وجاهدوا الكفار والظلمة ، والنفس ، والشيطان جهادا عظيما ، مخلصين فيه النية لله عز وجل ، مسلمين له قلوبكم وجوارحكم ، هو اصطفاكم لحمل هذا الدين ، وقد منَّ عليكم بأن جعل شريعتكم سمحة ، ليس فيها تضييق ولا تشديد في تكاليفها وأحكامها ، كما كان في بعض الأمم قبلكم ، هذه الملة السمحة هي ملة أبيكم إبراهيم ، وقد سَمَّاكم الله المسلمين مِن قبلُ في الكتب المنزلة السابقة ، وفي هذا القرآن ، وقد اختصَّكم بهذا الاختيار ؛ ليكون خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم شاهدًا عليكم بأنه بلَّغكم رسالة ربه ، وتكونوا شهداء على الأمم أن رسلهم قد بلَّغتهم بما أخبركم الله به في كتابه ، فعليكم أن تعرفوا لهذه النعمة قدرها ، فتشكروها ، وتحافظوا على معالم دين الله بأداء الصلاة بأركانها وشروطها ، وإخراج الزكاة المفروضة ، وأن تلجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى ، وتتوكلوا عليه ، فهو نِعْمَ المولى لمن تولاه ، ونعم النصير لمن استنصره .
وبعد أن أمر - سبحانه - بالصلاة وبالعبادة وبفعل الخير ، أتبع ذلك بالأمر بالجهاد فقال - تعالى - : { وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ } .
والجهاد مأخوذ من الجهد ، وهو بذل أقصى الطاقة فى مدافعة العدو .
وهى أنواع ، أعظمها : جهاد أعداء الله - تعالى - من الكفار والمنافقين والظالمين والمبتدعين فى دين الله - تعالى - ما ليس منه .
كذلك من أنواع الجهاد : جهاد النفس الأمارة بالسوء ، وجهاد الشيطان .
وإضافة " حق " إلى " جهاد " فى قوله : { حَقَّ جِهَادِهِ } من إضافة الصفة التى إلى الموصوف أى : وجاهدوا - أيها المؤمنون - فى سبيل الله - تعالى - ومن أجل إعلاء كلمته ، ونصر شريعته ، جهادا كاملا صادقا لا تردد معه ولا تراجع .
قال صاحب الكشاف : قوله : { وَجَاهِدُوا . . . . } أمر بالغزو وبمجاهدة النفس والهوى . وهو الجهاد الأكبر . عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه رجع من بعض غزواته فقال : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " { فِي الله } أى : فى ذات الله ومن أجله . يقال : هو حق عالم ، وجد عالم ، ومنه { حَقَّ جِهَادِهِ } .
فإن قلت : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه ، أو حق جهادكم فيه ، كما قال : { وَجَاهِدُوا فِي الله } ؟
قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص . فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت إضافته إليه . . .
وجملة " هو اجتباكم " مستأنفة ، لبيان علة الأمر بالجهاد ، والاجتباء : الاختيار والاصطفاء .
أى : جاهدوا - أيها المؤمنون - من أجل إعلاء كلمة الله ، لأنه - سبحانه - هو الذى اختاركم للذب عن دينه ، واصطفاكم لحرب أعدائه ، وجدير بمن اختاره الله واصطفاه أن يكون مطيعا له .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه بعباده فقال : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ } .
أى : ومن مظاهر رحمته بكم - أيها المؤمنون - أنه سبحانه لم يشرع فى هذا الدين الذى تدينون به ما فيه مشقة بكم ، أو ضيق عليكم : وإنما جعل أمر هذا الدين ، مبنى على اليسر والتخفيف ورفع الحرج ، ومن قواعده التى تدل على ذلك : أن الضرر يزال . وأن المشقة تجلب التيسير : وأن اليقين لا يرفع بالشك ، وأن الأمور تتبع مقاصدها ، وأن التوبة الصادقة النصوح تجب ما قبلها من ذنوب .
ومن الآيات التى تدل على أن هذا الدين مبنى على التيسير ورفع الحرج قوله - تعالى - : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا . . } وقوله - سبحانه - : { . . . يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر . . . } وفى الحديث الشريف : " بعثت بالحنيفية السمحاء " .
قال بعض العلماء : وأنت خبير بأن هناك فرقا كبيرا ، بين المشقة فى الأحكام الشرعية ، وبين الحرج والعسر فيها ، فإن الأولى حاصلة وقلما يخلو منها تكليف شرعى ، إذ التكليف هو التزام ما فيه كلفة ومشقة ، أما المشقة الزائدة عن الحد التى تصل إلى حد الحرج ، فهى المرفوعة عن المكلفين .
فقد فرض الله الصلاة على المكلف ، وأوجب عليه أداءها ، وهذا شىء لا حرج فيه . ثم هو إذا لم يستطيع الصلاة من قيام ، فله أن يؤديها وهو قاعد أو بالإيماء . . . وهكذا جميع التكاليف الشرعية .
والخلاصة : أن هذا الدين الذى جاءنا به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه - عز وجل - مبنى على التخفيف والتيسير ، لا على الضيق والحرج ، والذين يجدون فيه ضيقا وحرجا ، هم الناكبون عن هديه ، الخارجون على تعالميه .
ورحم الله الإمام القرطبى فق قال : " رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع ، وأما السراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج ، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين . . . " .
والمراد بالملة فى قوله - تعالى - : { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } الدين والشريعة ، ولفظ " ملة " هنا منصوب بنزع الخافض .
أى : ما جعل عليكم - أيها المؤمنون - فى دينكم من حرج ، كما لم يجعل ذلك - أيضا - فى لمة أبيكم إبراهيم .
ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل دل عليه ما قبله من نفى الحرج بعد حذف المصدر المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه . أى : وسع عليكم فى دينكم توسعة ملة إبيكم إبراهيم .
ووصف - سبحانه - إبراهيم - عليه السلام - بالأبوة لهذه الأمة ، لأن رسول هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - ينتهى نسبه إلى إبراهيم ، ورسول هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - كالأب لها ، من حيث أنه - صلى الله عليه وسلم - جاءها من عند ربه - عز وجل - بما يحييها ويسعدها .
والضمير " هو " فى قوله - تعالى - : { هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ وَفِي هذا . . . } يعود إلى الله - تعالى - أى : هو - سبحانه - الذى سماكم المسلمين من قبل نزول القرآن . وسماكم - أيضا - بهذا الإسم فى هذا القرآن .
وقيل : الضمير " هو " يعود إلى إبراهيم أى : إبراهيم هو الذى سماكم المسلمين .
ومن وجوه ضعف هذا القول : أن اللن - تعالى - قال : { وَفِي هذا } أى سماكم المسلمين فى هذا القرآن ، وإبراهيم - عليه السلام - لحق بربه قبل نزول هذا القرآن بآزمان طويلة ، وأيضا فإن السياق يؤيد أن الضمير " هو " يعود إلى الله - تعالى - لأن الأفعال السابقة كقوله { هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ } تعود إليه - عز وجل - .
ثم بين - سبحانه - أسباب هذا الاجتباء والاصطفاء فقال : { لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس } .
والمراد بشهادة الرسول على أمته : الإخبار بأنه قد بلغهم رسالة ربه .
والمراد بشهادة هذه الأمة على غيرها من الناس : الإخبار بأن الرسل الذين أرسلهم الله - تعالى - إلى هؤلاء الناس ، قد بلغوهم رسالة ربهم ، ونصحوهم بإخلاص العبادة لله وحده .
ويؤيد ذلك ما رواه البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يدعى نوح - عليه السلام - يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديك يا رب . فيقا له : هل بلغت ما أرسلت به ؟ فيقول : نعم . فيقال لأمته : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير . فيقال له : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته ، فيشهدون أنه قد بلغ " .
وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً } والمعنى : فعلنا ما فعلنا من اجتبائكم ، والتيسير عليكم ، وتسميتكم بالمسلمين ، ليكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - شهيدا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أمر بتبليغه إليكم ، ولتكونوا أنتم شهداء على الناس بأن رسلهم قد بلغوهم رسالة ربهم .
وما دام الأمر كذلك { فَأَقِيمُواْ الصلاة } أيها المؤمنون بأن تؤدوها فى أوقاتها بإخلاص وخشوع { وَآتُواْ الزكاة } التى كلفكم الله - تعالى - بإيتائها إلى مستحقيها { واعتصموا بالله } أى : التجئوا إليه ، واستعينوا به فى كل أموركم فإنه - سبحانه - { هُوَ مَوْلاَكُمْ } أى : ناصركم ومتولى شئونكم ، ومالك أمركم ، وهو - تعالى - { نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } أى : هو - عز وجل - نعم المالك لأمركم ، ونعم النصير القوى لشأنكم .
وبعد : فهذه سورة الحج ، وهذا تفسير محرر لها .
قوله : ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) أي جاهدوا المشركين والمنافقين طلبا لمرضاة الله . وذلك لدفع أذاهم وكف شرورهم عن المسلمين . وقيل : المراد بالجهاد هنا عموم الامتثال لأوامر الله جميعها ، والانتهاء عن كل نواهيه ؛ يعني جاهدوا أنفسكم بتوطينها على فعل الطاعات ومجانبة المعاصي والخطيئات . قوله : ( هو اجتباكم ) الله اختاركم لأشرف رسالة . وهي رسالة الإسلام . وما تضمنه من كامل الشريعة المباركة التي يصلح عليها الناس في حياتهم ومعادهم . قوله : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) الحرج معناه الضيق{[3151]} . وهذه الآية شاهد عظيم على صلوح الشريعة الإسلامية للإنسان في كل مكان وزمان . لا جرم أن هذه الشريعة بنيت على التيسير والتسهيل والرحمة ؛ فهي بذلك مغايرة للتشديد والتضييق والإعنات . وهذه واحدة من كبريات المزايا التي تتجلى في شريعة هذا الدين العظيم . وهي مزايا أساسية وثابتة تكشف عن طبيعة هذا الدين المميز المرغوب . طبيعته الكريمة الميسورة التي تنسجم تماما مع فطرة البشر .
على أن هذه الآية العظيمة تدخل في كثير من أحكام الشريعة الإسلامية بما يحقق فيها اليسر والتوسعة ويزيل منها التشديد أو الحرج الذي لا يطاق . ومن الأمثلة على هذه الحقيقة ، الصلاة . وهي عماد الدين ؛ بل هي الركيزة الثانية الكبرى في هذا الدين كله بعد شهادة أن لا إله إلا الله ؛ فإنها قد شرع فيها التيسير والترخيص مما يجعلها سهلة تطاق ، فهي تجب في الحضر أربعا وفي السفر تقصر إلى ركعتين اثنتين ، فضلا عن جمع الصلاة بوجهيه في التقديم والتأخير . وتصلى رجالا وركبانا في حالات الأعذار ويسقط فيها وجوب القيام للمريض فيؤديها جالسا ، فإن لم يستطع ؛ فعلى الجنب ، فإن لم يستطع ؛ فمستلقيا . فإن لم يستطع فيومئ إيماء . وكذلك فريضة الصيام شرع فيها الترخيص في الإفطار عند الحاجة . إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة المنتشرة في كل مناحي الشريعة ؛ فقد شرع فيها التخفيف والتوسعة والرخص ؛ دفعا للمشقة والحرج وإذهابا للعنت عن الناس وجلبا للتسهيل عليهم .
ومن جملة ذلك : تشريع الكفارات ؛ فقد شرعها الله لمحو كثير من الزلات والمخالفات . وكذلك الاستغفار والتوبة ؛ فهما بابان عظيمان لتكفير الذنوب والصفح عن الخطايا والعيوب التي يتعثر بها الإنسان أو يقع فيها استجابة لضعفه . لكنه إذ يبادر الاستغفار والندامة تائبا ؛ فإن الله تواب رحيم . وذلك يبين يُسر هذا الدين وسهولة الأخذ به . وفي الحديث : " بعثت بالحنيفية السمحة " .
قوله : ( ملة أبيكم إبراهيم ) ( ملة ) ، منصوب بفعل مقدر . وتقديره : اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم{[3152]} .
قوله : ( هو سماكم المسلمين ) الذين سماهم المسلمين هو الله عز وجل ؛ فقد سماهم بذلك من قبل في الكتب المتقدمة ( وفي هذا ) يعني القرآن .
قوله : ( ليكون الرسول شهيدا عليكم ) أي يشهد عليكم يوم القيامة أنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم ( وتكونوا شهداء على الناس ) أي لتشهدوا على الناس يوم القيامة أنهم قد بلغوا من رسلهم دعوة ربهم . فلا جرم أن هذه نعمة عظمى قد امتن الله بها على هذه الأمة ؛ إذ جعلها خير الأمم لتشهد يوم القيامة على سائر الأمم بحقيقة التبليغ . وهي نعمة من الله جديرة أن تقابل ببالغ الشكران لله . وذلك بصدق التوجه إلى جنابه وحسن الإخبات له ، مطيعين عابدين خاشعين . وهو قوله : ( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله ) أي ثقوا به كامل الثقة في كل أموركم ، واعتضدوا به تمام الاعتضاد ، وتوكلوا عليه بالغ التوكل ، واطلبوا منه وحده العون والنصر والتأييد ( هو مولاكم ) أي ناصركم ومؤيدكم ومظهركم على عدوكم ( فنعم المولى ونعم النصير ) نعم الولي ونعم الناصر{[3153]} .