غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ} (8)

1

ثم ذكر أن الموصوف بالقدرة والعلم على الوجه المذكور لا شريك له وهو الذي يستحق العبادة دون غيره . واعلم أن مراتب التوحيد أربع : الإقرار باللسان ، ثم الاعتقاد بالقلب ، ثم تأكيد ذلك الاعتقاد بالحجة ، ثم الاستغراق في بحر المعرفة بحيث لا يدور في خاطره سوى الأحد الصمد . والأول بدون الثاني نفاق ، والثاني بدون الأول غير مفيد إلا إذا لم يجد مهلة كما إذا نظر وعرف فمات . ويروى أن ملك الموت مكتوب في جبهته " لا إله إلا الله " حتى إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان " والإقرار بدون الثالث إيمان المقلد وفيه خلاف مشهور والأصح أنه مقبول ، وأما المقام الرابع فهو مقام الصديقين والخاصة من عباد الله ، ومبتداه تفريق ونقص وترك ورفض على ما قرره المحققون ، وآخره الفناء في الله والبقاء به .

قال النحويون : لا إله إلا الله تقديره لا إله في الوجود إلا الله . وقال أهل العرفان : معناه لا إله في الإمكان إلا الله . روي أن موسى بن عمران قال : يا رب علمني شيئاً أذكرك به . فقال : قل لا إله إلا الله . فقال : كل عبادك يقول . فقال : قل لا إله إلا الله . قال إنما أردت شيئاً تخصني به . قال : يا موسى لو أن السموات السبع ومن فوقهم في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن " لا إله إلا الله " . والبحث عن أسماء الله تعالى قد سلف في تفسير البسملة ، وعن أسمائه الحسنى قد مر في " الأعراف " في قوله

{ ولله الأسماء الحسنى } [ الأعراف :180 ] واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام : كامل لا يحتمل الزيادة والنقصان وهو الله تقدس وتعالى ، وناقص لا يحتمل الكمال سوى الصورة الكمالية التي جبل عليها كصغيرة الإنسان من المخلوقات وناقص يتقلب بين الأمرين فتارةً يصعد إلى حيث يخبر عنه بأنه { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } [ القمر : 55 ] وتارةً يتسفل إلى أن يقال له { ثم رددناه أسفل سافلين } [ التين : 5 ] والكمال بالحقيقة لما ليس معرض الزوال فلا كمال في الصحة والجاه والمال وإنما الكمال في الانتساب إلى الكبير المتعال ، وهو تحقيق نسبة العبدية المنبئة عن عزة الربوبية ، وكل منتسب إلى بلد أو قبيلة فإنه يبالغ في مدحها حتى يلزم مدحه بالعرض فيجب على المكلف أن يذكر ربه بالأسماء الحسنى حتى يثبت بذلك شرفه ويحسن ذكره . إلهنا حسن الاسم دليل حسن المسمى ، وحسن المسمى يدل على أنه لا يفعل القبيح ولا يزال مواظباً على الإحسان كما قيل :

يا حسن الوجه توق الخنا *** لا تخلطن الزين بالشين

فيا حسن الأسماء والصفات لا تردّنا عن خوان إحسانك محرومين . ذكر أن صياداً اصطاد سمكةً وكانت له بنت فأخذتها وألقتها في البحر وقالت : إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها . إلهنا تلك المرأة رحمت سمكة بسبب غفلتها ونحن قد اصطادنا إبليس وأخرجنا من بحر رحمتك لغفلتنا فردّنا إلى مقرنا وأنت أرحم الراحمين . عن محمد بن كعب القرظي أن موسى عليه السلام قال : يا رب أيّ خلق أكرم عليك ؟ قال : الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكري . قال : أيّ خلقك أعلم ؟ قال : الذي يلتمس علماً إلى علمه . قال : وأيّ خلقك أعدل ؟ قال : الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس . قال : وأيّ خلقك أعظم جرماً ؟ قال : الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته له . إلهنا إنا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت فهو فضل ، وكل ما لا تفعله بنا من الإحسان فهو عدل ، فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا . وعن الحسن : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ : سيعلم الجمع من أهل الكرم ، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع ؟ فيقومون فيتخطون رقاب الناس . ثم يقال : أين الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله ؟ ثم ينادي أين الحمادون لله على كل حال ؟ ثم تكون التبعة والحساب على من بقي . إلهي فنحن حمدناك واثنينا عليك بمقدار قدرتنا وطاقتنا ، فاعف عنا بفضلك وحسن أسمائك .

وحين عظم شأن القرآن وبيّن حال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كلف من أعباء الرسالة قفاه بقصة موسى تثبيتاً وتقوية وتسلية .

/خ36