الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (226)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{للذين يؤلون}: يقسمون {من نسائهم}: فهو الرجل يحلف أن لا يقرب امرأته، {تربص أربعة أشهر}

{فإن فاءوا} يعني فإن رجع في يمينه فجامعها قبل أربعة أشهر، فهي امرأته، وعليه أن يكفر عن يمينه، {فإن الله غفور} لهذه اليمين، {رحيم} به، إذ جعل الله عز وجل الكفارة فيها، لأنه لم يكن أنزل الكفارة في المائدة، ثم نزلت بعد ذلك الكفارة في المائدة...

تفسير الشافعي 204 هـ :

قال الله: {لِّلذِينَ يُولُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءو فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا اَلطَّلَاقَ فَإِنَّ اَللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فقال الأَكْثَرُ مِمَّن رُويَ عنه من أصحاب النبي عندنا: إذا مَضَت أربعةُ أَشهر وُقِفَ المُولي، فإمَّا أن يَفِيءَ، وإما أن يُطَلِّق. وروي عن غيرهم من أصحاب النبي: عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر. ولم يُحفَظْ عن رسول الله في هذا -بأبي هو وأمي- شيئاً.

قال: فأي القولين ذهبت؟ قلت: ذهبت إلى أن المولي لا يلزمه طلاق، وأن امرأته إن طلبت حَقَّها منه لم أَعْرض له حتى تمضي أربعة أشهر فإذا مضت أربعة أشهر قلت له: فِئ أو طلِّق. والفَيْئَةُ: الجِمَاعُ. قال: فكيف اخترته على القول الذي يخالفه؟ قلتُ: رأيته أشبه بمعنى كتاب الله وبالمعقول. قال: وما دَلَّ عليه من كتاب الله؟ قلتُ: لما قال الله: {لِّلذِينَ يُولُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ}: كان الظاهر في الآية أَنَّ من أَنْظَرَهُ الله أربعة أشهر في شيء لم يكن له عليه سبيل حتى تمضي أربعة أشهر. قال: فقد يُحْتَمَلُ أن يكون الله عز وجل جَعَلَ لَهُ أربعة أشهر يَفِيءُ فيها، كما تقول: قد أجَّلْتُكَ في بناء هذه الدار أربعة أشهر تفرغ فيها منها...

وليس في الفيئة دِلالة على أن لا يَفِيءَ إلا مُضِيُّهَا، لأن الجماع يكون في طرفة عين، فلو كان على ما وصفْتَ تزايل حاله حتى تمضي أربعة أشهر، ثم تزايل حالُهُ الأولى، فإذا زايلها صار إلى أنَّ لله عليه حقاً، فإما أن يفيء وإما أن يطلق. فلو لم يكن في آخر الآية ما يدل على أن معناها غيرُ ما ذهبتَ إليه كان قوله أولاهما بها، لما وصفنا، لأنه ظاهرها. والقرآن على ظاهره، حتى تأتي دلالة منه أو سنة أو إجماع بأنه على باطن دون ظاهر. قال: فما في سياق الآية ما يدل على ما وصفت؟ قلت: لما ذكر الله عز وجل أن للمولي أربعة أشهر ثم قال: {فَإِن فَاءو فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا اَلطَّلَاقَ فَإِنَّ اَللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فذكر الحُكْمَيْنِ معا بلا فَصْلٍ بينهما: أنهما إنما يقعان بعد الأربعة الأشهر، لأنه إنما جعل عليه الفيئة أو الطلاق، وجعل له الخيار فيهما في وقت واحد، فلا يتقدمُ واحد منهما صاحبَهُ وقد ذكرا في وقت واحد، كما يقال له في الرهن: أفْدِهِ أو نَبِيعَهُ عليك، بِلا فَصْلِ؛ وفي كل ما خُيِّرَ فيه: افعل كذا أو كذا، بلا فصلٍ. ولا يجوز أن يكونا ذُكرا بلا فصلٍ فيقال الفيئة فيما بين أن يولي أربعة أشهر، وعزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، فيكونان حُكْمَيْنِ ذُكِرا معًا، يُفسحُ في أحدهما ويُضيَّقُ في الآخر. قال: فأنت تقول: إن فاء قبل الأربعة الأشهر فهي فيئة؟ قلتُ: نعم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"لِلّذِينَ يُؤْلُونَ" الذين: يقسمون ألية، والأَلِيّة: الحلف. ومعنى الكلام: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم تربص أربعة أشهر، فترك ذكر أن يعتزلوا اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه.

واختلف أهل التأويل في صفة اليمين التي يكون بها الرجل مؤليا من امرأته؛ فقال بعضهم: اليمين التي يكون بها الرجل مؤليا من امرأته، أن يحلف عليها في حال غضب على وجه الإضرار لها أن لا يجامعها في فرجها، فأما إن حلف على غير وجه الإضرار على غير غضب فليس هو موليا منها. وقال آخرون: سواء إذا حلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها في فرجها كان حلفه في غضب أو غير غضب، كل ذلك إيلاء. وقال آخرون: كل يمين حلف بها الرجل في مساءة امرأته فهي إيلاء منه منها على الجماع، حلف أو غيره، في رضا حلف أو سخط. وعلة من قال: إنما الإيلاء في الغضب والضرار، أن الله تعالى ذكره إنما جعل الأجل الذي أجل في الإيلاء مخرجا للمرأة من عضل الرجل وضراره إياها فيما لها عليه من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف. وإذا لم يكن الرجل لها عاضلاً، ولا مضارّا بيمينه وحلفه على ترك جماعها، بل كان طالبا بذلك رضاها، وقاضيا بذلك حاجتها، لم يكن بيمينه تلك موليا، لأنه لا معنى هنالك يلحق المرأة به من قبل بعلها مساءة وسوء عشرة، فيجعل الأجل الذي جعل المولي لها مخرجا منه.

وأما علة من قال: الإيلاء في حال الغضب والرضا سواء عموم الآية، وأن الله تعالى ذكره لم يخصص من قوله: لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهمْ تَرَبّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ بعضا دون بعض، بل عمّ به كل مول مقسم، فكل مقسم على امرأته أن لا يغشاها مدة هي أكثر من الأجل الذي جعل الله له تربصه، فمؤلٍ من امرأته عند بعضهم. وعند بعضهم: هو مؤلٍ، وإن كانت مدة يمينه الأجل الذي جعل له تربصه.

وأما علة من قال أن الله تعالى ذكره جعل الأجل الذي حدّه للمولي مخرجا للمرأة من سوء عشرتها بعلها إياها وإضراره بها. وليست اليمين عليها بأن لا يجامعها ولا يقربها بأولى بأن تكون من معاني سوء العشرة والضرار من الحلف عليها أن لا يكلمها أو يسوءها أو يغيظها لأن كل ذلك ضرر عليها، وسوء عشرة لها.

وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك بالصواب قول من قال: كل يمين منعت المقسم الجماع أكثر من المدة التي جعل الله المولي تربصها قائلاً في غضب كان ذلك أو رضا، وذلك للعلة التي ذكرناها قبل لقائلي ذلك.

"فإنْ فاءُوا فإنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ": فإن رجعوا إلى ترك ما حلفوا عليه أن يفعلوه بهنّ من ترك جماعهن فجامعوهن وحنثوا في أيمانهم، فإن الله غفور لما كان منهم من الكذب في أيمانهم بأن لا يأتوهن ثم أتوهن، ولما سلف منهم إليهن من اليمين على ما لم يكن لهم أن يحلفوا عليه، فحلفوا عليه رحيم بهم وبغيرهم من عباده المؤمنين. وأصل الفيء: الرجوع من حال إلى حال، ومنه قوله تعالى ذكره: "وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتلُوا فأصْلِحُوا بَيْنَهُما" إلى قوله: "حتى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللّهِ" يعني: حتى ترجع إلى أمر الله...الفيء في كل الأشياء بمعنى الرجوع.

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا فيما يكون به المؤلي فائيا؛ فقال بعضهم: لا يكون فائيا إلا بالجماع... عن ابن عباس، قال: الفيء: الجماع.

وقال آخرون: الفيء: المراجعة باللسان أو القلب في حال العذر، وفي غير حال العذر الجماع. وقال آخرون: الفيء: المراجعة باللسان بكل حال... عن الحسن، قال: الفيء: الإشهاد.

وإنما اختلف المختلفون في تأويل الفيء على قدر اختلافهم في معنى اليمين التي تكون إيلاء، فمن كان من قوله: إن الرجل لا يكون مؤليا من امرأته الإيلاء الذي ذكره الله في كتابه إلا بالحلف عليها أن لا يجامعها، جعل الفيء الرجوع إلى فعل ما حلف عليه أن لا يفعله من جماعها، وذلك الجماع في الفرج إذا قدر على ذلك وأمكنه، وإذا لم يقدر عليه ولم يمكنه، فإحداث النية أن يفعله إذا قدر عليه وأمكنه وإبداء ما نوى من ذلك بلسانه ليعلمه المسلمون في قول من قال ذلك.

وأما قول من رأى أن الفيء هو الجماع دون غيره، فإنه لم يجعل العائق له عذرا، ولم يجعل له مخرجا من يمينه غير الرجوع إلى ما حلف على تركه وهو الجماع.

وأما من كان من قوله: إنه قد يكون مؤليا منها بالحلف على ترك كلامها، أو على أن يسوءها أو يغيظها، أو ما أشبه ذلك من الأيمان، فإن الفيء عنده الرجوع إلى ترك ما حلف عليه أن يفعله مما فيه مساءتها بالعزم على الرجوع عنه وإبداء ذلك بلسانه في كل حال عزم فيها على الفيء.

وأولى الأقوال بالصحة في ذلك عندنا قول من قال: الفيء: هو الجماع لأن الرجل لا يكون مؤليا عندنا من امرأته إلا بالحلف على ترك جماعها المدة التي ذكرنا للعلل التي وصفنا قبل. فإذّ كان ذلك هو الإيلاء فالفيء الذي يبطل حكم الإيلاء عنه لا شك أنه غير جائز أن يكون إلا ما كان الذي آلى عليه خلافا لأنه لما جعل حكمه إن لم يفئ إلى ما آلى على تركه الحكم الذي بينه الله لهم في كتابه كان الفيء إلى ذلك معلوما أنه فعل ما آلى على تركه إن أطاقه، وذلك هو الجماع، غير أنه إذا حيل بينه وبين الفيء الذي هو الجماع بعذر، فغير كائن تاركا جماعها على الحقيقة، لأن المرء إنما يكون تاركا ماله إلى فعله وتركه سبيل، فأما من لم يكن له إلى فعل أمر سبيل، فغير كائن تاركه. وإذ كان ذلك كذلك فإحداث العزم في نفسه على جماعها مجزئ عنه في حال العذر، حتى يجد السبيل إلى جماعها. وإن أبدى ذلك بلسانه وأشهد على نفسه في تلك الحال بالأوبة والفيء كان أعجب إليّ.

"فَإنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ".

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: فإن الله غفور لكم فيما اجترمتم بفيئكم إليهن من الحنث في اليمين التي حلفتم عليهنّ بالله أن لا تغشوهن، رحيم بكم في تخفيفه عنكم كفارة أيمانكم التي حلفتم عليهن ثم حنثتم فيها.

وهذا التأويل الذي ذكرنا هو التأويل الواجب على قول من زعم أن كل حانث في يمين هو في المقام عليها حَرِجٌ، فلا كفارة عليه في حنثه فيها، وإن كفارته الحنث فيها. وأما على قول من أوجب على الحانث في كل يمين حلف بها برّا كان الحنث فيها أو غير برّ، فإن تأويله: فإن الله غفور للمؤلين من نسائهم فيما حنثوا فيه من إيلائهم، فإن فاءوا فكفروا أيمانهم بما ألزم الله الحانثين في أيمانهم من الكفارة، رحيم بهم بإسقاطه عنهم العقوبة في العاجل والاَجل على ذلك بتكفيره إياه بما فرض عليهم من الجزاء والكفارة، وبما جعل لهم من المهل الأشهر الأربعة، فلم يجعل فيها للمرأة التي آلى منها زوجها ما جعل لها بعد الأشهر الأربعة. [عن] عكرمة قال: وتلك رحمة الله ملكه أمرها الأربعة الأشهر إلا من معذرة، لأن الله قال: وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ وَاهْجُرُوهُنّ فِي المَضَاجِعِ.

عن ابن عباس قوله: "لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائهِمْ تَرَبّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ": وهو الرجل يحلف لامرأته بالله لا ينكحها، فيتربص أربعة أشهر، فإن هو نكحها كفر يمينه بإطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

قال أبو جعفر: وهذا التأويل الثاني هو الصحيح عندنا في ذلك لما قد بينا من العلل في كتابنا «كتاب الأيمان» من أن الحنث موجب الكفارة في كل ما ابتدئ فيه الحنث من الأيمان بعد الحلف على معصية كانت اليمين أو على طاعة.

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحبّ أن يتزوجها غيره يحلف ألاّ يقربها أبداً، وكان يتركها كذلك لا أيّماً ولا ذات بعل، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية وفي الإسلام، فجعل الله الأجل الذي يعلم به عند الرجل في المرأة وهي أربعة أشهر، فأنزل الله تعالى {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ}.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} فلما تقاصر لسان الزوجة -لكونها أسيراً في يد الزوج- تَوَلَّى الله -سبحانه- الأمر بمراعاة حقها فأمر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

أما قوله تعالى: {تربص أربعة أشهر} فاعلم أن التربص: التلبث والانتظار، يقال: تربصت الشيء تربصا، ويقال: ما لي على هذا الأمر ربصة، أي تلبث، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله: بينهما مسيرة يوم، أي مسيرة في يوم ومثله كثير.

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

ختم حكم الفيء، الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة، والإحسان إليها: بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته، إذا رجع إليه. والجزاء من جنس العمل. فكما رجع العبد إلى التي هي أحسن، رجع الله إليه بالمغفرة والرحمة.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان الإيلاء حلفاً مقيداً وبين حكم مطلق اليمين قبله لتقدم المطلق على المقيد بانفكاكه عنه بينه دليلاً على حلمه حيث لم يؤاخذهم به فقد كانوا يضارون به النساء في الجاهلية بأن يحلفوا على عدم الوطء أبداً فتكون المرأة لا أيماً ولا ذات بعل وجعل لهم فيه مرجعاً يرجعون إليه فقال في جواب من كأنه سأل عنه لما أشعر به ما تقدم: {للذين يؤلون} أي يحلفون حلفاً مبتدئاً {من نسائهم} في صلب النكاح أو علقة الرجعة بما أفادته الإضافة بأن لا يجامعوهن أبداً أو فوق أربعة أشهر فالتعدية بمن تدل على أخذ في البعد عنهن.

قال الحرالي: والإيلاء تأكيد الحلف و تشديده سواء [أكانوا] أحراراً [أم] عبيداً [أم] بعضاً وبعضاً في حال الرضى أو الغضب محبوباً كان [أم] لا لأن المضارة حاصلة بيمينه {تربص} أي إمهال وتمكث يتحمل فيه الصبر الذي هو مقلوب لفظه -...

{أربعة أشهر} ينتظر فيها رجوعهم إليهن حلماً من الله سبحانه وتعالى حيث لم يجعل الأمر بتا حين الحلف بفراق أو وفاق.

قال الحرالي: ولما كان لتخلص المرأة من الزوج أجل عدة كان أجلها مع أمد هذا التربص كأنه -والله سبحانه وتعالى أعلم- هو القدر الذي تصبر المرأة عن زوجها. يذكر أن عمر رضي الله تعالى عنه سأل النساء عن قدر ما تصبر المرأة عن الزوج، فأخبرنه أنها تصبر ستة أشهر، فجعل ذلك أمد البعوث فكان التربص والعدة قدر ما تصبره المرأة عن زوجها، وقطع سبحانه وتعالى بذلك ضرار الجاهلية في الإيلاء إلى غير حد...

ولما كان حالهم بعد ذلك مردداً بين تعالى قسميه فقال مفصلاً له {فإن فاؤوا} أي رجعوا في الأشهر، وأعقبها عن المفاصلة إلى المواصلة، من الفيء وهو الرجوع إلى ما كان منه الانبعاث {فإن الله} يغفر لهم ما قارفوه في ذلك من إثم ويرحمهم بإنجاح مقاصدهم لأنه {غفور رحيم} له هاتان الصفتان ينظر بهما إلى من يستحقهما فيغفر ما في ذلك من جناية منهما أو من أحدهما إن شاء ويعامل بعد ذلك بالإكرام.

قال الحرالي: وفي مورد هذا الخطاب بإسناده للأزواج ما يظافر معنى إجراء أمور النكاح على سترة وإعراض عن حكم الحكام من حيث جعل التربص له والفيء منه، فكأن الحكم من الحاكم إنما يقع على من هتك حرمة ستر أحكام الأزواج التي يجب أن تجري بين الزوجين من وراء ستر كما هو سر النكاح الذي هو سبب جمعهما ليكون حكم السر سراً وحكم الجهر جهراً...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

عند الانتهاء من تقرير القاعدة الكلية في الحلف، يأخذ في الحديث عن يمين الإيلاء: وهي أن يحلف الزوج ألا يباشر زوجته. إما لأجل غير محدود، وإما لأجل طويل معين: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر. فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}.. إن هناك حالات نفسية واقعة، تلم بنفوس بعض الأزواج، بسبب من الأسباب في أثناء الحياة الزوجية وملابساتها الواقعية الكثيرة، تدفعهم إلى الإيلاء بعدم المباشرة، وفي هذا الهجران ما فيه من إيذاء لنفس الزوجة؛ ومن إضرار بها نفسيا وعصبيا؛ ومن إهدار لكرامتها كأنثى؛ ومن تعطيل للحياة الزوجية؛ ومن جفوة تمزق أوصال العشرة، وتحطم بنيان الأسرة حين تطول عن أمد معقول.

ولم يعمد الإسلام إلى تحريم هذا الإيلاء منذ البداية، لأنه قد يكون علاجا نافعا في بعض الحالات للزوجة الشامسة المستكبرة المختالة بفتنتها وقدرتها على إغراء الرجل وإذلاله أو اعناته. كما قد يكون فرصة للتنفيس عن عارض سأم، أو ثورة غضب، تعود بعده الحياة أنشط وأقوى.. ولكنه لم يترك الرجل مطلق الإرادة كذلك، لأنه قد يكون باغيا في بعض الحالات يريد اعنات المرأة وإذلالها؛ أو يريد إيذاءها لتبقى معلقة، لا تستمتع بحياة زوجية معه، ولا تنطلق من عقالها هذا لتجد حياة زوجية أخرى. فتوفيقا بين الاحتمالات المتعددة، ومواجهة للملابسات الواقعية في الحياة. جعل هنالك حدا أقصى للإيلاء. لا يتجاوز أربعة أشهر. وهذا التحديد قد يكون منظورا فيه إلى أقصى مدى الاحتمال، كي لا تفسد نفس المرأة، فتتطلع تحت ضغط حاجتها الفطرية إلى غير رجلها الهاجر.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

استئناف ابتدائي للانتقال إلى تشريع في عمل كان يغلب على الرجال أن يعملوه في الجاهلية، والإسلام. كان من أشهر الأيمان الحائلة بين البر والتقوى والإصلاح، أيمان الرجال على مهاجرة نسائهم، فإنها تجمع الثلاثة؛ لأن حسن المعاشرة من البر بين المتعاشرين، وقد أمر الله به في قوله: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] فامتثاله من التقوى، ولأن دوامه من دوام الإصلاح، ويحدث بفقده الشقاق، وهو مناف للتقوى. وقد كان الرجل في الجاهلية يولي من امرأته السنة والسنتين، ولا تنحل يمينه إلاّ بعد مضي تلك المدة، ولا كلام للمرأة في ذلك.

ومجيء اللام في {للذين يؤلون} لبيان أن التربص جعل توسعة عليهم، فاللام للأَجْل مثل هَذا لَكَ ويعلم منه معنى التخيير فيه، أي ليس التربص بواجب، فللمولى أَن يفيء في أقل من الأشهر الأربعة. وعَزم الطلاق: التصميم عليه، واستقرار الرأي فيه بعد التأمل وهو شيء لا يحصل لكل مُولٍ من تلقاء نفسه، وخاصة إذا كان غالب القصد من الإيلاء المغاضبة والمضارة

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} هذه إحدى الأيمان التي لو استمسك بها الحالف كانت محاجزة ممانعة دون البر والتقوى.

فهي من جهة تطبيق عملي للحكم الذي قرره العلي القدير في قوله تعالى {و لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم.

ومن جهة ثانية هي بيان لحكم حال تعرض في أثناء العشرة الزوجية، وذلك جزء من موضوع الأسرة الذي ابتدأه سبحانه بقوله: {و يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} (البقرة 220) أو بقوله تعالى: {و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} (البقرة 221) على حسب الاختلاف في معنى الأسرة من حيث العموم والخصوص.

إن العشرة الزوجية أنس وإلف والتقاء روحي وجسدي بتحقيق ما يتقاضاه الطبع الإنساني، والإنسال، ليبقى الإنسان في هذه الأرض يعمرها إلى أن يقضي الله سبحانه وتعالى أمرا كان مفعولا، فإذا جاء الرجل وهو القوام على الأسرة وهو رأسها وعمادها، واشتط واتخذ المضارة والكيد، بدل أن يؤلف القلوب ويؤنس النفوس ويربط بالمودة بينه وبين أهله، إذا فعل ذلك فإن الجو يعتكر، والأمور تضطرب، وتحل البغضاء محل المحبة، والمضرة محل المودة، فوجب أن تنتهي هذه الحال إما بإعادة الود إلى صفائه، وإما بفصم عرى الزوجية التي صارت لا تنتج إلا نكدا.

و إن من أشد مظاهر المضارة والمكايدة القطيعة في المضجع، والهجر غير الجميل في المبيت، فإنه أذى شديد، لا لأنه امتناع عن قضاء الوطر، بل لأنه يدل على البغض الشديد، ولا شيء يفعل في نفس المرأة أشد من الإحساس بالبغض من العشير والضجيع الذي وهبت له نفسها، وأعطته قلبها، فكان منه ذلك النكر وذلك الهجر. و لقد جعل الله سبحانه وتعالى أقصى غاية الصبر منها هو أربعة أشهر، وبعدها يكون الفصم، وإنهاء تلك الحياة الزوجية التي تحكمت بين الزوجين فيها البغضاء.

{فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} وإن تلك المهلة التي أعطيها الزوج يتربص فيها وينتظر، والله يرقبه، و الشرع يترقبه، إنما هي لكي يقلع عن الظلم وتعود المودة إلى ما كانت عليه، ويؤدم بينهما بحياة رفيقة يقطعانها، فإن فاء إلى زوجه أي رجع إلى مضجعه الذي هجره، وقرب من امرأته ومسها، وحنث في يمينه، كفر إذ جعل الله سبحانه وتعالى الكفارة تحلة الأيمان، وعندئذ يغفر الله سبحانه ما كان منه، ولذا قال سبحانه: {فإن الله غفور رحيم} أي أن الله سبحانه وتعالى يغفر لهم ما فرط منهم في جنب أهلهم، والقطيعة التي كانت منهم ما داموا قد رأبوا الصدع وعادوا إلى رشدهم وطيبوا قلوب أهلهم، وأقاموا المودة، وملئوا البيت أنسا بعد أن ملئوه وحشة، ويغفر لهم سبحانه حنثهم في يمينهم، لأن الله سبحانه لا يريد إلا إصلاح حالهم، ولا ينقص من عظمته وجلاله أن يحنث عبد في قسمه، ما دام الخير يريد والشر يجتنب، والله سبحانه وتعالى رحيم بعباده في أن جعل لهم تحلة أيمانهم كفارة يستطيعونها وأن غفر لهم الحنث، وأن دعاهم إلى ذلك الحنث رحمة بالأسرة من أن تتهدم أركانها، وتتقطع أوصالها وتذهب المودة بين العشير وعشيره، والأليف وأليفه، ورحيم بهم في أن غفر لهم ما فرط من كل منهما في حق أخيه إذا أعادا المودة إلى سابق أمرها بعد أن كاد الهجر يقطعها.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

والإسلام يريد أن يبني الحياة الزوجية على أساس واقعي لا على أفكار مجنحة ومجحفة لا تثبت أمام الواقع، فهو يعترف بالميول فيعليها ولكن لا يهدمها، ويعترف بالغرائز فلا يكتمها ولكن يضبطها. فالله يعلم أن للنفس نوازع ومتغيرات، ومن الجائز جدا أن يحدث خلاف بين الزوجين، فيجعل الله سبحانه وتعالى متنفسا يتنفس فيه الزوج للتأديب الذي ينشد التهذيب والإبقاء، فشرع للرجل إن رأى في امرأته إذلالا له بجمالها وبحسنها، وقد يكون رجل له مزاج خاص ورغبة جامحة في هذه العملية؛ لذلك شرع الله له فترة من الفترات أن يحلف ألا يقرب امرأته، ولم يجعل الله تلك الفترة مطلقة، إنما قيدها بالحلف حتى يكون الأمر مضبوطا.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (226)

فيه أربع وعشرون مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " للذين يؤلون " " يؤلون " معناه يحلفون ، والمصدر إيلاء وألية وألوة وإلوة . وقرأ أبي وابن عباس " للذين يقسمون " . ومعلوم أن " يقسمون " تفسير " يؤلون " . وقرئ " للذين آلوا " يقال : آلى يؤلي إيلاء ، وتألى تأليا ، وائتلى ائتلاء ، أي حلف ، ومنه " ولا يأتل أولو الفضل منكم " {[2058]} ، وقال الشاعر :

فآليت لا أنفك أَحْدُو قصيدة *** تكون وإياها بها مَثَلاً بعدي

وقال آخر :

قليلُ الأَلاَيَا حافظ ليمينه *** وإن سبقت منه الأَلِيَّةُ بَرَتِّ

وقال ابن دريد :

أَلِيَّةٌ باليَعْمُلاَتِ يرتمي *** بها النَّجَاءَ بين أجْوَازِ الفَلاَ

قال عبدالله بن عباس : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك ، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة ، فوقت لهم أربعة أشهر ، فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي .

قلت : وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلق ، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده ، كذا في صحيح مسلم . وقيل : لأن زينب ردت عليه هديته ، فغضب صلى الله عليه وسلم فآلى منهن ، ذكره ابن ماجه .

الثانية : ويلزم الإيلاء كل من يلزمه الطلاق ، فالحر والعبد والسكران يلزمه الإيلاء . وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون ، وكذلك الخصي إذا لم يكن مجبوبا ، والشيخ إذا كان فيه بقية رمق ونشاط . واختلف قول الشافعي في المجبوب إذا آلى ، ففي قول : لا إيلاء له . وفي قول : يصح إيلاؤه ، والأول أصح وأقرب إلى الكتاب والسنة ، فإن الفيء هو الذي يسقط اليمين ، والفيء بالقول لا يسقطها ، فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث بقي حكم الإيلاء . وإيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة لازم له ، وكذلك الأعجمي إذا آلى من نسائه .

الثالثة : واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين ، فقال قوم : لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده لقوله عليه السلام : ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) . وبه قال الشافعي في الجديد . وقال ابن عباس : ( كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء ) ، وبه قال الشعبي والنخعي ومالك وأهل الحجاز وسفيان الثوري وأهل العراق ، والشافعي في القول الآخر ، وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر والقاضي أبو بكر بن العربي . قال ابن عبدالبر : وكل يمين لا يقدر صاحبها على جماع امرأته من أجلها إلا بأن يحنث فهو بها مُولٍ ، إذا كانت يمينه على أكثر من أربعة أشهر ، فكل من حلف بالله أو بصفة من صفاته أو قال : أقسم بالله ، أو أشهد بالله ، أو علي عهد الله وكفالته وميثاقه وذمته فإنه يلزمه الإيلاء . فإن قال : أقسم أو أعزم ولم يذكر ب " الله " فقيل : لا يدخل عليه الإيلاء ، إلا أن يكون أراد ب " الله " ونواه . ومن قال إنه يمين يدخل عليه ، وسيأتي بيانه في " المائدة " {[2059]} إن شاء الله تعالى . فإن حلف بالصيام ألا يطأ امرأته فقال : إن وطئتك فعلي صيام شهر أو سنة فهو مول . وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو عتق أو صلاة أو صدقة . والأصل في هذه الجملة عموم قوله تعالى : " للذين يؤلون " ولم يفرق ، فإذا آلى بصدقة أو عتق عبد معين أو غير معين لزم الإيلاء .

الرابعة : فإن حلف بالله ألا يطأ واستثنى فقال : إن شاء الله فإنه يكون موليا ، فإن وطئها فلا كفارة عليه في رواية ابن القاسم عن مالك . وقال ابن الماجشون في المبسوط : ليس بِمُولٍ ، وهو أصح لأن الاستثناء يحل اليمين ويجعل الحالف كأنه لم يحلف ، وهو مذهب فقهاء الأمصار ، لأنه بين بالاستثناء أنه غير عازم على الفعل . ووجه ما رواه ابن القاسم مبني على أن الاستثناء لا يحل اليمين ، ولكنه يؤثر في إسقاط الكفارة ، على ما يأتي بيانه في " المائدة " فلما كانت يمينه باقية منعقدة لزمه حكم الإيلاء وإن لم تجب عليه كفارة .

الخامسة : فإن حلف بالنبي أو الملائكة أو الكعبة ألا يطأها ، أو قال هو يهودي أو نصراني أو زان إن وطئها ، فهذا ليس بمول ، قاله مالك وغيره . قال الباجي : ومعنى ذلك عندي أنه أورده على غير وجه القسم ، وأما لو أورده على أنه مول بما قاله من ذلك أو غيره ، ففي المبسوط : أن ابن القاسم سئل عن الرجل يقول لامرأته : لا مرحبا ، يريد بذلك الإيلاء يكون مُولِياً ، قال : قال مالك : كل كلام نوي به الطلاق فهو طلاق ، وهذا والطلاق سواء .

السادسة : واختلف العلماء في الإيلاء المذكور في القرآن ، فقال ابن عباس : ( لا يكون موليا حتى يحلف ألا يمسها أبدا ) . وقال طائفة : إذا حلف ألا يقرب امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء ، روي هذا عن ابن مسعود والنخعي وابن أبي ليلى والحكم وحماد بن أبي سليمان وقتادة ، وبه قال إسحاق . قال ابن المنذر : وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم . وقال الجمهور : الإيلاء هو أن يحلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر ، فان حلف على أربعة فما دونها لا يكون موليا ، وكانت عندهم يمينا محضا ، لو وطئ في هذه المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأيمان ، هذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور . وقال الثوري والكوفيون : الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا ، وهو قول عطاء . قال الكوفيون : جعل الله التربص في الإيلاء أربعة أشهر كما جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا ، وفي العدة ثلاثة قروء ، فلا تربص بعد . قالوا : فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء ، ولا يسقط إلا بالفيء وهو الجماع في داخل المدة ، والطلاق بعد انقضاء الأربعة الأشهر . واحتج مالك والشافعي فقالا : جعل الله للمولي أربعة أشهر ، فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها ، كما أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل . ووجه قول إسحاق - في قليل الأمد يكون صاحبه به موليا إذا لم يطأ - القياس على من حلف على أكثر من أربعة أشهر فإنه يكون موليا ، لأنه قصد الإضرار باليمين ، وهذا المعنى موجود في المدة القصيرة .

السابعة : واختلفوا أن من حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر فانقضت الأربعة الأشهر ولم تطالبه امرأته ولا رفعته إلى السلطان ليوقفه ، لم يلزمه شيء عند مالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة . ومن علمائنا من يقول : يلزمه بانقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية . ومنهم ومن غيرهم من يقول : يلزمه طلقة بائنة بانقضاء الأربعة الأشهر . والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه ، وذلك أن المولي لا يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة زوجته له ليفيء فيراجع امرأته بالوطء ويكفر يمينه أو يطلق ، ولا يتركه حتى يفيء أو يطلق . والفيء : الجماع فيمن يمكن مجامعتها . قال سليمان بن يسار : كان تسعة{[2060]} رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء . قال مالك : وذلك الأمر عندنا ، وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، واختاره ابن المنذر .

الثامنة : وأجل المولي من يوم حلف لا من يوم تخاصمه امرأته وترفعه إلى الحاكم ، فإن خاصمته ولم ترض بامتناعه من الوطء ضرب له السلطان{[2061]} أجل أربعة أشهر من يوم حلف ، فإن وطئ فقد فاء إلى حق الزوجة وكفر عن يمينه ، وإن لم يفيء طلق عليه طلقة رجعية . قال مالك : فإن راجع لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة . قال الأبهري : وذلك أن الطلاق إنما وقع لدفع الضرر ، فمتى لم يطأ فالضرر باق ، فلا معنى للرجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه من الوطء فتصح رجعته ؛ لأن الضرر قد زال ، وامتناعه من الوطء ليس من أجل الضرر وإنما هو من أجل العذر .

التاسعة : واختلف العلماء في الإيلاء في غير حال الغضب ، فقال ابن عباس : ( لا إيلاء إلا بغضب ) ، وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المشهور عنه ، وقاله الليث والشعبي والحسن وعطاء ، كلهم يقولون : ( الإيلاء لا يكون إلا على وجه مغاضبة ومشادة وحرجة ومناكدة ألا يجامعها في فرجها إضرارا بها ، وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أم لم يكن ، فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء ) . وقال ابن سيرين : سواء كانت اليمين في غضب أو غير غضب هو إيلاء ، وقاله ابن مسعود والثوري ومالك وأهل العراق والشافعي وأصحابه وأحمد ، إلا أن مالكا قال : ما لم يرد إصلاح ولد . قال ابن المنذر : وهذا أصح ؛ لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء في حال الغضب والرضا كان الإيلاء كذلك .

قلت : ويدل عليه عموم القرآن ، وتخصيص حالة الغضب يحتاج إلى دليل ولا يؤخذ من وجه يلزم . والله أعلم .

العاشرة : قال علماؤنا : ومن امتنع من وطء امرأته بغير يمين حلفها إضرارا بها أمر بوطئها ، فإن أبى وأقام على امتناعه مضرا بها فرق بينه وبينها من غير ضرب أجل . وقد قيل : يضرب أجل الإيلاء . وقد قيل : لا يدخل على الرجل الإيلاء في هجرته من زوجته وإن أقام سنين لا يغشاها ، ولكنه يوعظ ويؤمر بتقوى الله تعالى في ألا يمسكها ضرارا .

الحادية عشرة : واختلفوا فيمن حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها لئلا يمغل{[2062]} ولدها ، ولم يرد إضرارا بها حتى ينقضي أمد الرضاع لم يكن لزوجته عند مالك مطالبة لقصد إصلاح الولد . قال مالك : وقد بلغني أن علي بن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء ، وبه قال الشافعي في أحد قوليه ، والقول الآخر يكون موليا ، ولا اعتبار برضاع الولد ، وبه قال أبو حنيفة .

الثانية عشرة : وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل إلى أنه لا يكون موليا من حلف ألا يطأ زوجته في هذا البيت أو في هذه الدار لأنه يجد السبيل إلى وطئها في غير ذلك المكان . قال ابن أبي ليلى وإسحاق : إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء ، ألا ترى أنه يوقف عند الأشهر الأربعة ، فإن حلف ألا يطأها في مصره أو بلده فهو مول عند مالك ، وهذا إنما يكون في سفر يتكلف المؤونة والكلفة دون جنته أو مزرعته القريبة .

الثالثة عشرة : قوله تعالى : " من نسائهم " يدخل فيه الحرائر والذميات والإماء إذا تزوجن . والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته . قال الشافعي وأحمد وأبو ثور : إيلاؤه مثل إيلاء الحر ، وحجتهم ظاهر

قوله تعالى : " للذين يؤلون من نسائهم " فكان ذلك لجميع الأزواج . قال ابن المنذر : وبه أقول . وقال مالك والزهري وعطاء بن أبي رباح وإسحاق : أجله شهران . وقال الحسن والنخعي : إيلاؤه من زوجته الأمة شهران ، ومن الحرة أربعة أشهر ، وبه قال أبو حنيفة . وقال الشعبي : إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة .

الرابعة عشرة : قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والنخعي وغيرهم : المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء فيهما . وقال الزهري وعطاء والثوري : لا إيلاء إلا بعد الدخول . وقال مالك : ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ ، فإن آلى منها فبلغت لزم الإيلاء من يوم بلوغها .

الخامسة عشرة : وأما الذمي فلا يصح إيلاؤه ، كما لا يصح ظهاره ولا طلاقه ، وذلك أن نكاح أهل الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح ، وإنما لهم شبهة يد ، ولأنهم لا يكلفون الشرائع فتلزمهم كفارات الأيمان ، فلو ترافعوا إلينا في حكم الإيلاء لم ينبغ لحاكمنا أن يحكم بينهم ، ويذهبون إلى حكامهم ، فإن جرى ذلك مجرى التظالم بينهم حكم بحكم الإسلام ، كما لو ترك المسلم وطء زوجته ضرارا من غير يمين .

السادسة عشرة : قوله تعالى : " تربص أربعة أشهر " التربص : التأني والتأخر ، مقلوب التصبر ، قال الشاعر :

تَرَبَّصْ بها ريبَ المَنُونِ لعلها *** تَطَلَّقُ يوما أو يموتُ حليلُها

وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدم ، فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر ؛ لقوله تعالى : " واهجروهن في المضاجع " {[2063]} وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهرا تأديبا لهن . وقد قيل : الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها ، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد :

ألا طال هذا الليل واسْوَدَّ جانبه *** وأرقني أن لا حبيبَ ألاعبه

فوالله لولا الله لا شيء غيره *** لَزُعْزِعَ من هذا السرير جوانبه

مخافة ربي والحياء يكفّني *** وإكرام بعلي أن تنال مَرَاكِبُهْ

فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها : أين زوجك ؟ فقالت : بعثت به إلى العراق ! فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار ما تصبر عن زوجها ؟ فقلن : شهرين ، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر ، وينفد{[2064]} صبرها في أربعة أشهر ، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر ، فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين ، وهذا والله أعلم يقوي اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر .

السابعة عشرة : قوله تعالى : " فإن فاؤوا " معناه رجعوا ، ومنه " حتى تفيء إلى أمر الله " {[2065]} [ الحجرات : 9 ] ومنه قيل للظل بعد الزوال : فيء ؛ لأنه رجع من جانب المشرق إلى جانب المغرب ، يقال : فاء يفيء فيئة وفيوءا . وإنه لسريع الفيئة ، يعني الرجوع . قال :

ففاءت ولم تقض الذي أقبلتْ له *** ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا

الثامنة عشرة : قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له ، فإن كان له عذر مرض أو سجن أو شبه ذلك فإن ارتجاعه صحيح وهي امرأته ، فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إفاقته من مرضه ، أو انطلاقه من سجنه فأبى الوطء فرق بينهما إن كانت المدة قد انقضت ، قاله مالك في المدونة والمبسوط . وقال عبد الملك : وتكون بائنا منه يوم انقضت المدة ، فإن صدق عذره بالفيئة إذا أمكنته حكم بصدقه فيما مضى ، فان أكذب ما ادعاه من الفيئة بالامتناع حين القدرة عليها ، حمل أمره على الكذب فيها واللَّدَدِ ، وأمضيت الأحكام على ما كانت تجب في ذلك الوقت . وقالت طائفة : إذا شهدت بينة بفيئته{[2066]} في حال العذر أجزأه ، قاله الحسن وعكرمة والنخعي : وبه قال الأوزاعي . وقال النخعي أيضا : يصح الفيء بالقول والإشهاد فقط ، ويسقط حكم الإيلاء ، أرأيت إن لم ينتشر{[2067]} للوطء ، قال ابن عطية : ويرجع هذا القول إن لم يطأ إلى باب الضرر . وقال أحمد بن حنبل : إذا كان له عذر يفيء بقلبه ، وبه قال أبو قلابة . وقال أبو حنيفة : إن لم يقدر على الجماع فيقول : قد فئت إليها . قال الكيا الطبري : أبو حنيفة يقول فيمن آلى وهو مريض وبينه وبينها مدة{[2068]} أربعة أشهر ، وهي رتقاء أو صغيرة أو هو مجبوب : إنه إذا فاء إليها بلسانه ومضت المدة والعذر قائم فذلك فيء صحيح ، والشافعي يخالفه على أحد مذهبيه . وقالت طائفة : لا يكون الفيء إلا بالجماع في حال العذر وغيره ، وكذلك قال سعيد بن جبير ، قال : وكذلك إن كان في سفر أو سجن .

التاسعة عشرة : أوجب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وجمهور العلماء الكفارة على المولي إذا فاء بجماع امرأته . وقال الحسن : لا كفارة عليه ، وبه قال النخعي ، قال النخعي : كانوا يقولون إذا فاء لا كفارة عليه . وقال إسحاق : قال بعض أهل التأويل في قوله تعالى : " فإن فاؤوا " يعني لليمين التي حنثوا فيها ، وهو مذهب في الأيمان لبعض التابعين فيمن حلف على بر أو تقوى أو باب من الخير ألا يفعله فإنه يفعله ولا كفارة عليه ، والحجة له قوله تعالى : " فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم " ، ولم يذكر كفارة ، وأيضا فإن هذا يتركب على أن لغو اليمين ما حلف على معصية ، وترك وطء الزوجة معصية .

قلت : وقد يستدل لهذا القول من السنة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ) خرجه ابن ماجه في سننه . وسيأتي لها مزيد بيان في آية الأيمان إن شاء الله{[2069]} تعالى . وحجة الجمهور قوله عليه السلام : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ) .

الموفية عشرين : إذا كفر عن يمينه سقط عنه الإيلاء ، قاله علماؤنا . وفي ذلك دليل على تقديم الكفارة على الحنث في المذهب ، وذلك إجماع في مسألة الإيلاء ، ودليل على أبي حنيفة في مسألة الأيمان ، إذ لا يرى جواز تقديم الكفارة على الحنث ، قاله ابن العربي .

الحادية والعشرون : قلت{[2070]} : بهذه الآية استدل محمد بن الحسن على امتناع جواز الكفارة قبل الحنث فقال : لما حكم الله تعالى للمولي بأحد الحكمين من فيء أو عزيمة الطلاق ، فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لبطل الإيلاء بغير فيء أو{[2071]} عزيمة الطلاق ؛ لأنه إن حنث لا يلزمه بالحنث شيء ، ومتى لم يلزم الحانث بالحنث شيء لم يكن موليا . وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر الله ، وذلك خلاف الكتاب .


[2058]:- راجع جـ12 ص 207.
[2059]:- راجع جـ6 ص 269.
[2060]:- في ب: "كان تسعة عشر رجلا.."
[2061]:- في ب: الحاكم.
[2062]:- المغل (بفتح الميم وسكون الغين وفتحها): أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل.
[2063]:- راجع جـ5 ص 168.
[2064]:- في ب: وتفقد.
[2065]:- راجع جـ16 ص 319.
[2066]:- في ب: إذا أشهد على فيئه بقلبه.
[2067]:- في ز: لم يتيسر.
[2068]:- في ب: مسيرة.
[2069]:- راجع جـ6 ص 267.
[2070]:- في ب: احتج
[2071]:- في ب: ولا عزيمة طلاق