جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
اختلف أهل العلم في السرار الذي أسروه؛
فقال بعضهم: هو قول بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه، وإن كان من أمر السماء فإنه سيغلبنا.
وقال آخرون: في ذلك... عن وهب بن منبه، قال: أشار بعضهم إلى بعض بتناج "إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا".
وقوله "وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى "يقول: ويغلبا على ساداتكم وأشرافكم، يقال: هو طريقة قومه ونظورة قومه، ونظيرتهم إذا كان سيدهم وشريفهم والمنظور إليه، يقال ذلك للواحد والجمع، وربما جمعوا، فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، ومنه قول الله تبارك وتعالى: "كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا" وهؤلاء نظائر قومهم.
وأما قوله:"المُثْلَى" فإنها تأنيث الأمثل، يقال للمؤنث، خذ المثلى منهما. وفي المذكر: خذ الأمثل منهما، ووحدت المثلى، وهي صفة ونعت للجماعة، كما قيل "لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى" وقد يحتمل أن يكون المُثلى أنثت لتأنيث الطريقة... عن مجاهد، قوله "ويذهبا بطريقتكم المثلى" قال: أولي العقل والشرف والأنساب... وقال آخرون: معنى ذلك، ويغيرا سنتكم ودينكم الذي أنتم عليه، من قولهم: فلان حسن الطريقة... قال ابن زيد، في قوله "وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى" قال: يذهبا بالذي أنتم عليه، يغيرا ما أنتم عليه، وقرأ "ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ" قال: هذا قوله: "وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى" وقال: يقول طريقتكم اليوم طريقة حسنة، فإذا غيرت ذهبت هذه الطريقة.
ورُوي عن عليّ في معنى قوله (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى) ما حدثنا به القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم، عن عليّ بن أبي طالب، قال: يصرفان وجوه الناس إليهما.
وهذا القول الذي قاله ابن زيد في قوله "وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى" وإن كان قولا له وجه يحتمله الكلام، فإن تأويل أهل التأويل خلافه، فلا أستجيز لذلك القول به.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قوله: {إن هذان لساحران} بالألف. قال أبو عبيدة: هذه لغة قوم من العرب [يقول: مررت برجلان] ورأيت رجلان. فهو على تلك اللغة. وقال بعضهم: إن هذه الألف، لا تسقط في الوحدان بحال؛ يقال: مررت بهذا، ورأيت هذا، ونحوه. فهو كالأصل، لا يحتمل السقوط في الأحوال كلها الوحدان والتثنية. وقال بعضهم: {إن هذان لساحران} أي: نعم هذان لساحران، وتلك لغة قوم أيضا؛ يقولون: إن مكان نعم...
... إنه سبحانه وتعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى عنهم ما أظهروه ومجموعه يدل على التنفير عن موسى عليه السلام ومتابعة دينه...
وهذا طعن منهم في معجزات موسى عليه السلام ثم مبالغة في التنفير عنه لما أن كل طبع سليم يقتضي النفرة عن السحر وكراهة رؤية الساحر، ومن حيث إن الإنسان يعلم أن السحر لا بقاء له فإذا اعتقدوا فيه السحر قالوا: كيف نتبعه فإنه لا بقاء له ولا لدينه ولا لمذهبه...
قوله: {يريدان أن يخرجاكم من أرضكم} وهذا في نهاية التنفير لأن المفارقة عن المنشأ، والمولد شديدة على القلوب، وهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن فرعون في قوله: {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى} وكأن السحرة تلقفوا هذه الشبهة من فرعون ثم أعادوها...
قوله: {ويذهبا بطريقتكم المثلى} وهذا أيضا له تأثير شديد في القلب فإن العدو إذا جاء واستولى على جميع المناصب والأشياء التي يرغب فيها فذلك يكون في نهاية المشقة على النفس فهم ذكروا هذه الوجوه للمبالغة في التنفير عن موسى والترغيب في دفعه وإبطال أمره... فالمراد أنهم كانوا يحرضون القوم بأن موسى وهارون عليهما السلام يريدان أن يذهبا بأشراف قومكم وأكابركم وهم بنو إسرائيل لقول موسى عليه السلام: {أرسل معنا بني إسرائيل} وإنما سموا بني إسرائيل بذلك لأنهم كانوا أكثر القوم يومئذ عددا وأموالا ومن المفسرين من فسر الطريقة المثلى بالدين سموا دينهم بالطريقة المثلى: {وكل حزب بما لديهم فرحون} ومنهم من فسرها بالجاه والمنصب والرياسة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وجعل بعضهم يحمس بعضا، وراحوا يهيجون في المترددين الخوف من موسى وهارون، اللذين يريدان الاستيلاء على مصر وتغيير عقائد أهلها؛ مما يوجب مواجهتهما يدا واحدة بلا تردد ولا نزاع. واليوم هو يوم المعركة الفاصلة والذي يغلب فيها الفالح الناجح:
"قالوا: إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى".
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
جملة {قَالُوا إنْ هذان لساحران} بدل اشتمال من جملة {وأسَرُّوا النجوى}، لأن إسرار النجوى يشتمل على أقوال كثيرة ذُكر منها هذا القول، لأنّه القول الفصل بينهم والرأي الذي أرسوا عليه، فهو زبدة مخيض النجوى. وذلك شأن التشاور وتنازع الآراء أن يسفر عن رأي يصدر الجميع عنه.
وإسناد القول إلى ضمير جمعهم على معنى: قال بعضهم: هذان لساحران، فقال جميعهم: نعم هذان لسَاحران، فأسند هذا القول إلى جميعهم، أي مقالة تداولوا الخوض في شأنها فأرسوا عليها. وقال بعضهم لبعض: نعم هو كذلك، ونطقوا بالكلام الذي استقرّ عليه رأيهم، وهو تحققهم أنّ موسى وأخاه ساحران...
وتأكيد السحرة كونَ موسى وهارون ساحرين بحرف (إنّ) لتحقيق ذلك عند من يخامره الشكّ في صحّة دعوتهما.
وجعل ما أظهره موسى من المعجزة بين يدي فرعون سحراً لأنّهم يطلقون السحر عندهم على خوارق العادات، كما قالت المرأة الّتي شاهدت نبع الماء من بين أصابع النبي لقومها: جئتكم من عندِ أسْحر النّاس، وهو في كتاب المغازي من « صحيح البخاري».
والقائلون: قد يكون بعضهم ممن شاهد ما أتى به موسى في مجلس فرعون، أو ممن بلغهم ذلك بالتسامع والاستفاضة.
والخطاب في قوله {أن يُخْرِجَاكُم} لملئهم. ووجه اتهامهما بذلك هو ما تقدم عند قوله تعالى: {قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى} [طه: 57]. ونزيد هنا أن يكون هذا من النجوى بين السحرة، أي يريدانِ الاستئثار بصناعة السحر في أرضكم فتخرجوا من الأرض بإهمال الناس لكم وإقبالهم على سحر موسى وهارون.
والطريقة: السُّنّة والعادة؛ شبهت بالطريق الذي يسير فيه السائر، بجامع الملازمة.
والمثلى: مؤنّث الأمثل. وهو اسم تفضيل مشتقّ من المَثَالة، وهي حسن الحالة يقال: فلان أمثل قومِه، أي أقربهم إلى الخير وأحسنهم حالاً.
وأرادوا من هذا إثارة حمية بعضهم غيرة على عوائدهم، فإن لكلّ أمّة غيرة على عوائدها وشرائعها وأخلاقها. ولذا فرّعوا على ذلك أمرهم بأن يجمعوا حيلهم وكل ما في وسعهم أن يغلبوا به موسى.
والباء في {بطريقتكم} لتعدية فعل {يذهبا}. والمعنى: يُذهبانها، وهو أبلغ في تعلّق الفعل بالمفعول من نصب المفعول. وتقدّم عند قوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} في سورة البقرة (17).
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} لا يملكان أية صفة للرسالة أو للنبوة، ولكنهما يتظاهران بذلك ليسيطرا على الناس بطريقة الإيحاء بقداسة موقعهما ليحققا أهدافهما العدوانية، فإنهما {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا} ليكون لهما ولشعبهما السيطرة على الأرض كلها، {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} ويغيِّرا كل أوضاعكم التي درجتم عليها مئات السنين، فأصبحت جزءاً من شخصيتكم القومية وحققت لكم الغلبة على من حولكم، وحصلت لكم بها، الامتيازات في الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فماذا تنتظرون منهما؟ هل تنتظرون منهما أن يحققا ما يريدان فتندموا على ذلك من حيث لا ينفعكم الندم،
قوله تعالى : " إن هذان لساحران " قرأ أبو عمرو " إن هذين لساحران " . ورويت عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة ، وكذلك قرأ الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم من التابعين ؛ ومن القراء عيسى بن عمر وعاصم الجحدري ، فيما ذكر النحاس . وهذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة للمصحف . وقرأ الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه " إن هذان " بتخفيف " إن " " لساحران " وابن كثير يشدد نون " هذان " . وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب ، ويكون معناها ما هذان إلا ساحران . وقرأ المدنيون والكوفيون " إن هذان " بتشديد " إن " " لساحران " فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب . قال النحاس : فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة عن الأئمة ، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ " إن هذان إلا ساحران " وقال الكسائي في قراءة عبد الله : " إن هذان ساحران " بغير لام ، وقال الفراء في حرف أبي " إن هذان إلا ساحران " فهذه ثلاث قراءات أخرى تحمل على التفسير لا أنها جائز أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف .
قلت : وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الرد له ، والنحاس في إعرابه ، والمهدوي في تفسيره ، وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض . وقد خطأها قوم حتى قال أبو عمرو : إني لأستحي من الله أن اقرأ " إنَّ هذان " وروى عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى " لكن الراسخون في العلم{[11109]} " ثم قال : " والمقيمين " وفي " المائدة " " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون " [ المائدة : 69 ] و " إن هذان لساحران " فقالت : يا ابن أختي ! هذا خطأ من الكاتب . وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه : في المصحف لحن وستقيمه العرب بألسنتهم . وقال أبان بن عثمان : قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان ، فقال لحن وخطأ ، فقال له قائل : ألا تغيروه ؟ فقال : دعوه فإنه لا يحرم حلالا ولا يحلل حرما . القول الأول من الأقوال الستة أنها لغة بني الحرث بن كعب وزبيد وخثعم وكنانة بن زيد يجعلون رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف ؛ يقولون : جاء الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان ، ومنه قوله تعالى : " ولا أدراكم به " [ يونس : 16 ] على ما تقدم{[11110]} . وأنشد الفراء لرجل من بني أسد{[11111]} - قال : وما رأيت أفصح منه :
فأطرق إطراقَ الشجاع ولو يرى *** مَسَاغًا لِنَابَاهُ الشجاع لَصَمَّمَا{[11112]}
ويقولون : كسرت يداه وركبت علاه ، بمعنى يديه وعليه ، قال شاعرهم{[11113]} :
تَزَوَّدَ منا بينَ أُذْنَاهُ ضربةً *** دعته إلى هَابِي التُّرَابِ عقيمِ
وقال آخر{[11114]} :
طاروا عَلاَهُنَّ فَطِرْ عَلاَهَا
وقال آخر{[11115]} :
إن أباها وأبا أباها *** قد بلغا في المجد غايتاها
أي إن أبا أبيها وغايتها . قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية ؛ إذ كانت هذه اللغة معروفة ، وقد حكاها من يرتضى علمه وأمانته ، منهم أبو زيد الأنصاري ، وهو الذي يقول : إذا قال سيبويه حدثني من أثق به فإنما يعنيني ، وأبو الخطاب الأخفش وهو رئيس من رؤساء اللغة ، والكسائي والفراء كلهم قالوا هذا على لغة بني الحرث بن كعب . وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أن هذه لغة بني كنانة . المهدوي : وحكى غيره أنها لغة لخثعم . قال النحاس ومن أبين ما في هذا قول سيبويه : واعلم أنك إذا ثنيت الواحد زدت عليه زائدتين ، الأولى منهما حرف مد ولين وهو حرف الإعراب ، قال أبو جعفر فقول سيبويه : وهو حرف الإعراب ، يوجب أن الأصل ألا يتغير ، فيكون " إن هذان " جاء على أصله ليعلم ذلك ، وقد قال تعالى " استحوذ عليهم الشيطان " {[11116]} [ المجادلة : 19 ] ولم يقل استحاذ ، فجاء هذا ليدل على الأصل ، وكذلك " إن هذان " ولا يفكر في إنكار من أنكر هذه اللغة إذا كان الأئمة قد رووها . القول الثاني أن يكون " إن " بمعنى نعم ، كما حكى الكسائي عن عاصم قال : العرب تأتي ب " إن " بمعنى نعم ، وحكى سيبويه أن " إن " تأتي بمعنى أجل ، وإلى هذا القول كان محمد بن يزيد وإسماعيل بن إسحاق القاضي يذهبان ، قال النحاس : ورأيت أبا إسحاق الزجاج وعلي بن سليمان يذهبان إليه . الزمخشري : وقد أعجب به أبو إسحاق . النحاس : وحدثنا علي بن سليمان ، قال حدثنا عبدالله بن أحمد بن عبد السلام النيسابوري ، ثم لقيت عبد الله بن أحمد [ هذا ] فحدثني ، قال حدثني عمير بن المتوكل ، قال حدثنا محمد بن موسى النوفلي من ولد حرث بن عبد المطلب ، قال حدثنا عمر بن جميع الكوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي - وهو ابن الحسين - عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين ، قال : لا أحصي كم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره : " إن الحمد لله نحمده ونستعينه " ثم يقول : " أنا أفصح قريش كلها وأفصحها بعدي أبان بن سعيد بن العاص " قال أبو محمد الخفاف قال عمير : إعرابه عند أهل العربية والنحو " إن الحمد لله " بالنصب إلا أن العرب تجعل " إن " في معنى نعم كأنه أراد صلى الله عليه وسلم ، نعم الحمد لله ، وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح خطبها بنعم . وقال الشاعر في معنى نعم :
قالوا : غدرت ، فقلت : إن ، وربما *** نال العلا وشفى الغليلَ الغادرُ
بَكَرَ العواذلُ في الصبا *** ح يلُمْنَنِي وألُومُنَّهْ
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلاَ *** ك وقد كَبِرْتَ فقلت : إنَّهْ
فعلى هذا جائز أن يكون قول الله عز وجل : " إن هذان ساحران " بمعنى نعم ولا تنصب . قال النحاس : أنشدني داود بن الهيثم ، قال أنشدني ثعلب :
ليت شعري هل للمحب شفاء*** من جَوَى حبّهن إنّ اللقاء
قال النحاس : وهذا قول حسن إلا أن فيه شيئا لأنه إنما يقال : نعم زيد خارج ، ولا تكاد تقع اللام ها هنا ، وإن كان النحويون قد تكلموا في ذلك فقالوا : اللام ينوى بها التقديم ، كما قال :
خالي لأنتَ ومن جريرٌ خالُه *** يَنلِ العَلاَءَ ويُكْرِمِ الأخوالا
أمُّ الحُلَيْسِ لعجوزٌ شَهْرَبَهْ *** ترضَى من الشَّاةِ بعظم الرَّقَبَهْ
أي لخالي ولأم الحليس ، وقال الزجاج : والمعنى في الآية إن هذان لهما ساحران ثم حذف المبتدأ . المهدوي : وأنكره أبو علي وأبو الفتح بن جني . قال أبو الفتح : " هما " المحذوف لم يحذف إلا بعد أن عرف ، وإذا كان معروفا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام ، ويقبح أن تحذف المؤكد وتترك المؤكد . القول الثالث : قاله الفراء أيضا : وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل فزدت عليها نونا ولم أغيرها ، كما قلت : " الذي " ثم زدت عليه نونا ، فقلت : جاءني الذين عندك ، ورأيت الذين عندك ، ومررت بالذين عندك . القول الرابع : قاله بعض الكوفيين قال الألف في " هذان " مشبهة بالألف في يفعلان فلم تغير . القول الخامس : قال أبو إسحاق : النحويون القدماء يقولون : الهاء ها هنا مضمرة ، والمعنى إنه هذان لساحران ، قال ابن الأنباري : فأضمرت الهاء التي هي منصوب " إن " و " هذان " خبر " إن " و " ساحران " يرفعها " هما " المضمر [ والتقدير ] إنه هذان لهما ساحران . والأشبه{[11117]} عند أصحاب أهل هذا الجواب أن الهاء اسم " إن " و " هذان " رفع بالابتداء وما بعده خبر الابتداء . القول السادس : قال أبو جعفر النحاس : وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية ، فقال : إن شئت أجبتك بجواب النحويين ، وإن شئت أجبتك بقولي ، فقلت بقولك ، فقال : سألني إسماعيل بن إسحاق عنها ، فقلت : القول عندي أنه لما كان يقال " هذا " في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة ، وكانت التثنية يجب ألا يغير لها الواحد أجريت التثنية مجرى الواحدة ، فقال ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول به حتى يؤنس به ، قال ابن كيسان : فقلت له : فيقول القاضي به حتى يؤنس به ، فتبسم .
قوله تعالى : " يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى " هذا من قول فرعون للسحرة ، أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه ، كما قال فرعون " إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد " {[11118]} [ غافر : 26 ] . ويقال فلان حسن الطريقة أي حسن المذهب . وقيل : طريقة القوم أفضل القول ، وهذا الذي ينبغي أن يسلكوا طريقته ويقتدوا به ، فالمعنى : ويذهبا بسادتكم ورؤسائكم ، استمالة لهم . أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثل وإن كانوا خولا لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء . أيذهبا بأهل طريقتكم فحذف المضاف . و " المثلى " تأنيث الأمثل ، كما يقال الأفضل والفضلى . وأنث الطريقة على اللفظ ، وإن كان يراد بها الرجال . ويجوز أن يكون التأنيث على الجماعة . وقال الكسائي : " بطريقتكم " بسنتكم وسمتكم . و " المثلى " نعت كقولك امرأة كبرى . تقول العرب : فلان على الطريقة المثلى يعنون على الهدى المستقيم .