأن متعلقة من قام به الإيمان...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

قوله: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} قال البخاري: حدثنا عليّ بنُ عبد الله، حدثنا سفيان قال: قال عَمْرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} قال: نحن الطائفتان بنو حارثَة وبنو سَلَمة، وما نحِب -وقال سفيان مرة: وما يسرنِي- أنَّها لم تَنزلْ، لقول الله تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا}. وكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به. وكذا قال غيرُ واحد من السَّلَف: إنهم بنو حارثة وبنو سلمةَ.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{إذا همت طائفتان} وكانا جناحي العسكر {منكم} أي بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس {أن تفشلا} أي تكسلاً وتراخياً وتضعفاً وتجبناً لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فترجعا، كما رجع المنافقون {والله} أي والحال أن ذا الجلال والإكرام {وليهما} وناصرهما لأنهما مؤمنتان فلا يتأتى وقوع الفشل وتحققه منهما لذلك، فليتوكلا عليه وحده لإيمانهما، أو يكون التقدير: فالعجب منهما كيف تعتمدان على غيره سبحانه وتعالى لتضعفا بخذلانه {و} الحال أنه {على الله} أي الذي له الكمال كله وحده {فليتوكل المؤمنون} أي الذين صار الإيمان صفة لهم ثابتة، أجمعون لينصرهم، لا على كثرة عدد ولا قوة جلد، والأحسن تنزيل الآية على الاحتباك ويكون أصل نظمها: والله وليهما لتوكلهما وإيمانهما فلم يمكن الفشل منهما، فتولوا الله وتوكلوا عليه ليصونكم من الوهن، وعلى الله فليتوكل المؤمنون كلهم ليفعل بهم ذلك، فالأمر بالتوكل ثانياً دال على وجوده أولاً، وإثبات الولاية أولاً دال على الأمر بها ثانياً،...

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

حذف متعلق التوكل ليفيد العموم أي ليتوكلوا عليه عز شأنه في جميع أمورهم جليلها وحقيرها سهلها وحزنها...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هكذا يكشف الله المخبوء في مكنونات الضمائر؛ والذي لم يعلمه إلا أهله، حين حاك في صدورهم لحظة؛ ثم وقاهم الله إياه، وصرفه عنهم، وأيدهم بولايته، فمضوا في الصف.. يكشفه لاستعادة أحداث المعركة، واستحياء وقائعها ومشاهدها. ثم.. لتصوير خلجات النفوس، وإشعار أهلها حضور الله معهم، وعلمه بمكنونات ضمائرهم -كما قال لهم: (والله سميع عليم)- لتوكيد هذه الحقيقة وتعميقها في حسهم. ثم لتعريفهم كيف كانت النجاة؛ وإشعارهم عون الله وولايته ورعايته حين يدركهم الضعف، ويدب فيهم الفشل، ليعرفوا أين يتوجهون حين يستشعرون شيئا من هذا وأين يلتجئون. ومن ثم يوجههم هذا الوجه الذي لا وجه غيره للمؤمنين: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون).. على وجه القصر والحصر.. على الله وحده فليتوكل المؤمنون. فليس لهم -إن كانوا مؤمنين- إلا هذا السند المتين. وهكذا نجد في الآيتين الأوليين، اللتين يستحضر بهما القرآن مشهد المعركة وجوها، هذين التوجيهين الكبيرين الأساسيين في التصور الإسلامي، وفي التربية الإسلامية...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

ذكر ولاية الله تعالى في هذا المقام لسببين:

أحدهما: أن المنافقين استطاعوا أن يؤثروا في المؤمنين ذلك التأثير السيئ مع أن المؤمن يشعر دائما بولاية الله تعالى وعزته، وأنه سبحانه وتعالى ينصر من ينصره، وهو القوي العزيز، وأن هذا يوجب أن يعمل الهادي والمرشد على أن يصون نفوس المؤمنين من أن يدخل إليها شياطين الإنس من المنافقين والمخادعين.

الثاني:أن ذلك فيه معنى التوبيخ لأولئك الذين تأثرت نفوسهم بأولئك المنافقين، لأنه ما كان ينبغي لهم ان يستمعوا إلى دعاية المنافقين، أو أن يفتحوا لها بابا تدخل منه إلى قلوبهم، ولكن هكذا البشر تتسرب إلى نفوسهم وسوسة الشيطان من حيث لا يشعرون...

{وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وإذا كان الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين حتى من يهم أن يضعف متأثرا بحركات المنافقين، فإنه سبحانه وتعالى هو الذي يتوكل عليه المؤمنون، والمؤمن بوصف كونه مؤمنا لا يعتمد على حليف أو نصير، وإنما يعتمد على الله تعالى وحده... والتوكل الحقيقي لا يستدعي ترك الأسباب،فإنه لا توكل إلا بعد الأخذ بالأسباب، إذ إن حقيقة التوكل الذي طالب الله تعالى به هو أنه يأخذ بالأسباب ويستعد، ثم يترك الأمور لله تعالى،فإنه قد يعرض للإنسان ما ليس في حسبانه،فعليه أن يترك تلك المنطقة الغيبية لعلام الغيوب، والدليل على أن التوكل في القرآن والسنة يستدعي اتخاذ الأسباب، أنه يجتمع مع الجهاد والمشاورة، فالله تعالى يقول: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله...159} [آل عمران]. وفي الآية التي نتكلم في معانيها السامية، جاء الأمر بالتوكل بعد أن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال، ويأخذ الأهبة ويستعد، وإذا كان التوكل ترك الأسباب، فلم كان الأمر بالعمل والقتال وغيره من التكليفات التي تكون سببا لنتائج شرعية؟

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وهناك ملاحظة... جديرة بالتأمّل، وهي أنَّ التعبير القرآني عبّر عن الانسحاب بكلمة «الفشل»، ما يوحي بأنَّ الجانب العملي من حياة المسلم يعتبر حالة فشلٍ بالنسبة إلى إيمان المؤمن. فالإيمان الذي لا يعبّر عن نفسه بالعمل في خطّ الطاعة هو إيمان فاشل، لأنَّه لم ينجح في التجربة المرّة في صراع الإنسان مع الشَّيطان. وهذه نقطة لا بُدَّ من التركيز عليها في أساليب التربية، بالإيحاء بأنَّ الإيمان يمرّ في الحياة بتجربة النجاح والفشل، كما هو الحال في كلّ قضية تستتبع المعاناة، ما يرفع من درجة استعداد المؤمن في المجاهدة من أجل الحفاظ على نجاحه في خطّ الإيمان. أمّا كلمة [واللّه وليُّهما] فتحمل في داخلها تعميق الشعور للمؤمن بالرعاية الإلهية له في حالات الضعف والزلزال النفسي الناتج عن الضغوط الصعبة المحيطة به، ما يجعله يحسُّ بالأمن والطمأنينة بحماية اللّه له في أوقات الغفلة. وربَّما كان في التعبير بكلمة «الولي» من الحنان والحميميّة ما يملأ النفس بأصفى المشاعر وأنقاها وأسماها في علاقة الإنسان باللّه... [وعلى اللّه فليتوكَّل المؤمنون] وهي دعوة للمؤمنين أن يتحرّكوا من فكرة [واللّه وليُّ المؤمنين] (آل عمران: 68) ليتوجهوا إليه في حالات الضعف، أو في الأوضاع التي يخافون أن يضعفوا أمامها مستقبلاً، فإنَّ التوكل على اللّه يمثِّل أرقى أنواع الإيمان، لأنَّه يمثِّل الاستسلام للّه من خلال الثقة المطلقة به في أوقات الشدّة والرخاء واليُسر والعُسر، الأمر الذي يزرع في نفسه الثقة بالحاضر والمستقبل في كلّ عمل من أعمال الدُّنيا والآخرة.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لابدّ من التنبيه إلى نقطة هامة وهي أن ذكر هذه المقاطع من غزوة «أحد» بعد الآيات السابقة التي تحدثت عن لزوم عدم الوثوق بالكفّار، إشارة إلى نموذج واحد من هذه الحقيقة، لأن النبي كما أسلفنا وكما سيأتي تفصيله لم يسمح ببقاء اليهود الذين تظاهروا بمساعدة المسلمين في المعسكر الإسلامي، لأنهم كانوا أجانب على كلّ حال، ولا يمكن السماح لهم بأن يبقوا بين صفوف المسلمين فيطلعوا على أسرارهم في تلك اللحظات الخطيرة، وأن يكونوا موضع اعتماد المسلمين في تلك المرحلة الحساسة...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} (122)

العامل في : إذ – تبوئ . أو " سميع عليم " . والطائفتان : بنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس ، وكانا جناحي العسكر يوم أحد . ومعنى " أن تفشلا " أن تَجبُنا . وفي البخاري عن جابر قال : فينا نزلت " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما " قال : نحن الطائفتان : بنو حارثة وبنو سلمة ، وما نحب أنها لم تنزل ؛ لقول الله عز وجل : " والله وليهما " . وقيل : هم بنو الحارث وبنو الخزرج وبنو النبيت ، والنبيت هو عمرو بن مالك من بني الأوس . والفشل عبارة عن الجبن ، وكذلك هو في اللغة . والهم من الطائفتين كان بعد الخروج لما رجع عبد الله بن أبي بمن معه من المنافقين فحفظ الله قلوبهم فلم يرجعوا ، فذلك قوله تعالى : " والله وليهما " يعني قلوبهما عن تحقيق هذا الهم . وقيل : أرادوا التقاعد عن الخروج ، وكان ذلك صغيرة منهم . وقيل : كان ذلك حديث نفس منهم خطر ببالهم فأطلع الله نبيه عليه السلام عليه فازدادوا بصيرة ، ولم يكن ذلك الخَوَرُ{[3409]} مكتسبا لهم فعصمهم الله ، وذم بعضهم بعضا ، ونهضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطل على المشركين ، وكان خروجه من المدينة في ألف ، فرجع عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلاثمائة رجل مغاضبا{[3410]} ؛ إذ خولف رأيه حين أشار بالقعود والقتال في المدينة إن نهض إليهم العدو ، وكان رأيه وافق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبى ذلك أكثر الأنصار ، وسيأتي . ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين فاستشهد منهم من أكرمه الله بالشهادة . قال مالك رحمه الله : قتل من المهاجرين يوم أحد أربعة ، ومن الأنصار سبعون رضي الله عنهم . والمقاعد : جمع مقعد وهو مكان القعود ، وهذا{[3411]} بمنزلة مواقف ، ولكن لفظ القعود دال على الثبوت ، ولا سيما أن الرماة كانوا قعودا . هذا معنى حديث غزاة أحد على الاختصار ، وسيأتي من تفصيلها ما فيه شفاء . وكان مع المشركين يومئذ مائة فرس عليها خالد بن الوليد ، ولم يكن مع المسلمين يومئذ فرس . وفيها جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر وهشمت البيضة{[3412]} من على رأسه صلى الله عليه وسلم ، وجزاه عن أمته ودينه بأفضل ما جزى به نبيا من أنبيائه على صبره . وكان الذي تولى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن قميئة الليثي ، وعتبة بن أبي وقاص . وقد قيل : إن عبد الله بن شهاب جد الفقيه محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبهته . قال الواقدي : والثابت{[3413]} عندنا أن الذي رمى في وجه{[3414]} النبي صلى الله عليه وسلم ابن قميئة ، والذي أدمى{[3415]} شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص . قال الواقدي بإسناده عن نافع بن جبير . قال : سمعت رجلا من المهاجرين يقول : شهدت أُحُدا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ذلك يصرف عنه . ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ : دلوني على محمد دلوني على محمد ، فلا نجوت إن نجا{[3416]} . وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه ، فعاتبه في ذلك صفوان فقال : والله ما رأيته ، أحلف بالله إنه منا ممنوع ! خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص{[3417]} إلى ذلك . وأكبت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط في حفرة ، كان أبو عامر الراهب قد حفرها مكيدة للمسلمين ، فخر عليه السلام على جنبه واحتضنه طلحة حتى قام ، ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم ، وتشبثت حلقتان من درع المِغْفَر في وجهه صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما بثنيتيه فسقطتا ، فكان اهْتم يزينه هَتَمُه رضي الله عنه . وفي هذه الغزاة قتل حمزة رضي الله عنه ، قتله وحشي ، وكان وحشي مملوكا لجبير بن مطعم . وقد كان جبير قال له : إن قتلت محمدا جعلنا لك أعنة الخيل ، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلنا لك مائة ناقة كلها سود الحدق ، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر . فقال وحشي : أما محمد فعليه حافظ من الله لا يخلص إليه أحد . وأما علي ما برز إليه أحد إلا قتله . وأما حمزة فرجل شجاع ، وعسى أن أصادفه فأقتله . وكانت هند كلما تهيأ وحشي أو مرت به . قالت : إيها أبا دسمة اشف واستشف . فكَمِن له خلف صخرة ، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين ، فلما رجع من حملته ومر بوحشي زَرَقه بالمِزراق فأصابه فسقط ميتا{[3418]} رحمه الله ورضي عنه . قال ابن إسحاق : فبقرت هند عن كبد حمزة فلاكتها ولم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت :

نحن جزيناكم بيوم بدر *** والحرب بعد الحرب ذات سُعْرِ

ما كان عن عتبة لي من صبر *** ولا أخي وعَمِّهِ وبَكْرِي

شفيتُ نفسي وقضيتُ نذري *** شفيتَ وحشيٌ غليلَ صدري

فشكرُ وحشي عليَّ عمري *** حتى تَرِمّ أعظمي في قبري

فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب فقالت :

خَزِيتِ في بدر وبعد بدر *** يا بنت وقَّاع عظيم الكفر

صبحك الله غداة الفجر *** مِلْهاشميين الطوال الزُّهر

بكل قَطّاع حُسام يفري *** حمزةُ ليثي وعَليٌّ صقري

إذ رام شيبَ{[3419]} وأبوكِ غدري *** فَخَضَبا{[3420]} منه ضواحي النحر

ونَذْرَكِ السوء فشر نَذْرِ

وقال عبدالله بن رواحة يبكي [ يرثي ] حمزة رضي الله عنه :

بكت عيني وحق لها بُكاها *** وما يغني البكاء ولا العويل

على أَسَدِ الإله غداة قالوا *** أحمزةُ ذاكم الرجل القتيل

أصيب المسلمون به جميعا *** هناك ، وقد أصيب به الرسول

أبا يَعْلى لك الأركان هُدَّت *** وأنت الماجد البر الوَصول

عليك سلام ربك في جنان *** *** مخالطها نعيم لا يزول

ألا يا هاشم الأخيار صبرا *** *** فكل فعالكم حسن جميل

رسول الله مصطبر كريم *** بأمر الله ينطق إذ يقول

ألا من مبلغ عني لُؤَيّاً *** فبعد اليوم دَائِلةٌ تَدُول

وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا *** وقائعنا بها يُشفى الغليل

نسيتم ضربنا بقليب{[3421]} بدر *** غداة أتاكم الموت العَجِيل

غداة ثوى أبو جهل صريعا *** عليه الطير حائمةً تجول

وعتبة وابنه خرا جميعا *** وشيبة عضه السيف الصقيل

ومَتْرَكُنَا أمية مُجْلَعِبّاً{[3422]} *** وفي حَيْزُومِهِ لَدْنٌ نبيل{[3423]}

وهامَ بني ربيعة سائلوها *** ففي أسيافنا منها فُلُول

ألا يا هند لا تبدي شَمَاتا *** بحمزة إن عزكم ذليل

ألا يا هند فابكي لا تملي *** فأنت الواله العَبْرَى الهَبُول{[3424]}

ورثته أيضا أخته صفية ، وذلك مذكور في السيرة ، رضي الله عنهم أجمعين .

قوله تعالى : " وعلى الله فليتوكل المؤمنون " فيه مسألة واحدة ، وهي بيان التوكل . والتوكل في اللغة إظهار العجز والاعتماد على الغير{[3425]} . وواكل فلان إذا ضَيّع أمره متكلا على غيره .

واختلف العلماء في حقيقة التوكل ، فسئل عنه سهل بن عبد الله فقال : قالت فرقة الرضا بالضمان ، وقطع الطمع من المخلوقين . وقال قوم : التوكل ترك الأسباب والركون إلى مسبب الأسباب ، فإذا شغله السبب عن المسبب زاد عنه اسم التوكل . قال سهل : من قال إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله عز وجل يقول : " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " {[3426]} [ الأنفال : 69 ] فالغنيمة اكتساب . وقال تعالى : " فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان " {[3427]} [ الأنفال : 12 ] فهذا عمل . وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله يحب العبد المحترف ) . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرضون على السِرية{[3428]} . وقال غيره : وهذا قول عامة الفقهاء ، وأن التوكل على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض ، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة . وإلى هذا ذهب محققو الصوفية ، لكنه لا يستحق اسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب ، فإنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا ، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى ، والكل منه وبمشيئته ، ومتى وقع من المتوكل ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الاسم . ثم المتوكلون على حالين : الأول : حال المتمكن في التوكل فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه ، ولا يتعاطاه إلا بحكم الأمر . الثاني : حال غير المتمكن وهو الذي يقع له الالتفات إلى تلك الأسباب أحيانا غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية ، والبراهين القطعية ، والأذواق الحالية ؛ فلا يزال كذلك إلى أن يرقيه الله بجوده إلى مقام المتوكلين المتمكنين ، ويلحقه بدرجات العارفين .


[3409]:- كذا في د و ز وب.
[3410]:- كذا في د وب وهـ وجـ.
[3411]:- من د و ب وهـ.
[3412]:- البيضة: الخوذة، وهي زرد ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة، وفي ب و د وهـ: هشمت البيضة رأسه.
[3413]:- في ب و د وهـ: الثبت
[3414]:- في د و هـ وب: وجنّى النبي.
[3415]:- في ب و د وهـ: رمى.
[3416]:- زيادة عن مغازي الواقدي.
[3417]:- في د: تشبت، وفي هـ: نشبت.
[3418]:- كذا في د، وفي ب وهـ وحـ: فسقط منها.
[3419]:- أردت شيبة بن ربيعة أخا عتبة بن ربيعة أبا هند. وقد رخم هنا في غير النداء لضرورة الشعر.
[3420]:- في د: مخضبا
[3421]:- القليب (بفتح أوله وكسر ثانيه): البئر العادية القديمة التي لا يعلم لها رب ولا حافرة تكون في البراري، يذكر ويؤنث.
[3422]:- المجلعب: المصروع إما ميتا وإما صرعا شديدا.
[3423]:- الحيزوم: وسط الصدر وما يضم عليه الحزام واللدن: الرمح.
[3424]:- الهبول من النساء: الثكول.
[3425]:- في ب ود: غيرك وفي هـ: غيره.
[3426]:- راجع جـ8 ص 51.
[3427]:-راجع جـ7 ص 377.
[3428]:- السرية: طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة، سموا بذلك لأنهم تكون من خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري: النفيس.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} (122)

قوله : ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ) الهم يحتمل عدة معان فقد يراد به العزم ، وقد يراد به الفكر ، وقد يراد به حديث النفس ، وقيل غير ذلك . والطائفتان اللتان همتا بالفشل وهو الجبنن والخور ، هما حيان من الأنصار وهما بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس ، وذلك لما انهزم عبد الله بن أبي بن سلول ، همت الطائفتان باتباعه لكن الله عصمهم فثبتوا مع الرسول صلى الله عليه و سلم ، وهذا مقتضى قوله : ( والله وليهما ) {[575]} .

قوله : ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) الله جل جلاله يدعو عباده المؤمنين أن لا يركنوا إلا إلى جنابه العظيم ، وأن يعتمدوا عليه في كل الملمات والأهوال ، فهم لا يدهمهم داهم عصيب ، ولا تقرعهم نائبة من النوائب إلا توجهوا بقلوبهم إلى الله وحده ، فهو وليهم وحافظهم ومثبتهم . وهو الذي يبدد عدوهم ويثير في نفسه الهلع والذعر ليبوء بالهزيمة والفشل ، فلا ينبغي للمؤمنين بعد هذا النداء الرباني المجلجل أن يركنوا للبشر كما يركن كثير من المغفلين الفاشلين الذين يذهلون عن الله ذي الملكوت ، ليعولوا في أهوائهم وفي وجدانهم على الخلائق من الساسة والطغاة والمتجبرين ، حتى إذا سقطوا في عار الهزيمة وذاقوا وبال أمرهم من الانهيار والتداعي عرفوا أنهم ضلوا الطريق والتفكير .


[575]:- تفسير الطبري جـ 4 ص 45- 48 وتفسير الرازي جـ 8 ص 223-226 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 184 وتفسير البيضاوي ص 88 والقاموس المحيط جـ 4 ص 194 ومختار الصحاح ص 68.