تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فلنأتينك بسحر مثله} يعني: بمثل سحرك. {فاجعل بيننا وبينك موعدا} يعني: وقتا {لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى}، يعني: ميقاتا، يعني: عدلا، كقوله سبحانه: {أصحاب الصراط السوي} [طه:135] يعني: العدل.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
" فَلَنْأتِيَنّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدا "لا نتعدّاه، لنجيء بسحر مثل الذي جئت به، فننظر أينا يغلب صاحبه، لا نخلف ذلك الموعد "نَحْنُ وَلا أنْتَ مَكانا سُوًى "يقول: بمكان عدل بيننا وبينك ونَصَف...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... أي عدنا مكانا نجتمع فيه ووقتا نأتي فيه (مكانا سوى) أي مكانا عدلا بيننا وبينك -في قول قتادة والسدي- وقيل معناه مستويا يتبين الناس ما بيننا فيه -ذكره ابن زيد- وقيل: معناه يستوي حالنا في الرضا به.
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :
وأراد بالموعد ها هنا موضعا يتواعدون للاجتماع هناك وهو قوله {مكانا سوى} أي يكون النصف فيما بيننا وبينك... قال ابن زيد في قوله:"مَكانا سُوًى" قال: مكانا مستويا يتبين للناس ما فيه، لا يكون صوب ولا شيء فيغيب بعض ذلك عن بعض مستوٍ حين يرى...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
فإن عندنا سحرًا مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا} أي: يومًا نجتمع نحن وأنت فيه، فنعارض ما جئت به بما عندك من السحر في مكان معين ووقت معين فعند ذلك.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال: {مكاناً} وآثر ذكر المكان لأجل وصفه بقوله: {سوى} أي عدلاً بيننا، لا حرج على واحد منا في قصده أزيد من حرج الآخر، فانظر هذا الكلام الذي زوقه وصنعه ونمقه فأوقف به قومه عن السعادة واستمر يقودهم بأمثاله حتى أوردهم البحر فأغرقهم، ثم في غمرات النار أحرقهم، فعلى الكيس الفطن أن ينقد الأقوال والأفعال، والخواطر والأحوال، ويعرضها على محك الشرع: الكتاب والسنة، فما وافق لزمه وما لا تركه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
وفوّض تعيين الموعد إلى موسى؛ إظهاراً لكمال اقتداره على الإتيان بمثل ما أتى به موسى.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وإذا كان موسى يطلب إطلاق بني إسرائيل لهذا الغرض، وكل ما يقدمه هو عمل من أعمال السحر، فما أسهل الرد عليه: (فلنأتينك بسحر مثله).. وهكذا يفهم الطغاة أن دعوى أصحاب العقائد إنما تخفي وراءها هدفا من أهداف هذه الأرض؛ وإنها ليست سوى ستار للملك والحكم.. ثم هم يرون مع أصحاب الدعوات آيات، إما خارقة كآيات موسى، وإما مؤثرة في الناس تأخذ طريقها إلى قلوبهم وإن لم تكن من الخوارق. فإذا الطغاة يقابلونها بما يماثلها ظاهريا.. سحر نأتي بسحر مثله! كلام نأتي بكلام من نوعه! صلاح نتظاهر بالصلاح! عمل طيب نرائي بعمل طيب! ولا يدركون أن للعقائد رصيدا من الإيمان، ورصيدا من عون الله؛ فهي تغلب بهذا وبذاك، لا بالظواهر والأشكال! وهكذا طلب فرعون إلى موسى تحديد موعد للمباراة مع السحرة.. وترك له اختيار ذلك الموعد: للتحدي: (فاجعل بيننا وبينك موعدا) وشدد عليه في عدم إخلاف الموعد زيادة في التحدي (لا نخلفه نحن ولا أنت). وأن يكون الموعد في مكان مفتوح مكشوف: (مكانا سوى) مبالغة في التحدي!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
إضافته السحرَ إلى ضمير موسى قُصد منها تحقير شأن هذا الذي سمّاه سحراً.
وأسنَدَ الإتيان بسحرٍ مثله إلى ضمير نفسه تعظيماً لشأنه. ومعنى إتيانه بالسحر: إحضار السحرة بين يديه، أي فلنأتينك بسحر ممنْ شأنهم أن يأتوا بالسحر، إذ السحر لا بد له من ساحر.
والمماثلة في قوله {مِثْلِهِ} مماثلة في جنس السحر لا في قوته.
وإنما جعل فرعون العلّة في مجيء موسى إليه: أنها قصده أن يخرجهم من أرضهم قياساً منه على الذين يقومون بدعوة ضد الملوك أنهم إنما يبغون بذلك إزالتهم عن الملك وحلولَهم محلّهم، يعني أن موسى غرّته نفسه فحسب أنه يستطيع اقتلاع فرعون من ملكه، أي حسبتَ أنّ إظهار الخوارق يطوّع لك الأمة فيجعلونك ملكاً عليهم وتخرجني من أرضي. فضمير المتكلم المشارك مستعمل في التعظيم لا في المشاركة، لأنّ موسى لم يصدر عنه ما يشمّ منه إخراجهم من أرضهم.
ويجوز أن يكون ضمير المتكلم المشارك مستعملاً في الجماعة تغليباً، ونزّل فرعون نفسه واحداً منها. وأراد بالجماعة جماعة بني إسرائيل حيث قال له موسى {فأرسِلْ معنا بني إسرائيل} [طه: 47]، أي جئت لتخرج بعض الأمة من أرضنا وتطمع أن يتبعك جميع الأمّة بما تظهر لهم من سحرك.
والاستفهام في {أجِئْتَنَا} إنكاري، ولذلك فرّع عليه القسم على أن يأتيه بسحر مثله، والقسم من أساليب إظهار الغضب.
واللام لام القسم، والنون لتوكيده. وقصد فرعون من مقابلة عمل موسى بمثله أن يزيل ما يخالج نفوس الناس من تصديق موسى وكونه على الحق، لعلّ ذلك يفضي بهم إلى الثورة على فرعون وإزالته من ملك مصر.
وفرّع على ذلك طلب تعيين موعد بينه وبين موسى ليُحضر له فيه القائمين بسحر مثل سحره.
والموعد هنا يجوز أن يراد به المصدر الميمي، أي الوعد وأن يراد به مكان الوعد، وهذا إيجاز في الكلام.
وقوله {مكاناً} بدل اشتمال من {موعداً} بأحد معنييه، لأنّ الفعل يقتضي مكاناً وزماناً فأبدل منه مكانُه.
وقوله {لا نُخْلِفُهُ} في قراءة الجمهور برفع الفعل صفةً ل {موعداً} باعتبار معناه المصدري. وقرأه أبو جعفر بجزم الفاء من (نخلفْه) على أن (لا) ناهية. والنهي تحذير من إخلافه.
و {سِوىً}... هو اسم وصف مشتق من الاستواء: فيجوز أن يكون الاستواء استواء التوسط بين جهتين...
والمعنى: قال مجاهد: إنه مكان نصف، وكأنّ المرادَ أنّه نصف من المدينة لئلا يشق الحضور فيه على أهل أطراف المدينة. وعن ابن زيد: المعنى مكاناً مستوياً، أي ليس فيه مرتفعات تحجب العين، أراد مكاناً منكشفاً للناظرين ليشهدوا أعمال موسى وأعمال السحرة.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
ثمّ أضاف فرعون بأن لا تظن بأنّنا نعجز عن أن نأتي بمثل هذا السحر (فلنأتينّك بسحر مثله)، ولكي يظهر حزماً أكثر فإنّه قال: (فاجعل بيننا وبينكم موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى).
وذكر البعض في تفسير (مكاناً سوى): إنّ المراد هو أن تكون فاصلته عنّا وعنك متساوية، وقال بعضهم: أن تكون فاصلته متساوية بالنسبة إلى الناس، أي أن يكون المكان في وسط المدينة تماماً، وقال بعض: المراد أن تكون الأرض أرضاً مكشوفة ومسطّحة يشرف عليها الجميع، وأن يتساوى في ذلك العالي والداني. ويمكن أن تعتبر كلّ هذه المعاني مجتمعة فيها.
وينبغي التذكير بأنّ الحكّام الطغاة، ومن أجل أن يهزموا خصمهم في المعركة، ويرفعوا معنويات أتباعهم وأعوانهم الذين ربّما وقعوا تحت تأثيره (كما في قصّة موسى ومعجزاته فلا يبعد أن يكونوا قد وقعوا تحت تأثيره) فإنّهم يعيدون إليهم المعنويات والقوّة، ويتعاملون في الظاهر مع أمثال هذه المسائل بصرامة وشدّة، ويثيرون الصخب حولها!
" فلنأتينك بسحر مثله " أي لنعارضنك بمثل ما جئت به ليتبين للناس أن ما أتيت به ليس من عند الله . " فاجعل بيننا وبينك موعدا " هو مصدر ، أي وعدا . وقيل : الموعد اسم لمكان الوعد ، كما قال تعالى : " وإن جهنم لموعدهم أجمعين{[11100]} " [ الحجر : 43 ] فالموعد ها هنا مكان . وقيل : الموعد اسم لزمان الوعد ؛ كقوله تعالى : " إن موعدهم الصبح " {[11101]} [ هود : 81 ] فالمعنى : اجعل لنا يوما معلوما ، أو مكانا معروفا . قال القشيري : والأظهر أنه مصدر ولهذا قال : " لا نخلفه نحن ولا أنت " أي لا نخلف ذلك الوعد ، والإخلاف أن يعد شيئا ولا ينجزه . وقال الجوهري والميعاد المواعدة والوقت والموضع وكذلك الموعد . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج " لا نخلفه " بالجزم جوابا لقوله " اجعل " ومن رفع فهو نعت ل " موعد " والتقدير . موعدا غير مخلف . " مكانا سوى " قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة " سوى " بضم السين . الباقون بكسرها ، وهما لغتان مثل عُدا وعِدا وطُوى وطِوى . واختار أبو عبيد وأبو حاتم كسر السين لأنها اللغة العالية الفصيحة . وقال النحاس : والكسر أعرف وأشهر . وكلهم نونوا الواو ، وقد روي عن الحسن ، واختلف عنه ضم السين بغير تنوين . واختلف في معناه فقيل : سوى هذا المكان ، قاله الكلبي . وقيل مكانا مستويا يتبين للناس ما بينا فيه ، قاله ابن زيد . ابن عباس : نصفا . مجاهد : منصفا ، وعنه أيضا وقتادة عدلا بيننا بينك . قال النحاس : وأهل التفسير على أن معنى " سوى " نصف وعدل وهو قول حسن ، قال سيبويه يقال : سوى وسوى أي عدل ، يعني مكانا عدل ، بين المكانين فيه النصفة ، وأصله من قولك : جلس في سواء الدار بالمد أي في وسطها ، ووسط كل شيء أعدله ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا{[11102]} " [ البقرة : 143 ] أي عدلا ، وقال زهير :
أرونَا خُطَّةً لا ضَيْمَ فيها *** يُسَوِّي بيننا فيها السَّوَاءُ
وقال أبو عبيدة والقتبي : وسطا بين الفريقين ، وأنشد أبو عبيدة لموسى بن جابر الحنفي
وإنَّ أبانا كان حَلَّ ببلدة*** سوىً بين قيسٍ قيسِ عَيْلاَنَ والفِزْرِ
والفزر : سعد بن زيد مناة بن تميم . وقال الأخفش : " سوى " إذا كان بمعنى غير أو بمعنى العدل يكون فيه ثلاث لغات : إن ضممت السين أو كسرت قصرت فيهما جميعا . وإن فتحت مددت ، تقول : مكان سوى وسوى وسواء ، أي عدل ووسط فيما بين الفريقين . قال موسى بن جابر :
البيت . وقيل : " مكانا سوى " أي قصدا ، وأنشد صاحب هذا القول :
لو تَمَنَّتْ حبيبتي ما عَدَتْنِي*** أو تَمَنَّيْتُ ما عدوتُ سواهَا
وتقول : مررت برجل سواك وسواك وسوائك أي غيرك . وهما في هذا الأمر سواء وإن شئت سواءان . وهم سواء للجمع وهم أسواء ، وهم سواسية مثل ثمانية على غير قياس . وانتصب " مكانا " على المفعول الثاني ل " جعل " . ولا يحسن انتصابه بالموعد على أنه مفعول أو ظرف له ؛ لأن الموعد قد وصف ، والأسماء التي تعمل عمل الأفعال إذا وصفت أو صغرت لم يسغ أن تعمل لخروجها عن شبه الفعل ، ولم يحسن حمله على أنه ظرف وقع موقع المفعول الثاني ؛ لأن الموعد إذا وقع بعده ظرف لم تجره العرب مجرى المصادر مع الظروف ، لكنهم يتسعون فيه كقوله تعالى : " إن موعدهم الصبح " {[11103]} [ هود : 81 ]