ثم لمَّا جَمَعَ الله تعالى الخلْقَ وذكر ما لقيَ الأشقياءُ ووصَفَهم بأسوأ حال ، ذكر حال السّعداء ، وما أعدَّ لهم من نعيمٍ مقيم في ذلك اليوم فقال :
{ وَأُدْخِلَ الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } .
وهكذا يقابل الله تعالى بين حال الأشقياء والسّعداء ، ويبيّن أن الذين آمنوا وصدّقوا وعملوا الأعمالَ الصالحة في جنّاته ناعمين مسرورين ، خالدين فيها على أحسن حالٍ بإذن الله تعالى ، تحّييهم الملائكةُ بالسلام ، وهو شعارُ الإسلام .
{ وَأُدْخِلَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خاالدين فِيهَا } بصيغة المضارع المسند إلى المتكلم . وأنت تعلم أنه إذا اعتبرت هذه القراءة مؤيدة لهذا القول فلتعتبر قراءة الجمهور { ادخل } بصيغة الماضي المبني للمفعول مؤيدة لما قبله فإن المدخلين الملائكة عليهم السلام فتأمل ، وكأن الله تعالى لما جمع الفريقين في قوله سبحانه : { وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } [ إبراهيم : 21 ] وذكر شيئاً من أحوال الكفار ذكر ما آل إليه أمر المؤمنين من إدخالهم الجنة { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } أي بأمره سبحانه أو بتوفيقه وهدايته جل شأنه ، والجار والمجرور متعلق بأدخل على قراءة الجمهور . وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهار مزيد اللطف بهم ، وعلقه جماعة على القراءة الأخرى بقوله تعالى : { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام } أي يحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم . وتعقب ذلك أبو حيان بأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل بحرف مصدري وفعل عليه وهو غير جائز لما أن ذلك في حكم تقديم جزء من الشيء المرتب الأجزاء عليه . ورد بأن الظاهر أنه هنا غير منحل إليهما لأنه ليس المعنى المقصود منه أن يحيوا فيها بسلام ، ولو سلم فمراد القائل بالتعلق التعلق المعنوي فالعالم فيه فعل مقدر يدل عليه { تَحِيَّتُهُمْ } أي يحيون بإذن ربهم .
وقال العلامة الثاني : الأظهر أن التقديم جائز إذا كان المعمول ظرفاً أو شبهه وهو في الكلام كثير ، والتقدير تكلف ، وليس كل مؤول بشيء حكمه حكم ما أول به ، مع أن الظرف مما يكفيه رائحة من الفعل لأن له شأناً ليس لغيره لتنزله من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيه وعدم انفكاكه عنه ، ولهذا اتسع في الظروف ما لم يتسع في غيرها اه ، وبالجواز أقول ، وإنما لم يجعله المحققون متعلقاً بأدخل على تلك القراءة مع أنه سالم من الاعتراض ومشتمل على الالتفات أو التجريد وهو من المحسنات لأن قولك : أدخلته بإذني ركيك لا يناسب بلاغة التنزيل ، والالتفات أو التجريد حاصل إذا علق بما بعده أيضاً .
وفي الانتصاف الصارف عن هذا الوجه هو أن ظاهر { ادخل } بلفظ المتكلم يشعر بأن إدخالهم الجنة لم يكن بواسطة بل من الله تعالى مباشرة وظاهر الإذن يشعر بإضافة الدخول إلى الواسطة فبينهما تنافر ، واستحسن أن يعلق بخالدين والخلود غير الدخول فلا تنافر ، وتعقبه في «الكشف » بأن ذلك لا يدفع الركاكة وكأنه لما أن الأذن للدخول لا للاستمرار بحسب الظاهر ، وكون المراد بمشيئتي وتيسيري لا يدفع ذلك عند التأمل الصادق ، فما ذهب إليه ابن جني واستطيبه الشيخ الطيبي وارتضاه ليس بشيء لمن سلم له ذوقه .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَأُدْخِلَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام } [ إبراهيم : 23 ] لم يذكر من يحييهم ، وقد ذكروا أن منهم من يحييهم ربهم وهم أهل الصفة والقربة ، ومنهم من يحييهم الملائكة وهم أهل الطاعات والدرجات ، وما أطيب سلام المحبوب على محبه وما ألذه على قلبه :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول عزّ ذكره: وأدخل الذين صدقوا الله ورسوله فأقرّوا بوحدانية الله وبرسالة رسله وأن ما جاءت به من عند الله حقّ، "وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ "يقول: وعملوا بطاعة الله فانتهوا إلى أمر الله ونهيه، "جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ" بساتين تجري من تحتها الأنهار، "خالدِينَ فِيها باذْنِ رَبّهِمْ" يقول: أدخلوها بأمر الله لهم بالدخول. "تَحِيّتُهُمْ فِيها سَلامٌ"... عن ابن جريج، قال: قوله: "تَحَيّتُهُمْ فِيها سَلامٌ" قال: الملائكة يسلمون عليهم في الجنة.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... {تحيتهم فيها سلام} يحتمل السلام الثناء، أي يُثنون على ربهم كقوله: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} الآية: [فاطر: 34].
قال بعضهم: يسلم بعضهم على بعض، ويحيي بعضهم بعضا بالسلام.
وقال بعضهم: السلام هو اسم كل خير ويمن وبركة كما قال: {لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما} [مريم: 62] والله أعلم...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... التحية: التلقي بالكرامة في المخاطبة، كقولك أحياك الله حياة طيبة، سلام عليك، وما أشبه ذلك، تبشيرا لهم بدوام السلامة...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُوا} والإيمان هو التصديق، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} تحقيق التصديق. ويدخل في جملة الأعمال الصالحة ما قلَّ أو كَثُرَ من وجوه الخيرات حتى القَذَر تميطه عن الطريق...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{من تحتها} أي من تحت ما علا منها، كالغرف والمباني والأشجار وغيره. و «الخلود» في هذه الآية على بابه في الدوام، و «الإذن» هنا عبارة عن القضاء والإمضاء...
اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح أحوال الأشقياء من الوجوه الكثيرة، شرح أحوال السعداء، وقد عرفت أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى: {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} وكونها دائمة أشير إليه بقوله: {خالدين فيها} والتعظيم حصل من وجهين:
أحدهما: أن تلك المنافع إنما حصلت بإذن الله تعالى وأمره.
والثاني: قوله: {تحيتهم فيها سلام} لأن بعضهم يحيي بعضا بهذه الكلمة، والملائكة يحيونهم بها كما قال: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم} والرب الرحيم يحييهم أيضا بهذه الكلمة كما قال: {سلام قولا من رب رحيم}...
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
قال:"بإذن ربهم" ولم يقل: بإذني تعظيما وتفخيما...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما ذكر الظالمين، أتبعه ذكر المؤمنين، فقال بانياً للمفعول لأن الدخول هو المقصود بالذات: {وأدخل} والإدخال: النقل إلى محيط -هذا أصله {الذين آمنوا} أي أوجدوا الإيمان {وعملوا الصالحات} أي تصديقاً لدعواهم الإيمان {جنات تجري} وبين أن الماء غير عام لجميع أرضها بإدخال الجار فقال: {من تحتها الأنهار} فهي لا تزال ريّاً، لا يسقط ورقها ولا ثمرها فداخلها لا يبغي بها بدلاً {خالدين فيها}. ولما كانت الإقامة لا تطيب إلا بإذن المالك قال: {بإذن ربهم} الذي أذن لهم- بتربيته وإحسانه -في الخروج من الظلمات إلى النور... {تحيتهم}... والتحية: التلقي بالكرامة في المخاطبة، فهي إظهار شرف المخاطب {فيها سلام} أي عافية وسلامة وبقاء...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
أي بأمره أو بتوفيقه وهدايته، وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهارُ مزيدِ اللطفِ بهم...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
أي: قاموا بالدين، قولا، وعملا، واعتقادا {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} فيها من اللذات والشهوات ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، {خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: لا بحولهم وقوتهم بل بحول الله وقوته...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
انتقال لوصف حال المؤمنين يومئذٍ بمناسبة ذكر حال المشركين لأن حال المؤمنين يومئذٍ من جملة الأحوال المقصودة بالوصف إظهاراً لتفاوت الأحوال، فلم يدخل المؤمنون يومئذٍ في المنازعة والمجادلة تنزيهاً لهم عن الخوض في تلك الغمرة، مع التنبيه على أنهم حينئذٍ في سلامة ودعة...
{بإذن ربهم} إشارة إلى العناية والاهتمام، فهو إذن أخص من أمر القضاء العام...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
بعد أن صور الله تعالى حال العصاة، وشيخهم إبليس ليعلم المؤمنون مآل العصيان فيجتنبوا أسبابه في الدنيا، بين سبحانه ما ينتظر المؤمنين تشجيعا لهم ليستمروا في طريقهم وهو طريق الحق، فقال سبحانه: {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار}...
{وأدخل الذين آمنوا} البناء للمجهول، ومن الذي أدخلهم... إن الله سبحانه هو الذي أدخلهم، ولكن لم يذكر لفظ الجلالة للإشارة إلى أن ذلك جزاء عملهم...
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
استهدفت [الآية] فيما استهدفته بث الطمأنينة في نفوس المؤمنين وإثارة الرغبة في غيرهم...