ما كان لي عليكم من سلطان : من تسلط .
ما أنا بمصرخكم : ما أنا بمغيثكم . استصرخني : استغاثني .
وجاء دورُ الشيطان ، كل عظَمته وحِيَله قد ذهب الآن ، وهو يقف موقف الذليل ويتنصل من أتباعه . إنه يعترف بصراحةٍ أنه كان كذّابا ، وعد أتباعه كذباً وزوراً ويسترسل قائلا :
ما كان لي عليكم قوةٌ أُجبِركم بها على اتّباعي ، لقد دعوتُكم إلى الضلال فأسرعتم إلى إجابتي ، فلا تلوموني بِوَسْوَستي ولوموا أنفسَكم لأنكم استجبتم لي .
أنا لا أستطيع اليوم أن أُغيثكم ، ولا أنتم تستطيعون إغاثتي من العذاب .
ثم يتبرّأ من كفرهم وإشراكهم ويكفرُ بهذا الإشراك فيقول :
فأنا لا أقبلُ أن أكونَ شريكاً لله فيما أشركتُموني فيه من قبلِ هذا اليوم ، إن الكافرين لهم عذابٌ شديد مؤلم .
قرأ حمزة : «وما أنتم بمصرخيِّ » بكسر الياء المشددة . والباقون بفتحها . «بمصرخيَّ » كما هو في المصحف .
{ وَقَالَ الشيطان } الذي أضل كلا الفريقين واستتبعهما عندما عتباه وقرعاه على نمط ما قاله الاتباع للرؤساء { لَمَّا قُضِىَ الامر } أي أحكم وفرغ منه وهو الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار خطيباً في محفل الأشقياء من الثقلين .
أخرج ابن جرير . وغيره عن الحسن قال : إذا كان يوم القيامة قام إبليس خطيباً على منبر من نار فقال : { إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق } إلى آخره ، وعن مقاتل أن الكفار يجتمعون عليه في النار باللائمة فيرقى منبراً من نار فيقول ذلك ، وفي بعض الآثار ما هو ظاهر في أن هذا في الموقف ، فقد أخرج الطبراني . وابن المبارك في الزهد . وابن جرير . وابن عساكر لكن بسند ضعيف من حديث عقبة بن عامر يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أن الكفار حين يروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين يأتون إبليس فيقولون له قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد فيقول ما قص الله تعالى »
ومعنى { وَعْدَ الحق } وعداً من حقه أن ينجز أو وعداً نجز وهو الوعد بالبعث والجزاء ، وقيل : أراد بالحق ما هو صفته تعالى أي أن الله تعالى وعدكم وعده الذي لا يخلف ، والظاهر أنه صفة الوعد ، وفي الآية على الأول إيجاز أي أن الله سبحانه وعدكم وعد الحق فوفاكم وأنجزكم ذلك { وَوَعَدتُّكُمْ } وعد الباطل وهو أن لا بعث ولا حساب ولئن كانا فالأصنام تشفع لكم { فَأَخْلَفْتُكُمْ } موعدي أي لم يتحقق ما أخبرتكم به وظهر كذبه ، وقد استعير الإخلاف لذلك ولو جعل مشاكلة لصح { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن * سلطان } أي تسلط أو حجة تدل على صدقي { إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة ، وهذا وإن لم يكن من جنس السلطان حقيقة لكنه أبرزه في مبرزه وجعله منه ادعاء فلذا كان الاستثناء متصلاً ، وهو من تأكيد الشيء بضده كقوله :
وخيل قد دلفت لها بخيل . . . تحية بينهم ضرب وجيع
وهو من التهكم لا من باب الاستعارة أو التشبيه أو غيرهما على ما حقق في موضعه ، فإن لم يعتبر فيه التهكم والادعاء يكون الاستثناء منقطعاً على حد قوله :
وبلدة ليس بها أنيس . . . إلا اليعافير وإلا العيس
وإلى الانقطاع ذهب أبو حيان وقال : إنه الظاهر ، وجوز الإمام القول بالاتصال من غير اعتبار الادعاء ؛ ووجه ذلك بأن القدرة على حمل الإنسان على الشيء تارة تكون بالقهر من الحامل وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه وذلك بإلقاء الوسواس إليه وهذا نوع من أنواع التسلط فكأنه قال : ما كان لي تسلط عليكم إلا بالوسوسة لا بالضرب ونحوه { فاستجبتم لِى } أي أسرعتم إجابتي كما يؤذن بذلك الفاء ، وقيل : يستفاد الإسراع من السين لأن الاستجابة وإن كانت بمعنى الإجابة لكن عد ذلك من التجريد وأنهم كأنهم طلبوا ذلك من أنفسهم فيقتضي السرعة وفيه بعد { فَلاَ تَلُومُونِى } بوعدي إياكم حيث لم يكن على طريق القسر والإلجاء كما يدل عليه الفاء ، وقيل : بوسوستي فإن من صرح بالعداوة وقال :
{ لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم } [ الأعراف : 16 ] لا يلام بأمثال ذلك . وقرىء { فَلا } بالياء على الالتفات { تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } حيث استجبتم لي باختباركم الناشيء عن سوء استعدادكم حين دعوتكم بلا حجة ولا دليل بل بمجرد تزيين وتسويل ولم تستجيبوا لربكم إذ دعاكم دعوة الحق المقرونة بالبينات والحجج ، وليس مراد اللعين التنصل عن توجه اللائمة إليه بالمرة بل بيان أنهم أحق بها منه . وفي «الكشاف » أن في هذه الآية دليلاً على أن الإنسان هو الذي يختاره الشقاوة والسعادة ويحصلهما لنفسه وليس من الله تعالى إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين ، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال : فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن الله تعالى قد قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه ، وليس قوله المحكي باطلاً لا يصح التعلق به وإلا لبين الله سبحانه بطلانه وأظهر إنكاره ، على أنه لا طائل في النطق بالباطل في ذلك المقام ، ألا ترى كيف أتى بالصدق الذي لا ريب فيه في قوله : { إِنَّ الله وَعَدَكُمْ } إلى آخره . وقوله : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ } إلى آخره اه .
واعترض قوله : وإلا لبين سبحانه بطلانه بأنه ينقلب عليه في قول المستكبرين { لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ } [ إبراهيم : 21 ] إذ لم يعقب بالبطلان على وجه التوريك الذي ادعاه ، وكذلك قوله : على أنه لا طائل إلى آخره .
والجواب أن الأول غير متعين لذلك الوجه كما سمعت ، ومع ذلك قد عقب بالبطلان في مواضع عديدة ، ويكفي حكاية الكذب عنهم في ذلك الموطن ، وذلك في الموطن على توهم أنه نافع كما حكى الله تعالى عنهم ، أما بعد قضاء الأمر ودخول أهل الجنة الجنة والنار النار فلا يتوهم لذلك طائل البتة ؛ لا سيما والشيطان لا غرض له في ذلك فافترقا قائلاً وموطناً وحكماً ، بل الجواب أن أهل الحق لا ينكرون توجه اللائمة عليهم وأن الله تعالى مقدس عن ذلك وحجته البالغة وقضاؤه سبحانه الحق ، حيث أثبتوا للعبد القدرة الكاسبة التي يدور عليها فلك التكليف وجعلوا لها مدخلاً في ذلك فإنه سبحانه إنما يخلق أفعاله حسبما يختاره ، وسلبهم التأثير الذاتي عن قدرته لا ينفي اللوم عنهم كما بين في محله ، وما ذكره من أنه لو كان الأمر إلى آخره مبني على عدم الفرق بين مذهب أهل الحق الملقبين عنده بالمجبرة وبين مسلك المجبرة في الحقيقة والفرق مثل الصبح ظاهر ، هذا واستدل بظاهر الآية على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان أو تعويج أعضائه وجوارحه أو على إزالة عقله لأنه نفى أن يكون له تسلط إلا بالوسوسة .
وأجاب من زعم القدرة على نحو ذلك بأن المقصود في الآية نفى أن يكون له تسلط في أمر الإضلال إلا بمحض الوسوسة لا نفي أن يكون له تسلط أصلاً والسياق أدل قرينة على ذلك . وانتزع بعضهم من الآية إبطال التقليد في الاعتقاد ، قال ابن الفرس : وهو انتزاع حسن لأنهم اتبعوا الشيطان بمجرد دعواه ولم يطلبوا منه برهاناً فحكى ذلك متضمناً لذمهم ، ثم الظاهر أن هذه الدعوة من الشيطان أعني إبليس بلا واسطة ، وهي إن كانت في وقت واحد لمتعددين مما يعسر تصوره ، ولا يبعد أن يقال : إن له أعواناً يفعلون كما يفعل لكن لما كان ذلك بأمره تصدى وحده لما تصدى ونسبت الدعوة إليه ، وللإمام الرازي في الآية كلام طويل ساقه لبيان كيفية الدعوة وإلقاء الشيطان الوسوسة في قلب الإنسان ، وأكثره عند المحدثين والسلف الصالحين أشبه شيء بوساوس الشياطين ، ولعل النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى تحقيق ذلك بعون الله تعالى القادر المالك { مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ } أي بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب ، يقال : استصرخني فأصرخته أي استغاثني فأغثته ، وأصله من الصراخ وهو مد الصوت ، والهمزة للسلب كأن المغيث يزيل صراخ المستغيث .
{ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } مما أنا فيه ، وفي تعرضه لذلك مع أنه لم يكن في حيز الاحتمال مبالغة في بيان عدم إصراخه إياهم وإيذان بأنه أيضاً مبتلى بمثل ما ابتلوا به ومحتاج إلى الإصراخ فكيف له بإصراخ الغير ولذلك آثر الجملة الاسمية ، والمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار ، وكذا يقال في التأكيد فكان ما مضى جواباً منه عن توبيخهم وتقريعهم وهذا جواب استغاثتهم واستعانتهم به في دفع ما دهمهم من العذاب . وقرأ يحيى بن وثاب . والأعمش . وحمزة { بِمُصْرِخِىَّ } بكسر الياء على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين ، وذلك أن الأصل بمصرخين لي فأضيف وحذفت نون الجمع للإضافة فالتقت ياء الجمع الساكنة وياء المتكلم والأصل فيها السكوت فكسرت لالتقاء الساكنين وأدغمت . وطعن في هذه القراءة كثير من النحاة ، قال الفراء : لعلها من زعم القراء فإنه قل من سلم منهم من الوهم . وقال أبو عبيد . نراهم غلطوا ، وقال الأخفش : ما سمعت هذا الكسر من أحد من العرب ولا من أحد من النحويين ، وقال الزجاج : إنها عند الجميع رديئة مرذولة ولا وجه لها إلا وجيه ضعيف . وقال الزمخشري : هي ضعيفة ، واستشهدوا لها ببيت مجهول :
قال لها هل لك يا تافي . . . قالت له ما أنت بالمرضي( {[487]} )
وكأنهم قدروا ياء الإضافة ساكنة فحركوها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين ، ولكنه غير صحيح لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف نحو عصاي فما بالها وقبلها ياء والقول بأنه جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن فحركت بالكسر على الأصل ذهاب إلى القياس وهو قياس حسن ، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات اه .
وقد قل هؤلاء الطاغين جماعة ، وقد وهموا طعناً وتقليداً فإن القراءة متواترة عن السلف والخلف فلا يجوز أن يقال فيها : إنها خطأ أو قبيحة أو رديئة ، وقد نقل جماعة من العلماء أنها لغة لكنه قل استعمالها .
ونص قطرب على أنها لغة في بني يربوع فإنهم يكسرون ياء المتكلم إذا كان قبلها ياء أخرى ويصلونها بها كعليه ولديه ، وقد يكتفون بالكسرة وذلك لغة أهل الموصل وكثير من الناس اليوم ، وقد حسنها أبو عمرو وهو إمام لغة وإمام نحو وإمام قراءة وعربيّ صحيح ، ورووا بيت النابغة :
عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة . . . لوالده ليست بذات عقارب
بكسر ياء على فيه ، وأنشدوا لذلك أيضاً البيت السابق وهو للأغلب العجلي ، وجهل الزمخشري به كالزجاج لا يلتفت إليه ، وقوله : إن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة إلى آخره مردود بأنه روى سكون الياء بعد الألف ، وقرأ به القراء في { محياي } [ الأنعام : 162 ] وما ذكره أيضاً قياس مع الفارق فإنه لا يلزم من كسرها مع الياء المجانسة للكسرة كسرها مع الألف الغير المجانسة لها ولذا فتحت بعدها للمجانسة وكون الأصل في هذه الياء الفتح في كل موضع غير مسلم كيف وهي من المبنيات والأصل في المبنى أن يبني على السكون . ومن الناس من وجه القراءة بأنها على لغة من يزيد ياء على ياء الإضافة إجراءً لها مجرى هاء الضمير وكافة ، فإن الهاء قد توصل بالواو إذا كانت مضمومة كهذا لهو وضربهو ، وبالياء إذا كانت مكسورة نحو بهى ، والكاف قد تلحقها الزيادة فيقال أعطيتكاه وأعطيتكيه إلا أنه حذفت الياء هنا اكتفاءً بالكسرة ، وقال البصير : كسر الياء ليكون طبقاً لكسر الهمزة في قوله : { بِمُصْرِخِىَّ إِنّى كَفَرْتُ } لأنه أراد الوصل دون الوقف والابتداء بذلك والكسر أدل على الوصل من الفتح وفيه نظر ، وبالجملة لا ريب في صحة تلك القراءة وهي لغة فصيحة ، وقد روي أنه تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث بدء الوحي وشرح حاله عليه الصلاة والسلام لورقة بن نوفل رضي الله تعالى عنه فإنكارها محض جهالة ، وأراد بقوله : { إِنّى كَفَرْتُ } إني كفرت اليوم { بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } أي من قبل هذا اليوم يعني في الدنيا .
و { مَا } مصدرية و { مِنْ } متعلقة بأشركتموني أي كفرت بإرشراككم إياي لله تعالى في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر كما يطاع الله تعالى أعمال الخير ، فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به وتنزيلها منزلته أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم أشركوه ، والكفر مجاز عن التبري كما في قوله تعالى : { وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } [ فاطر : 14 ] ومراد اللعين أنه إن كان إشراككم لي بالله تعالى هو الذي أطمعكم في نصرتي لكم وخيل إليكم أن لكم حقاً علي فإني تبرأت من ذلك ولم أحمده فلم يبق بيني وبينكم علاقة ، وإرادة اليوم حسبما ذكرنا هو الظاهر فيكون الكلام محمولاً على إنشاء التبري منهم يوم القيامة . وجوز النسفي أن يكون إخباراً عن أنه تبرأ منهم في الدنيا فيكون { مِن قَبْلُ } متعلقاً بكفرت أو متنازعاً فيه .
وجوز غير واحد أن تكون { مَا } موصولة بمعنى من كما قيل في قولهم : سبحانه ما سخر كن لنا ، والعائد محذوف و { مِن قَبْلُ } متعلق بكفرت أي إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم عليه السلام بالذي أشركتمونيه أي جعلتموني شريكاً له بالطاعة وهو الله عز وجل ، فأشرك منقول من شركت زيداً للتعدية إلى مفعول ثان ، والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره وبيان لأن خطيئته سابقة عليهم فلا إغاثة لهم منه فهو في المعنى تعليل لعدم إصراخه إياهم . وزعم الإمام أنه لنفي تأثير الوسوسة كأنه يقول : لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة ، وكان الظاهر على هذا تقديمه على قوله : { مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ } إلى آخره ولا يظهر لتأخيره نكتة يهش لها الخاطر . ومنهم من جعله تعليلاً لعدم إصراخهم إياه وهو مما لا وجه له إذ لا احتمال لذلك حتى يحتاج إلى التعليل ، وقيل : لأن تعليل عدم إصراخهم بكفره يوهم أنهم بسبيل من ذلك لولا المانع من جهته .
واعترض بأن نحو هذا الإيهام جار في الوجه الأول وهم الكفرة الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين . وتعقب في «البحر » القول بالموصولية بأن فيه إطلاق { مَا } على الله تعالى والأصح فيها أنها لا تطلق على آحاد من يعلم ، و { مَا } في سبحان ما سخركن يجوز أن تكون مصدرية بتقدير مضاف أي سبحان موجد أو ميسر تسخير كن لنا .
وقال الطيبي : إن { مَا } لا تستعمل في ذي العلم إلا باعتبار الوصفية فيه وتعظيم شأنه والمثال على ذلك أي سبحان العظيم الشأن الذي سخركن للرجال مع مكركن وكيدكن ، وكون { مَا } موصولة عبارة عن الصنم أي إني كفرت بالصنم الذي إشركتمونيه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه { إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } الظاهر أنه من تمام كلام إبليس قطعاً لأطماع الكفار من الإغاثة والإعانة ، وحكى الله تعالى عنه ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون تنبيهاً للسامعين وحثاً لهم على النظر في عاقبتهم والاستعداد لما لا بد منه وأن يتصوروا ذلك المقام الذي يقول فيه الشيطان ما يقول فيخافوا ويعملوا ما ينفعهم هناك ، وقيل : إنه من كلام الخزنة يوم ذاك ، وقيل : إنه ابتداء كلام من جهته تعالى ، وأيد بأنه قرأ الحسن . وعمرو بن عبيد { ادخل } في قوله تعالى : { وَأُدْخِلَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خاالدين فِيهَا }
( ومن باب الإشارة ) : وفسروا الشيطان بالوهم ؛ وقد يفسرونه في بعض المواضع بالنفس الأمارة . والقول المقصوص عنه في الآية عند ظهور سلطان الحق ، وبعضهم حمل الشيطان هنا على الشيطان المعروف عند أهل الشرع وذكر أن قوله : { فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } [ إبراهيم : 22 ] دليل بقائه على الشرك حيث رأى الغير في البين وما ثم غير الله تعالى ، وإلى هذا يشير كلام الواسطي حيث قال : من لام نفسه فقد أشرك ، ويخالفه قول محمد بن حامد : النفس محل كل لائمة فمن لم يلم نفسه على الدوام ورضي عنها في حال من الأحوال فقد أهلكها ، ويأباه ما صح في الحديث القدسي يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه فتأمل
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وقال الشيطان}، يعني إبليس، {لما قضي الأمر}، يعني حين قضي العذاب... فقال: يا أهل النار: {إن الله وعدكم} على ألسنة الرسل، {وعد الحق}، يعني وعد الصدق أن هذا اليوم كائن، {ووعدتكم} أنه ليس بكائن، {فأخلفتكم} الوعد، {وما كان لي عليكم من سلطان}، يعني من ملك في الشرك، فأكرهكم على متابعتي، يعني على ديني إلا في الدعاء. فذلك قوله عز وجل: {إلا أن دعوتكم}، يعني إلا أن زينت لكم، {فاستجبتم لي} بالطاعة وتركتم طاعة ربكم، {فلا تلوموني} باتباعكم إياي، {ولوموا أنفسكم} بترككم أمر ربكم، {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي}، يقول: ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثي، {إني كفرت}، يقول: تبرأت اليوم {بما أشركتمون} مع الله في الطاعة، {من قبل} في الدنيا، {إن الظالمين}، يعني إن المشركين، {لهم عذاب أليم}، يعني وجيع...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وقال إبليس لما قُضِي الأمر، يعني لما أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار واستقرّ بكلّ فريق منهم قَرارهم: إن الله وعدكم أيها الأتباع النار، ووعدتكم النّصْرة فأخلفتكم وعدي، ووفى الله لكم بوعده.
"وَما كانَ لي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ" يقول: وما كان لي عليكم فيما وعدتكم من النصرة من حجة تثبت لي عليكم بصدق قولي "إلاّ أنْ دَعَوْتُكُمْ" وهذا الاستثناء المنقطع عن الأوّل كما تقول: ما ضربته إلا أنه أحمق، ومعناه: ولكن دعوتكم فاسْتَجَبْتُمْ لي يقول: إلا أن دعوتكم إلى طاعتي ومعصية الله، فاستجبتم لدعائي. "فَلا تَلُومُونِي" على إجابتكم إياي "وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ" عليها.
"ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ" يقول: ما أنا بمغيثكم "وَما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيّ" ولا أنتم بمغيثيّ من عذاب الله فمنجّي منه.
"إنّي كَفَرْتُ بِمَا أشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ" يقول: إني جحدت أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني فيه من عبادتكم من قبلُ في الدنيا.
"إنّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ" يقول: إنّ الكافرين بالله لهم عذاب أليم من الله مُوجع...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{لما قضي الأمر} أي لما فرغ من الحساب ومن أمرهم...
أو أن يكون لأهل الكفر لجاجات ومنازعات في ما بينهم يوم القيامة كقوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربِّنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] وكقوله: {فيحلفون له كما يحلفون لكم} الآية [المجادلة: 18] يكذبون في الآخرة، ويكون لهم لجاجة على ما كان منهم في الدنيا، ويحتجون، ويقولون: إن إبليس هو كان غلبنا، وقهرنا، لأنه كان يرانا، ونحن لم نكن نراه؛ فالمغلوب المقهور غير مأخوذ بما كان منه في حكمك. تحتجُّون بمثل هذه الخرافات واللجاجات، ويقولون: هو الذي أضلنا، فيقوم عند ذلك إبليس خطيبا بينهم، فيقول: {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان} حتى أقهركم، وأغلبكم، إلا الدعاء {فاستجبتم لي} طائعين غير مقهورين...
{فلا تلوموني ولوموا أنفسكم}... مراده أن ارجعوا إلى لائمة أنفسكم، واشتغلوا بها، فإن ذلك كان منكم، لم يكن مني إلا الدعاء...
{ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيَّ} قيل: ما أنا بناصركم، وما أنتم بناصري...
وقيل: ما أنا بمانعكم، وما أنتم بمانعي...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
قال الجبائي: وفي الآية دلالة على أن الشيطان لا يقدر على الإضرار بالإنسان أكثر من إغوائه ودعائه إلى المعاصي، فأما بغير ذلك فلا يقدر عليه، لأنه أخبر بذلك، ويجب أن يكون صادقا، لأن الآخرة لا يقع فيها من أحد قبيح لكونهم ملجئين إلى تركه...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مّن سلطان} من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، وليس الدعاء من جنس السلطان...
{فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، وهذا دليل على أنّ الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه، وليس من الله إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين... ومعنى كفره بإشراكهم إياه: تبرؤه منه واستنكاره له...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
و {الوعد} في هذه الآية على بابه في الخير، أي إن الله وعدهم النعيم إن آمنوا، ووعدهم إبليس الظفر والأمر إن كذبوا، ومعلوم اقتران وعد الله بوعيده، واتفق أن لم يتبعوا طلب وعد الله فوقعوا في وعيده، وجاء من ذلك كأن إبليس أخلفهم... ومعنى قوله: {فاستجبتم لي} أي رأيتم ما دعوتكم إليه ببصيرتكم واعتقدتموه الرأي وأتى نظركم عليه...
{فلا تلوموني} يريد بزعمه إذ لا ذنب لي {ولوموا أنفسكم} في سوء نظركم وقلة تثبتكم فإنكم إنما أتيتم اتباعي عن بصيرة منكم وتكسب...
{بما أشركتمون} أي مع الله تعالى في الطاعة لي التي ينبغي أن يفرد الله بها...
اعلم أنه تعالى لما ذكر المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة الإنس، أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه من الإنس فقال تعالى: {وقال الشيطان لما قضي الأمر}...
الأول: أن التقدير إن الله وعدكم وعد الحق فصدقكم ووعدتكم فأخلفتكم وحذف ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد، لأنهم كانوا يشاهدونها وليس وراء العيان بيان ولأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف فدل ذلك على الصدق في وعد الله تعالى.
الثاني: أن في قوله: {ووعدتكم فأخلفتكم} الوعد يقتضي مفعولا ثانيا وحذف ههنا للعلم به، والتقدير: ووعدتكم أن لا جنة ولا نار ولا حشر ولا حساب...
{إن الظالمين لهم عذاب أليم} فالأظهر أنه كلام الله عز وجل وأن كلام إبليس تم قبل هذا الكلام...
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
... {إن الظالمين لهم عذاب أليم} تتمة كلامه أو ابتداء كلام من الله تعالى وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
يخبر تعالى عما خطب به إبليس [لعنه الله] أتباعه، بعدما قضى الله بين عباده، فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس -لعنه الله- حينئذ خطيبا ليزيدهم حزنا إلى حزنهم وغَبنا إلى غبْنهم، وحسرة إلى حسرتهم، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} أي: على ألسنة رسله، ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقا، وخبرا صدقا، وأما أنا فوعدتكم وأخلفتكم، كما قال الله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا} [النساء: 120]. ثم قال: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} أي: ما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه من دليل ولا حجة على صدق ما وعدتكم به، {إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه، {فَلا تَلُومُونِي} اليوم، {وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} فإن الذنب لكم، لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل، {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} أي: بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه، {وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} أي: بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال، {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ}...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان الشيطان أعظم المستكبرين، خص بالإفراد بالجواب فقيل: {وقال} أول المتبوعين في الضلال {الشيطان} الذي هو رأس المضلين المستكبرين المقضي ببعده واحتراقه {لما قضي الأمر} بتعين قوم للجنة وقوم للنار، جواباً لقول الأتباع مذعناً حيث لا ينفع الإذعان، ومؤمناً حيث فات نفع الإيمان: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {وعدكم وعد الحق} بأن أرسل إليكم رسلاً وأنزل معهم براهين وكتباً أخبركم فيها بأنه ربكم الواحد القهار، ودعاكم إليه بعد أن أخابتكم الشياطين، وبشر من أجاب، وحذر من أبى، بما هو قادر عليه أتم القدرة، فكل ما قاله طابقه الواقع -كما ترون- فصدقكم فيه ووفى لكم {ووعدتكم} أنا بما زينت لكم به المعاصي من الوساوس وعد الباطل {فأخلفتكم} فلم أقل شيئاً إلا كان زيغاً، فاتبعتموني مع كوني عدوكم، وتركتم ربكم وهو ربكم ووليكم... ولما بين غروره، بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال: {وما كان} لي إليكم في ذلك من ذنب لأنه ما كان {لي عليكم} وأبلغ في النفي فقال: {من سلطان} أي تسلط كبير أو صغير بشيء من الأشياء {إلا أن} أي بأن {دعوتكم} بالوسوسة التي كانت سبباً لتقوية دواعيكم إلى الشر {فاستجبتم} أي أوجدتم الإجابة إيجاد من هو طالب لها، راغب فيها {لي} محكمين الشهوات، معرضين عن مناهيج العقول ودعاء النصحاء، ولو حكمتم عقولكم لتبعتم الهداة لما في سبيلهم من النور الداعي إليها وما في سبل غيرهم من الظلام السادّ لها، والمهالك الزاجرة عنها دنيا وأخرى... {فلا} أي فاذ قد تقرر هذا تسبب عنه أني أقول لكم: لا {تلوموني ولوموا أنفسكم} لأنكم مؤاخذون بكسبكم، لأنه كانت لكم قدرة واختيار فاخترتم الشر على الخير، وعلم منه قطعاً أن كلاًّ منا مشغول عن صاحبه بما جزي به، فعلم أني {ما أنا بمصرخكم}...
السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني 977 هـ :
... وإنما حكى الله تعالى ما سيقوله في ذلك الوقت؛ ليكون لطفاً للسامعين في النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لا بدّ لهم من الوصول إليه، وأن يتصوروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول فيه الشيطان ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجيهم...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق} أي وعداً من حقه أن يُنجَز فأنجزه، أو وعداً أنجزه وهو الوعدُ بالبعث والجزاء {وَوَعَدتُّكُمْ} أي وعْدَ الباطلِ وهو أن لا بعثَ ولا جزاء، ولئن كان فالأصنامُ شفعاؤُكم ولم يصرِّح ببطلانه لما دل عليه قولُه: {فَأَخْلَفْتُكُمْ} أي موعدي على حذف المفعولِ الثاني أي نقضتُه، جَعل خُلفَ وعده كالإخلاف منه كأنه كان قادراً على إنجازه وأنى له ذلك... {وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ}... ليس مرادُه التنصّلَ عن توجه اللائمةِ إليه بالمرة بل بيانُ أنهم أحقُّ بها منه... {وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِي} مما أنا فيه، وإنما تعرّض لذلك مع أنه لم يكن في حيز الاحتمالِ مبالغةً في بيان عدم إصراخِه إياهم وإيذاناً بأنه أيضاً مبتلىً بما ابتُلوا به ومحتاجٌ إلى الإصراخ فكيف من إصراخِ الغير، ولذلك آثرَ الجملةَ الاسميةَ فكأن ما مضى كان جواباً منه عن توبيخهم وتقريعِهم، وهذا جوابٌ عن استغاثتهم واستعانِتهم به في استدفاع ما دهِمهم من العذاب وقرئ بكسر الياء...
{إني كَفَرْتُ} اليوم {بِمَا أشْرَكتمون مِن قَبْلُ}... يعني أن إشراكَكم لي بالله سبحانه هو الذي يَطمِعكم في نُصرتي لكم بأن كان لكم عليّ حقٌّ حيث جعلتموني معبوداً وكنت أوَد ذلك وأرغب فيه، فاليوم كفرتُ بذلك ولم أحمَدُه ولم أقبله منكم بل تبرأتُ منه ومنكم فلم يبقَ بيني وبينكم علاقةٌ...
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
{فَلاَ تَلُومُونِي} بما وقعتم فيه بسبب وعدي لكم بالباطل وإخلافي لهذا الموعد {وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ} باستجابتكم لي بمجرّد الدعوة التي لا سلطان عليها ولا حجة، فإن من قبل المواعيد الباطلة والدعاوي الزائغة عن طريق الحق فعلى نفسه جنى، ولمارنه قطع، ولا سيما ودعوتي هذه الباطلة، وموعدي الفاسد وقعا معارضين لوعد الله لكم وعد الحق، ودعوته لكم إلى الدار السلام، مع قيام الحجة التي لا تخفى على عاقل، ولا تلتبس إلاّ على مخذول، وقريب من هذا من يقتدي بآراء الرجال المخالفة لما في كتاب الله سبحانه، ولما في سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ويؤثرها على ما فيهما، فإنه قد استجاب للباطل الذي لم تقم عليه حجة، ولا دلّ عليه برهان، وترك الحجة والبرهان خلف ظهره، كما يفعله كثير من المقتدين بالرجال المتنكبين طريق الحق بسوء اختيارهم... ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم مقاماً يقصم ظهورهم ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم أولاً أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله سبحانه وأنه أخلفهم ما وعدهم من تلك المواعيد ولم يف لهم بشيء منها، ثم أوضح لهم ثانياً بأنهم قبلوا قوله بما لا يوجب القبول، ولا ينفق على عقل عاقل لعدم الحجة التي لا بدّ للعاقل منها في قبول قول غيره، ثم أوضح ثالثاً بأنه لم يكن منه إلاّ مجرّد الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء، ثم نعى عليهم رابعاً ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم؛ لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت، الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل، ثم أوضح لهم خامساً بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة، ولا يستطيع لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرّاً، بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز عن الخلوص عن هذه المحنة، ثم صرح لهم سادساً بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له، فتضاعفت عليهم الحسرات وتوالت عليهم المصائب، وإذا كان جملة {إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} من تتمة كلامه كما ذهب إليه البعض فهو نوع سابع من كلامه الذي خاطبهم به، فأثبت لهم الظلم، ثم ذكر ما هو جزاؤهم عليه من العذاب الأليم...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
من لطف الله بعباده، أن حذرهم من طاعة الشيطان وأخبر بمداخله التي يدخل منها على الإنسان ومقاصده فيه، وأنه يقصد أن يدخله النيران، وهنا بين لنا أنه إذا دخل النار وحزبه أنه يتبرأ منهم هذه البراءة، ويكفر بشركهم {ولا ينبئك مثل خبير} واعلم أن الله ذكر في هذه الآية أنه ليس له سلطان، وقال في آية أخرى {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} فالسلطان الذي نفاه عنه هو سلطان الحجة والدليل، فليس له حجة أصلا على ما يدعو إليه، وإنما نهاية ذلك أن يقيم لهم من الشبه والتزيينات ما به يتجرؤون على المعاصي. وأما السلطان الذي أثبته فهو التسلط بالإغراء على المعاصي لأوليائه يُؤزّهم إلى المعاصي أزّا، وهم الذين سلطوه على أنفسهم بموالاته والالتحاق بحزبه، ولهذا ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
لقد قضي الأمر، وانتهى الجدل، وسكت الحوار.. وهنا نرى على المسرح عجبا ونرى الشيطان.. هاتف الغواية، وحادي الغواة.. نراه الساعة يلبس مسوح الكهان، أو مسوح الشيطان! ويتشيطن على الضعفاء والمستكبرين سواء، بكلام ربما كان أقسى عليهم من العذاب: (وقال الشيطان -لما قضي الأمر- إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم. وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي. فلا تلوموني ولوموا أنفسكم. ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي. إني كفرت بما أشركتمون من قبل. إن الظالمين لهم عذاب أليم.) الله! الله! أما إن الشيطان حقا لشيطان! وإن شخصيته لتبدو هنا على أتمها كما بدت شخصية الضعفاء وشخصية المستكبرين في هذا الحوار.. إنه الشيطان الذي وسوس في الصدور، وأغرى بالعصيان، وزين الكفر، وصدهم عن استماع الدعوة.. هو هو الذي يقول لهم وهو يطعنهم طعنة أليمة نافذة، حيث لا يملكون أن يردوها عليه -وقد قضي الأمر- هو الذي يقول الآن، وبعد فوات الأوان: (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم)! ثم يخزهم وخزة أخرى بتعييرهم بالاستجابة له، وليس له عليهم من سلطان، سوى أنهم تخلوا عن شخصياتهم، ونسوا ما بينهم وبين الشيطان من عداء قديم، فاستجابوا لدعوته الباطلة وتركوا دعوة الحق من الله: (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي)! ثم يؤنبهم، ويدعوهم لتأنيب أنفسهم. يؤنبهم على أن أطاعوه!: (فلا تلوموني ولوموا أنفسكم)! ثم يخلي بهم، وينفض يده منهم، وهو الذي وعدهم من قبل ومناهم، ووسوس لهم أن لا غالب لهم؛ فأما الساعة فما هو بملبيهم إذا صرخوا، كما أنهم لن ينجدوه إذا صرخ: (ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي).. وما بيننا من صلة ولا ولاء! ثم يبرأ من إشراكهم به ويكفر بهذا الإشراك: (إني كفرت بما أشركتمون من قبل)! ثم ينهي خطبته الشيطانية بالقاصمة يصبها على أوليائه: (إن الظالمين لهم عذاب أليم)! فيا للشيطان! ويا لهم من وليهم الذي هتف بهم إلى الغواية فأطاعوه، ودعاهم الرسل إلى الله فكذبوهم وجحدوه!...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
أفضت مجادلة الضعفاء وسادتهم في تغريرهم بالضلالة إلى نطق مصدر الضلالة وهو الشيطان؛ إما لأنهم بعد أن اعتذر إليهم كبراؤهم بالحرمان من الهدى علموا أن سبب إضلالهم هو الشيطان لأن نفي الاهتداء يرادفه الضلال، وإما لأن المستكبرين انتقلوا من الاعتذار للضعفاء إلى ملامة الشيطان الموسوس لهم ما أوجب ضلالهم، وكل ذلك بعلم يقع في نفوسهم كالوجدان. على أن قوله: {فلا تلوموني} يظهر منه أنه توجه إليه ملام صريح، ويحتمل أنه توقّعه فدفعه قبل وقوعه وأنه يتوجه إليه بطريقة التعريض، فجملة {وقال الشيطان} عطف على جملة {فقال الضعفاء. والمقصود من وصف هذا الموقف إثارة بغض الشيطان في نفوس أهل الكفر ليأخذوا حذرهم بدفاع وسواسه لأن هذا الخطاب الذي يخاطبهم به الشيطان مليء بإضماره الشر لا لهم فيما وعدهم في الدنيا مما شأنه أن يستفز غضبهم من كيده لهم وسخريته بهم، فيورثهم ذلك كراهية له وسوء ظنهم بما يتوقعون إتيانه إليهم من قِبَله. وذلك أصل عظيم في الموعظة والتربية...
ومعنى قضى {الأمر} تُمّم الشأن، أي إذن الله وحكمه. ومعنى إتمامه: ظهوره، وهو أمره تعالى بتمييز أهل الضلالة وأهل الهداية... وذلك بتوجيه كل فريق إلى مقره الذي استحقه بعمله، فيتصدى الشيطان للتخفيف عن الملام عن نفسه بتشريك الذين أضلهم معه في تبعة ضلالهم، وقد أنطقه الله بذلك لإعلان الحق، وشهادة عليهم بأن لهم كسباً في اختيار الانصياع إلى دعوة الضلال دون دعوة الحق... وأخبر الله بها الناس استقصاء في الإبلاغ ليحيط الناس علماً بكل ما سيحل بهم، وإيقاظاً لهم ليتأملوا الحقائق الخفية فتصبح بينة واضحة. فقول الشيطان {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} إبطال لإفراده باللوم أو لابتداء توجيه الملام إليه في حين أنهم أجدر باللوم أو بابتداء توجيهه. وأما وقع كلام الشيطان من نفوس الذين خاطبهم فهو موقع الحسرة من نفوسهم زيادة في عذاب النفس...
وشمل وعد الحق جميع ما وعدهم الله بالقرآن على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. وشمل الخُلْف جميعَ ما كان يعدهم الشيطان على لسان أوليائه وما يعدهم إلا غرورا...
وجملة {إنى كفرت بما أشركتمون من قبل} استئنافُ تَنَصُّل آخر من تبعات عبادتهم إياه قصد منه دفع زيادة العذاب عنه بإظهار الخضوع لله تعالى. وأراد بقوله: {كفرتُ} شدة التبري من إشراكهم إياه في العبادة فإن أراد من مضي {كفرت} مضي الأزمنة كلها، أي كنت غير راضٍ بإشراككم إياي فهو كذب منه أظهر به التذلل؛ وإن كان مراده من المضي إنشاء عدم الرضى بإشراكهم إياه فهو ندامة بمنزلة التوبة حيث لا يقبل متاب...
وعد الله حق، لأنه وعد ممن يملك، أما وعد الشيطان فقد اختلف، لأنه وعد بما لا يملك، لذلك هو وعد كاذب، لأن الحق سبحانه هو الأمر الثابت الذي لا يتغير...
{وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتُم لي 22} (إبراهيم). والسلطان –كما نعلم- إما سلطان قهر أو سلطان إقناع. وسلطان القهر يعني أن يملك أحد من القوة ما يقهر به غيره على أن يفعل ما يكره، بينما يكون كارها للفعل. أما سلطان الحجة فهو أن يملك منطقا يجعلك تعمل وفق ما يطلبه منك وتحب ما تفعل، وهكذا يعترف الشيطان للبشر يوم الحشر الأعظم، ويقول: أريد أن أناقشكم؛ هل كان لي سلطان قهريّ أقهركم به؟ هل كان لي سلطان إقناع أقنعكم به على إتباع طريقي؟ لم يكن لي في دنياكم هذه ولا تلك، فلا تتهموني ولا تجعلوني (شماعة) تعلّقون علي أخطاءكم، فقد غويت من قبلكم وخالفت أمر ربي، ولم يكن لي عليكم سلطان سوى أن دعوتكم فاستحببتم لي...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
لعل من الطريف في هذا الحوار أن الشيطان يتدخل كطرفٍ ثالث، ليبرِّئ نفسه من مسؤولية ضلال كلا الطرفين، التابعين والمتبوعين، مؤكداً الفكرة الدينية التي تقرر حرية الإرادة التي فطر الله الإنسان عليها، فليست هناك قوّةٌ قاهرةٌ ٌتشلّها بدون اختيار صاحبها، حيث يورد القرآن الكريم: {وَقَالَ الشَّيْطاَنُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ} وحسمت المواقف، وانطلقت إرادة الله التي تقود الكافرين والعاصين إلى النار، وتقود المؤمنين إلى الجنة، ولم يبق هناك مجال للدفاع أو للاعتذار، فقد جاء إبليس ليتخفف من بعض ثقل المسؤولية التي يحملها الناس له في عملية الإغواء والإضلال، ليجعلها على عاتق الناس الضالين: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ}، بالجنة للطائعين المؤمنين، وبالنار للعاصين المتمردين {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}، في ما منّيتكم به ودفعتكم إليه، مما لم يتحقق، لأن الأمر كان مجرّد خدعةٍ وتضليل، من أجل تحقيق ما أريده من إضلالكم، وقد عرّفكم الله طبيعة الدور الذي أقوم به في حياتكم، وهو دور الإغراء والخديعة والتزيين وتصوير الحق بصورة الباطل، والباطل بصورة الحق، وتشويه الصورة الجميلة، وتجميل الصورة المشوّهة، بما أملكه من وسائل وأدوات. وهذا هو كل شيء في دوري معكم، ولا أملك معه أيّة قوّةٍ إضافية تمكنني من الضغط على إرادتكم بطريقةٍ قاهرةٍ {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}، بما تتضمنه أساليب الدعوة وأجواؤها من عناصر الإغراء والإغواء {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} لأنني أتحرك في وسائلي وأهدافي من خلال الخط الواضح الذي أعلنت السير فيه أمام الله، منذ طلبت منه الانتظار إلى يوم القيامة. ولكن ماذا عن دوركم أنتم، لماذا لم تلتفتوا إلى أساليبي ووسائلي وغاياتي التي عرّفكم الله إياها، وقد أرسل إليكم الرسل ليحذروكم مني، وخلق لكم العقل الذي يستطيع أن يحاكم كل الدعوات التي أثيرها في حياتكم، وكل التهاويل والأحاسيس التي أعمل في سبيل الضغط على مشاعركم من خلالها؟ فليتحمّل كل واحد منا مسؤولية نفسه، {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} فإذا استغثتم بي من العذاب، فلن أستطيع أن أدافع عنكم {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} فلا تملكون لي شيئاً إذا استصرختكم واستغثت بكم، {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ}، فأنا لا أقر ولا أعترف بجعلكم إياي شريكاً لله في العبادة، {إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وهكذا أغلق الملف الذي يمثل هذه الحالة التي تتحرك فيها الضغوط النفسية أو الجسدية لتلغي إرادة فريقٍ من الناس، تحت تأثير العوامل الداخلية والخارجية، ليواجه الجميع مسؤوليته، من موقع حرية الإرادة التي تستطيع أن تعبّر عن نفسها بألف طريقةٍ وطريقةٍ، كما لو لم يكن هناك ضغط، لا من المستكبرين، ولا من الشيطان نفسه الذي يحمّله الناس كلهم مسؤولية إضلالهم ويلعنونه لذلك. فليس هناك سلطة في الإضلال حتى للشيطان، بل كل دوره هو أن يوسوس ويثير ويدعو الإنسان إلى الاستجابة له، بعيداً عن دعوة الله، وتلك هي مهمته الأساسية، ويبقى، بعد ذلك، للإنسان دوره في التفكير والمقارنة بين دعوة الله ودعوة الشيطان، فإذا سار مع دعوة الله، كان ذلك باختياره، وإذا انطلق في طريق الشيطان، فبإرادته سارت خطواته، فلماذا يلقون اللوم على الشيطان، ولا يلقون اللوم على أنفسهم، في الوقت الذي لم يكن منه إلا إثارة مكامن الشهوة، وتزيينها للنفس، بينما كان منهم التصميم والإرادة والعمل؟! وهكذا تأخذ الفكرة مجالها الطبيعي في الكلمة الأخيرة للشيطان، التي يقرر فيها حمل الإنسان لمسؤولية إرادته، في مقابل حمل الشيطان لمسؤولية وسوسته وإضلاله، دون أن يستطيع أحدهما تخليص الآخر. ويبرز في خاتمة المطاف العنصر المثير الذي يجعل الشيطان يكفر بإشراكهم إياه بالله، ليبقى الإنسان المنحرف المتمرّد على الله، وحده، دون ناصر أو معين...