الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (52)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

" ثُمّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلكَ": تركنا معاجلتكم بالعقوبة من بعد ذلك، أي من بعد اتخاذكم العجل إلها.

"لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ": لتشكروا. ومعنى «لعل» في هذا الموضع معنى «كي»... فمعنى الكلام إذا: ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلها لتشكروني على عفوي عنكم، إذ كان العفو يوجب الشكر على أهل اللبّ والعقل.

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لكي تشكروا عفوي عنكم، وصنيعي إليكم...

[و] الشكر... [كما] قال ابن عباس: هو الطاعة بجميع الجوارح لربّ الخلائق في السر والعلانية. وقال الحسن: شكر النعمة ذكرها، قال الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]. [وقال] الفضل: شكر كل نعمة ألاّ يُعصى الله بعد تلك النعمة. [وقال] أبو بكر بن محمد بن عمر الوراق: حقيقة الشكر: معرفة المُنعم، وأن لا تعرف لنفسك في النعمة حظّاً بل تراها من الله عزّ وجلّ...

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

{ثم عفونا}: محونا ذنوبكم.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

العفو: تغطية الأثر، وإذهاب الحال الأولى من الذنب أو غيره، ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب. وعفا عنهم عز وجل أي عمن بقي منهم لم يقتل.

و {لعلكم} ترج لهم في حقهم، وتوقع منهم، لا في حق الله عز جل، لأنه كان يعلم ما يكون منهم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان ذلك مقتضياً لأعظم السخط المقتضي من القادر للمعاجلة بالأخذ، ذكرهم نعمة الإمهال بعده، فقال مشيراً إلى عظم الذنب والنعمة بأداة التراخي: {ثم عفونا}. وقال الحرالي: ثم تجاوز الخطاب ما أصابهم من العقوبة على اتخاذهم إلى ذكر العفو تقريراً على تكرر تلافيهم حالاً بعد حال وقتاً بعد وقت، كلما أحدثوا خطيئة تداركهم منه عفو، وخصه باسم العفو لما ذكر ذنوبهم، لأن المغفور له لا يذكر ذنبه، فإن العفو رفع العقوبة دون رفع ذكرها، والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة -انتهى.

{عنكم} ولم نعاجلكم بالأخذ، وفي قوله تعالى {من بعد ذلك} أي الذنب العظيم إشعار بما أصابهم من العقوبة وخطاب لبقية المعفو عنهم، لينتهي الأمر فيهم إلى غاية يترجّى معها لبقيتهم الشكر- قاله الحرالي. وكان الإشعار من جهة إدخال من، على الظرفية، فاقتضى مهلة بين العفو والذنب لم يشملها العفو بل كان فيها عقوبة، كما اقتضى قوله: من بعده، مهلة بين اتخاذهم العجل وأول ذهاب موسى عليه السلام للمناجاة.

{لعلكم تشكرون} أي ليكون حالكم حال من يتوقع منه الشكر.

قال الحرالي: وهو ظهور بركة الباطن على الظاهر، يقال: دابة شكور، إذا أنجح مأكلها بظهور سمنها؛ وفيه إشعار بأن منهم من يشكر وفيهم من يتمادى بما في ترجي كلمة لعل من الإبهام المشعر بالقسمين والمهيئ لإمكان ظهور الفريقين حتى يظهر ذلك لميقاته، لأن كل ما كان في حق الخلق تردداً فهو من الله سبحانه إبهام لمعلومه فيهم؛ على ذلك تجري كلمة لعل وعسى ونحوها -انتهى.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

توالت نعمة الله تعالى، ولكنهم فتنوا بما كان عليه المصريون الأقوياء، وكانوا هم الضعفاء، والضعيف دائما مأخوذ بتقليد القوي، فسرى ما عند الأقوياء، وهم قوم فرعون إلى الضعفاء، وكانوا يشعرون بالمذلة والاستكانة، وشعروا من بعد بأنهم ذلوا، فتابوا وتاب الله عليهم وعفى عنهم، وعد الله تعالى ذلك عليهم نعمة فقال تعالى: {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون}.

أي أن هذه الجريمة الكبرى وهي الإشراك بالله تعالى ما كانت لتغفر، ولكن الله تعالى عفى عنها، والتعبير هنا بثم الدالة على التراخي والبعد، لبيان بعد ما كان منهم عن أن ينالوا من بعده عفو الله تعالى، ولكنه سبحانه وتعالى تواب رحيم وسعت رحمته كل شيء ما دامت التوبة قد حصلت.

وهنا نجده سبحانه وتعالى عبر بالعفو، ولم يعبر بالغفران وقبول التوبة، وذلك لأن العفو يكون عما وقع بجهالة، وهم كانوا في حال جهالة، لتأثرهم بما كان عند المصريين من عادات جاهلية، ولأنهم خرجوا من ذل المعاصي إلى عزة الحق، فكان العفو أدنى إليهم، لأنهم كانوا في فتنة.

وقوله من بعد ذلك الكفران، والفتنة التي أضلتهم، فالإشارة إلى البعيد، لبعد ما ارتكبوا عن موجب العفو الذي نالوه، فهم كفروا كفرانا مبينا، ولكن التوبة تجب ما قبلها، ولم يكن الخطاب بالجمع لأن فتنة العجل لم تكن منهم أجمعين، بخلاف ما كان يسومهم به فرعون وآله من عذاب، فقد كان يعمهم، ولا يخص فريقا. وقوله تعالى: {لعلكم تشكرون}، لعل هنا للرجاء، والرجاء هنا من العبيد لا من الله، والمعنى: عفونا عنكم لتكون حالكم حال الرجاء لشكر الله تعالى، فالرجاء لأمر يقع أو لا يقع إنما هو من شأن الناس، ولا يمكن أن يكون من الله تعالى الذي يعلم ما يقع وما لا يقع، ولا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء والله سميع عليم.

أو يكون الرجاء من الله تعالى، ويكون بمعنى الأمر، كما يقول السيد لخادمه فعلت معك كذا وكذا رجاء أن تعترف بالجميل، وتشكر لي حسن صنيعي، فهذا يكون حثا على فعل الجميل، بذكر موجبه، وعلى هذا المعنى تكون {لعلكم} في مقام التعليل لوجوب الشكر، وتكون بمعنى: لكي تشكروا، إن كنتم لا تكفرون بالنعمة، ولكن تشكرونها.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (52)

الأولى : قوله تعالى : " ثم عفونا عنكم " العفو عفو الله جل وعز عن خلقه ، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران ، فإنه لا يكون معه عقوبة البتة . وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه ، فالعفو : محو الذنب أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم مأخوذ من قولك : عفت الريح الأثر أي أذهبته وعفا الشيء كثر فهو من الأضداد ، ومنه قوله تعالى " حتى عفوا " . [ الأعراف 95 ]

الثانية : قوله تعالى : " من بعد ذلك " أي من بعد عبادتكم العجل وسمي العجل عجلا لاستعجالهم عبادته . والله أعلم . والعجل ولد البقرة والعجول مثله ، والجمع العجاجيل ، والأنثى عجلة عن أبي الجراح .

الثالثة : قوله تعالى : " لعلكم تشكرون " كي تشكروا عفو الله عنكم ، وقد تقدم معنى لعل ، {[756]} .

وأما الشكر فهو في اللغة الظهور من قول دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف وحقيقته الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه . كما تقدم في الفاتحة{[757]} . قال الجوهري : الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف يقال : شكرته وشكرت له وباللام أفصح والشكران خلاف الكفران وتشكرت له مثل شكرت له . وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ) قال الخطابي : هذا الكلام يتأول على معنيين أحدهما - أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له . والوجه الآخر - أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر .

الرابعة : في عبارات العلماء في معنى الشكر ، فقال سهل بن عبد الله : الشكر : الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية . وقالت فرقة أخرى : الشكر هو : الاعتراف في تقصير الشكر للمنعم ؛ ولذلك قال تعالى " اعملوا آل داود شكرا{[758]} " [ سبأ : 13 ] فقال داود : كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك قال : الآن قد عرفتني وشكرتني إذ قد عرفت أن الشكر مني نعمة قال : يا رب فأرني أخفى نعمك علي قال : يا داود تنفس فتنفس داود ، فقال الله تعالى من يحصي هذه النعمة الليلَ والنهارَ ، وقال موسى عليه السلام : كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازى بها عملي كله ، فأوحى الله إليه يا موسى الآن شكرتني . وقال الجنيد : حقيقة الشكر العجز عن الشكر وعنه قال : كنت بين يدي السري السقطي ألعب وأنا ابن سبع سنين وببن يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي : يا غلام ما الشكر ؟ فقلت : ألا يعصى الله بنعمه ، فقال لي : أخشى أن يكون حظك من الله لسانك قال الجنيد : فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السري لي . وقال الشبلي : الشكر : التواضع والمحافظة على الحسنات ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات ومراقبة جبار الأرض والسماوات . وقال ذو النون المصري أبو الفيض : الشكر لمن فوقك بالطاعة ولنظيرك بالمكافأة ، ولمن دونك بالإحسان والإفضال .


[756]:راجع ص 227 من هذا الجزء
[757]:راجع ص 133 من هذا الجزء
[758]:راجع ج 14 ص 276