الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (44)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ونادى أهل الجنة أهل النار بعد دخولهموها: يا أهل النار قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا -في الدنيا- على ألسن رسله من الثواب على الإيمان به وبهم وعلى طاعته، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم على ألسنتهم على الكفر به وعلى معاصيه من العقاب؟ فأجابهم أهل النار بأن: نعم، قد وجدنا ما وعد ربنا حقّا...

وأما قوله:"فَأذّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ" يقول: فنادى منادٍ، وأعلم معلم بينهم، "أنْ لَعَنَةُ اللّهِ على الظّالِمِينَ "يقول: غضب الله وسخطه وعقوبته على من كفر به...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والغرض بهذا النداء تبكيت الكفار وتوبيخهم، وأن الله تعالى صدق فيما وعد به على لسان نبيه ليحزن الكفار بذلك ويتحسروا عليه.

وقوله "وجدنا ما وعدنا ربنا حقا "إنما أضافوا الوعد بالجنة إلى نفوسهم، لأن الكفار ما وعدهم الله بالجنة والثواب إلا بشرط أن يؤمنوا، فلما لم يؤمنوا فكأنهم لم يوعدوا، وكذلك قوله "ما وعد ربكم" يعنون من العقاب لأن المؤمنين لما كانوا مطيعين مستحقين للثواب فكأنهم لم يوعدوا بالعقاب، وانما خص الكفار.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذا إخبار من الله عز وجل عما يكون منهم، وعبر عن معان مستقبلة بصيغة ماضية وهذا حسن فيما يحقق وقوعه، وهذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تقريع وتوبيخ وزيادة في الكرب وهو بأن يشرفوا عليهم ويخلق الإدراك في الأسماع والأبصار...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما استقرت بهم الدار، ونودوا بدوام الاستقرار، أخبر سبحانه أنهم أقبلوا متبجحين على أهل النار شامتين بهم في إحلالهم دار البوار تلذيذاً لأنفسهم بالنعيم وتكديراً على الأشقياء في قوله: {ونادى أصحاب الجنة} أي بعد دخول كل من الفريقين إلى داره {أصحاب النار} يخبرونهم بما أسبغ عليهم من النعم، ويقررونهم بما كانوا يتوعدونهم به من حلول النقم؛ ثم فسر ما وقع له النداء بقوله: {أن}، وذكر حرف التوقع لأنه محله فقال: {قد وجدنا} أي بالعيان كما كنا واجدين له بالإيمان {ما وعدنا ربنا} أي المحسن إلينا في الدارين من الثواب {حقاً} أي وجدنا جميع ما وعدنا ربنا لنا ولغيرنا حقاً كما كنا نعتقد {فهل وجدتم} أي كذلك {ما وعد} وأثبت المفعول الأول تلذيذاً، وحذفه هنا احتقاراً للمخاطبين، وليشمل ما للفريقين فيكون وجد بمعنى العلم وبمعنى اللقى، وفي التعبير بالوعد دون الوعيد مع ذلك تهكم بهم {ربكم} أي الذي أحسن إليكم فقابلتم إحسانه بالكفران من العقاب {حقاً} لكونكم وجدتم ما توعدكم به ربكم حقاً {قالوا نعم} أي قد وجدنا ذلك كله حقاً. ولما حبوا من النعم بما تقدم، وكان منه الجار الحسن، وكان العيش مع ذلك لا يهنأ إلا بإبعاد جار السوء، أخبروا ببعده وزيدوا سروراً بإهانته في قوله: {فأذن} أي بسبب ما أقر به أهل النار على أنفسهم {مؤذن بينهم} أي بين الفريقين {أن لعنة الله} أي طرد الملك الأعظم وإبعاده على وجه الغضب {على الظالمين} أي الذين كانوا مع البيان الواضح يضعون الأشياء في غير مواضعها كحال من لم ير نوراً أصلاً.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وفي هذا السؤال من السخرية المرة ما فيه.. إن المؤمنين على ثقة من تحقق وعيد الله كثقتهم من تحقق وعده. ولكنهم يسألون! ويجيء الجواب في كلمة واحدة.. نعم..! وعندئذ ينتهي الجواب، ويقطع الحوار: (فأذن مؤذن بينهم: أن لعنة الله على الظالمين).

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (44)

قوله تعالى : " ونادى أصحاب الجنة " هذا سؤال تقريع وتعيير . " أن قد وجدنا " مثل " أن تلكم الجنة " أي أنه قد وجدنا . وقيل : هو نفس النداء . " فأذن مؤذن بينهم " أي نادى وصوت ، يعني من الملائكة . " بينهم " ظرف ، كما تقول : أعلم وسطهم . وقرأ الأعمش والكسائي : " نعم " بكسر العين وتجوز على هذه اللغة بإسكان العين . قال مكي : من قال " نعم " بكسر العين أراد أن يفرق بين " نعم " التي هي جواب وبين " نعم " التي هي اسم للإبل والبقر والغنم . وقد روي عن عمر إنكار " نعم " بفتح العين في الجواب ، وقال : قل نعم . ونعم ونعم ، لغتان بمعنى العدة والتصديق . فالعدة إذا استفهمت عن موجب نحو قولك : أيقوم زيد ؟ فيقول نعم . والتصديق إذا أخبرت عما وقع ، تقول : قد كان كذا وكذا ، فيقول نعم . فإذا استفهمت عن منفي فالجواب بلى نحو قولك ألم أكرمك ، فيقول بلى . فنعم لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه الآية . وبلى ، لجواب الاستفهام الداخل على النفي ، كما قال تعالى : " ألست بربكم قالوا بلى{[7129]} " [ الأعراف : 172 ] . وقرأ البزي وابن عامر وحمزة والكسائي " أن لعنة الله " وهو الأصل . وقرأ الباقون بتخفيف " أن " ورفع اللعنة على الابتداء . ف " أن " في موضع نصب على القراءتين على إسقاط الخافض . ويجوز في المخففة ألا يكون لها موضع من الإعراب ، وتكون مفسرة كما تقوم . وحكي عن الأعمش أنه قرأ " إن لعنة الله " بكسر الهمزة ، فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون{[7130]} " فناداه الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله " ويروى أن طاوسا دخل على هشام بن عبد الملك فقال له : اتق الله واحذر يوم الأذان . فقال : وما يوم الأذان ؟ قال : قوله تعالى : " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " فصعق هشام . فقال طاوس : هذا ذل الصفة فكيف ذل المعاينة .


[7129]:راجع ص 313 من هذا الجزء.
[7130]:كذا في الأصول وتقدم في ج 4 ص 74 أنها قراءة حمزة والكسائي فيكون الصواب: الكوفيان وفي الشواذ هي قراءة ابن مسعود.