جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
علم هذه الأمم التي مضت من قبلنا فيما فعلت من ذلك، "عند ربي في كتاب": يعني في أمّ الكتاب، لا علم لي بأمرها، وما كان سبب ضلال من ضلّ منهم فذهب عن دين الله.
"لا يَضِلّ رَبّي "يقول: لا يخطئ ربي في تدبيره وأفعاله، فإن كان عذّب تلك القرون في عاجل، وعجل هلاكها، فالصواب ما فعل، وإن كان أخر عقابها إلى القيامة، فالحقّ ما فعل، هو أعلم بما يفعل، لا يخطئ ربي ولاَ يَنْسَى فيترك فعل ما فعْله حكمة وصواب...
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
{عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} أي لا يخطئ {وَلاَ يَنسَى} فيتذكّر...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
لا يمكنني أن أُخْبِرَكُم إلا بما أخبرني به ربي فَمَا عَرَّفَني عَرَّفْتُ، وما ستره عليَّ وَقَفْتُ.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
وعن ابن عباس: لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه، ولا يترك من وحده حتى يجازيه. ويجوز أن يكون فرعون قد نازعه في إحاطة الله بكل شيء وتبينه لكل معلوم، فتعنت، وقال: ما تقول في سوالف القرون، وتمادي كثرتهم، وتباعد أطراف عددهم، كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟ فأجاب بأنّ كل كائن محيط به علمه، وهو مثبت عنده في كتاب، ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان، كما يجوزان عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل، أي: لا يضلّ كما تضل أنت، ولا ينسى كما تنسى يا مدعي الربوبية بالجهل والوقاحة.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كانت عادة المخلوقين إثبات الأخبار في الكتب، وكان تعالى قد وكل بعباده من ملائكته من يضبط ذلك، قال مخاطباً له بما يعرفون من أحوالهم: {في كتاب} أي اللوح المحفوظ. ولما كان ربما وقع في وهم واهم أن الكتاب لا يكون إلا خوفاً من نسيان الشيء أو الجهل بالتوصل إليه مع ذكر عينه، نفى ذلك بقوله: {لا يضل ربي} أي الذي رباني كما علمت ونجاني من جميع ما قصدتموه لي من الهلاك ولم يضل عن وجه من وجوهه، ولا نسي وجهاً يدخل منه شيء من خلل {ولا ينسى} أي لا يقع منه نسيان لشيء أصلاً من أخباره ولا لغيرهم، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت اليهود بأن ثبوت النبوة إن كان يتوقف على أن يخبر النبي عن كل ما يسأل عنه لزم أن يتوقفوا في نبوة نبيهم عليه السلام لأنه لم يخبر فرعون عما سأله عنه من أمر القرون...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
وإظهارُ ربي في موقع الإضمار للتلذذ بذكره ولزيادة التقريرِ والإشعار بعلة الحُكم فإن الربوبيةَ مما يقتضي عدمَ الضلالِ والنسيانِ حتماً...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
بهذا أحال موسى ذلك الغيب البعيد في الزمان، الخافي عن العيان، إلى ربه الذي لا يفوت علمه شيء ولا ينسى شيئا. فهو الذي يعلم شأن تلك القرون كله. في ماضيها وفي مستقبلها. والغيب لله والتصرف في شأن البشر لله.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
قول موسى في جوابه {عِلْمُهَا عند رَبِّي فِي كتاب} صالحٌ للاحتمالين؛ فعلى الاحتمال الأول يكون موسى صرفه عن الخوض فيما لا يجدي في مقامه ذلك الذي هو المتمحض لدعوة الأحياء لا البحث عن أحوال الأموات الذين أفضوا إلى عالم الجزاء، وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم لمّا سئل عن ذراري المشركين فقال: « الله أعلم بما كانوا عاملين».
وعلى الاحتمال الثاني يكون موسى قد عدل عن ذكر حالهم خيبة لمراد فرعون وعدولاً عن الاشتغال بغير الغرض الذي جاء لأجله.
والحاصل أنّ موسى تجنّب التصدي للمجادلة والمناقضة في غير ما جاء لأجله لأنّه لم يبعث بذلك. وفي هذا الإعراض فوائد كثيرة وهو عالم بمجمل أحوال القرون الأولى وغير عالم بتفاصيل أحوالهم وأحوال أشخاصهم.
وإضافة {عِلْمُهَا} من إضافة المصدر إلى مفعوله. وضمير {عِلْمُها} عائد إلى {القُرُوننِ الأولى} لأنّ لفظ الجمع يجوز أن يؤنث ضميره.
وقوله {في كتاب} يحتمل أن يكون الكتاب مجازاً في تفصيل العلم تشبيهاً له بالأمور المكتوبة، وأن يكون كناية عن تحقيق العلم لأنّ الأشياء المكتوبة تكون محققة كقول الحارث بن حِلِّزَة:
وهل ينقض ما في المهارق الأهواء
ويؤكد هذا المعنى قوله {لاَّ يَضِلُّ رَبي ولا يَنسَى}.
والضلال: الخطأ في العلم، شبّه بخطأ الطريق. والنسيان: عدم تذكر الأمر المعلوم في ذهن العالم.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
ربما كان السؤال عن القرون الأولى، في نطاق السؤال عن أمر المعاد، الذي هرب إليه فرعون، بعد أن أعياه مواجهة أمر الربوبية في ما فصّله موسى من الحديث عنها بما لا مجال فيه للرد والاعتراض، فكأنه قال لموسى، ما حال الأمم والأجيال الماضية الذين لا يرون ما ترى، وقد ماتوا وانتهوا في عالم الفناء والنسيان، فكيف يعذبون، كما تقول، إن العذاب على من أدبر وتولى، وكيف يواجهون المسؤولية، فكيف يرجعون من جديد لينالوا ما يستحقون، كما تزعم...
فكان جوابه أنّ علمها عند الله، فهو محيطٌ بأشخاصهم وأعمالهم، فلا يفوته منها شيء، ولا يغيب عنه شيء، فهو مثبت في كتاب محفوظ واسع شامل لدى الله الذي لا يضل عن حقائق الأشياء ولا ينسى ما علمه منها، لأنها حاضرة لديه حضوراً مطلقاً، لا حدود له في كل جوانبها. وهكذا يملك أمرهم وحسابهم من خلال إحاطته المطلقة بكل أمورهم في ما عملوه، فيحاسبهم على ذلك بشكل دقيق. ولكن هذا الاحتمال لا يظهر من الآية التي يبدو أنها مسوقة للحديث عن الربوبية وذلك من خلال الاستمرار في هذا الشأن في الآيات التالية المتحدثة عن صفات الله في حركة الخلق في الكون، في ما يدل على عظمته وتوحيده، وليس فيها من حديث المعاد قليل أو كثير..
فقال : " علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى " . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي ) . وأسند الخطيب أبو بكر عن أبي هريرة قال : ( كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستمع منه الحديث ويعجبه ولا يحفظه ، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أسمع منك الحديث يعجبني ولا أحفظه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( استعن بيمينك ) وأومأ إلى الخط ، وهذا نص . وعلى جواز كتب العلم وتدوينه جمهور الصحابة والتابعين ، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بكتب الخطبة التي خطب بها في الحج لأبي شاه - رجل من اليمن - لما سأله كتبها . أخرجه مسلم . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( قيدوا العلم بالكتابة ) . وقال معاوية بن قرة : من لم يكتب العلم لم يعد علمه علما . وقد ذهب قوم إلى المنع من الكتب ، فروى أبو نصرة{[11082]} قال قيل لأبي سعيد : أنكتب حديثكم هذا ؟ قال : لم تجعلونه قرآنا ؟ ولكن احفظوا كما حفظنا . وممن كان لا يكتب الشعبي ويونس بن عبيد وخالد الحذاء - قال خالد ما كتبت شيئا قط إلا حديثا واحدا ، فلما حفظته محوته - وابن عون والزهري . وقد كان بعضهم يكتب فإذا حفظ محاه ، منهم محمد بن سيرين وعاصم بن ضمرة . وقال هشام بن حسان : ما كتبت حديثا قط إلا حديث الأعماق{[11083]} فلما حفظته محوته .
قلت : وقد ذكرنا عن خالد الحذاء مثل هذا . وحديث الأعماق خرجه مسلم في آخر الكتاب : ( لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق - أو - بدابق ) الحديث ذكره في كتاب الفتن . وكان بعضهم يحفظ ثم يكتب ما يحفظ منهم الأعمش وعبدالله بن إدريس وهشيم وغيرهم . وهذا احتياط على الحفظ . والكتب أولى على الجملة ، وبه وردت الآي والأحاديث ، وهو مروي عن عمر وعلي وجابر وأنس رضي الله عنهم ، ومن يليهم من كبراء التابعين كالحسن وعطاء وطاوس وعروة بن الزبير ، ومن بعدهم من أهل العلم ، قال الله تعالى " وكتبنا له في الألواح من كل شيء{[11084]} " [ الأعراف : 145 ] . وقال تعالى : " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون{[11085]} " [ الأنبياء : 105 ] . وقال تعالى : " واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة " {[11086]} [ الأعراف : 156 ] الآية . وقال تعالى : " وكل شيء فعلوه في الزبر . وكل صغير وكبير مستطر{[11087]} " [ القمر : 52 - 53 ] . " قال علمها عند ربي في كتاب " إلى غير هذا من الآي . وأيضا فإن العلم لا يضبط إلا بالكتاب ، ثم بالمقابلة والمدارسة والتعهد والتحفظ والمذاكرة والسؤال والفحص عن الناقلين والثقة بما نقلوا ، وإنما كره الكتب من كره من الصدر الأول لقرب العهد ، وتقارب الإسناد لئلا يعتمده الكاتب فيهمله ، أو يرغب عن حفظه{[11088]} والعمل به ، فأما والوقت متباعد ، والإسناد غير متقارب ، والطرق مختلفة ، والنقلة متشابهون ، وآفة النسيان معترضة ، والوهم غير مأمون ؛ فإن تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى ، والدليل على وجوبه أقوى ، فإن احتج محتج بحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تكتبوا عني ومن كتب غير القرآن فليمحه ) خرجه مسلم ، فالجواب أن ذلك كان متقدما ، فهو منسوخ بأمره بالكتاب ، وإباحتها لأبي شاه وغيره . وأيضا كان ذلك لئلا يخلط بالقرآن ما ليس منه . وكذا ما روي عن أبي سعيد أيضا - حرصنا أن يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فأبى - إن كان محفوظا فهو قبل الهجرة ، وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن .
الثالثة-قال أبو بكر الخطيب : ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد ، ثم الحبر خاصة دون المداد ؛{[11089]} لأن السواد أصبغ الألوان ، والحبر أبقاها على مر الدهور . وهو آلة ذوي العلم ، وعدة أهل المعرفة . ذكر عبدالله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال : رآني الشافعي وأنا في مجلسه وعلى قميصي حبر وأنا أخفيه ، فقال لم تخفيه وتستره ؟ إن الحبر على الثوب من المروءة لأن صورته في الأبصار سواد ، وفي البصائر بياض . وقال خالد بن زيد : الحبر في ثوب صاحب الحديث مثل الخلوق{[11090]} في ثوب العروس . وأخذ هذا أبو عبدالله البلوي فقال :
مدادُ المحابرِ طيبُ الرجال*** وطيبُ النساء من الزعفران
فهذا يليق بأثواب ذا*** وهذا يليق بثوب الحصانِ
وذكر الماوردي أن عبدالله{[11091]} بن سليمان فيما حكي ، رأى على بعض ثيابه أثر صفرة ، فأخذ من مداد الدواة وطلاه به ، ثم قال : المداد بنا أحسن من الزعفران ، وأنشد :
إنما الزعفران عطرُ العذارى *** ومداد الدَّويِّ عطرُ الرجال
الرابعة-قوله تعالى : " لا يضل ربي ولا ينسى " اختلف في معناه على أقوال خمسة : الأول : إنه ابتداء كلام ، تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين وقد كان الكلام تم في قوله : " في كتاب " . وكذا قال الزجاج ، وأن معنى " لا يضل " لا يهلك من قوله : " أئذا ضللنا في الأرض{[11092]} " [ السجدة : 10 ] . " ولا ينسى " شيئا ، نزهه عن الهلاك والنسيان . القول الثاني " لا يضل " لا يخطئ ، قاله ابن عباس . أي لا يخطئ في التدبير ، فمن أنظره فلحكمة أنظره ، ومن عاجله فلحكمة عاجله . القول الثالث " لا يضل " لا يغيب . قال ابن الأعرابي : أصل الضلال الغيبوبة ، يقال : ضل الناسي إذا غاب عنه حفظ الشيء . قال : ومعنى " لا يضل ربي ولا ينسى " أي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء . القول الرابع : قاله الزجاج أيضا . وقال النحاس : أشبهها بالمعنى - أخبر الله عز وجل أنه لا يحتاج إلى كتاب ، والمعنى لا يضل عنه علم شيء من الأشياء ولا معرفتها ، ولا ينسى ما علمه منها .
قلت : وهذا القول راجع إلى معنى قول ابن الأعرابي . وقول خامس : إن " لا يضل ربي ولا ينسى " في موضع الصفة ل " كتاب " أي الكتاب غير ضال عن الله عز وجل ، أي غير ذاهب عنه .
" ولا ينسى " أي غير ناس له فهما نعتان ل " كتاب " . وعلى هذا يكون الكلام متصلا ، ولا يوقف على " كتاب " . تقول العرب . ضلني الشيء إذا لم أجده ، وأضللته أنا إذا تركته في موضع فلم تجده فيه . وقرأ الحسن وقتادة وعيسى بن عمر وابن محيصن وعاصم الجحدري وابن كثير فيما روى شبل عنه " لا يضل " بضم الياء على معنى لا يضيعه ربي ولا ينساه . قال ابن عرفة : الضلالة عند العرب سلوك سبيل غير القصد ؛ يقال : ضل عن الطريق ، وأضل الشيء إذا أضاعه . ومنه قرأ من قرأ " لا يضل ربي " أي لا يضيع ، هذا مذهب العرب .