تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} (78)

وجاهِدوا في الله : في سبيل الله .

اجتنابكم : اختاركم .

من حرج : من ضيق بتكليفكم ما يشق عليكم .

شهيدا : شاهدا .

واعتصِموا بالله : استعينوا به وتمسكوا بدينه .

وجاهدوا في سبيل الله إعلاءً لكلمته ونشرِ دينه حتى تنتصروا على أعدائكم وشهواتكم ، فإن الله تعالى اختاركم لنصر دينه ، وجعلكم أمة وسطاً ، ولم يكلّفكم في شرعه ما يشقُّ عليكم ، ويسرّ عليكم ما يعترضكم من المشقات التي لا تطيقونها بما جعله لكم من أنواع الرُخَص . فتمسّكوا بهذا الدين القويم ، فهو دين أبيكم إبراهيم الذي سماكم المسلمين .

{ مِن قَبْلُ وَفِي هذا . . . } : من قبلُ في الكتب السابقة ، وفي هذا القرآن الكريم ، فكونوا كما سماكم وانصروا الله ينصركم . . ليكون الرسول شاهداً عليكم بأنكم عملتم بما بلّغكم ، وتكونوا شهداء على الأمم السابقة بأن رسُلها بلّغوها . فإذا كان الله قد خصكم بهذه الميزات كلها ، فمن الواجب عليكم أن تقابلوها بالشكر والطاعة له ، فتقيموا الصلاة على أتم وجوهها ، وتؤدوا الزكاة ، وتتوكلوا على الله وتعتصموا به في كل أموركم ، وهو ناصركم ، فنعم المولى ونعم النصير .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} (78)

{ وجاهدوا في الله } أي لله تعالى أو في سبيله سبحانه ، والجهاد كما قال الراغب استفراغ الوسع في مدافعة العدو وهو ثلاثة أضرب . مجاهدة العدو الظاهر كالكفار . ومجاهدة الشيطان . ومجاهدة النفس وهي أكبر من مجاهدة العدو الظاهرة كما يشعر به ما أخرج البيهقي وغيره عن جابر قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال : " قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قيل وما الجهاد الأكبر ؟ قيل وما الجهاد الأكبر ؟ قال : «مجاهدة العبد هواه " وفي إسناده ضعف مغتفر في مثله .

والمراد هنا عند الضحاك جهاد الكفار حتى يدخلوا في الإسلام ، ويقتضي ذلك أن تكون الآية مدنية لأن الجهاد إنما أمر به بعد الهجرة . وعند عبد الله بن المبارك جهاد الهوى والنفس ، والأولى أن يكون المراد به ضروبه الثلاثة وليس ذلك من الجمع بين الحقيقة والمجاز في شيء ، وإلى هذا يشير ما روى جماعة عن الحسن أنه قرأ الآية وقال : إن الرجل ليجاهد في الله تعالى وما ضرب بسيف ، ويشمل ذلك جهاد المبتدعة والفسقة فإنهم أعداء أيضاً ويكون بزجرهم عن الابتداع والفسق { حَقَّ جهاده } أي جهاداً فيه حقاً فقدم حقاً وأضيف على حد جرد قطيفة وحذف حرف الجر وأضيف جهاد إلى ضميره تعالى على حد قوله

: ويوم شهدناه سليماً وعامراً *** وفي «الكشاف » الإضافة تكون لأدنى ملابسة واختصاص فلما كان الجهاد مختصاً بالله تعالى من حيث أنه مفعول لوجهه سبحانه ومن أجله صحت إضافته إليه ، وأياً ما كان فنصب { حَقّ } على المصدرية ، وقال أبو البقاء : إنه نعت لمصدر محذوف أي جهاداً حق جهاهد ، وفيه أنه معرفة فكيف يوصف به النكرة ولا أظن أن أحداً يزعم أن الإضافة إذا كانت على الاتساع لا تفيد تعريفاً فلا يتعرف بها المضاف ولا المضاف إليه ، والآية تدل على الأمر بالجهاد على أتم وجه بأن يكون خالصاً لله تعالى لا يخضى فيه لومة لائم وهي محكمة .

ومن قال كمجاهد . والكلبي : إنها منسوخة بقوله تعالى : { فاتقوا الله مَا استطعتم } [ التغابن : 16 ] فقد أراد بها أن يطاع سبحانه فلا يعصى أصلاً وفيه بحث لا يخفى ، وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال : قال لي عمر رضي الله تعالى عنه «ألسنا كنا نقرأ وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله » ؟ قلت : بلى فمتى هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء ، وأخرجه البيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه قال : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف فذكره ، ولا يخفى عليك حكم هذه القراءة ، وقال النيسابوري : قال العلماء لو صحت هذه الرواية فلعل هذه الزيادة من تفسيره صلى الله عليه وسلم وليست من نفس القرآن وإلا لتواترت وهو كما ترى { هُوَ اجتباكم } أي هو جل شأنه اختاركم لا غيره سبحانه ، والجملة مستأنفة لبيان علة الأمر بالجهاد فإن المختار إنما يختار من يقوم بخدمته ومن قربه العظيم يلزمه دفع أعدائه ومجاهدة نفسه بترك ما لا يرضاه ففيها تنبيه على المقتضى للجهاد ، وفي قوله تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ في الدين } أي في جمع أموره ويدخل فيه الجهاد دخولاً أولياً { مِنْ حَرَجٍ } أي ضيق بتكليف ما يشتد القيام به عليكم إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ، والحاصل أنه تعالى أمرهم بالجهاد وبين أنه لا عذر لهم في تركه حيث وجد المقتضى وارتفع المانع .

/ ويجوز أن يكون هذا إشارة إلى الرخصة في ترك بعض ما أمرهم سبحانه به حيث شق عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " فانتفاء الحرج على هذا بعد ثبوته بالترخيص في الترك بمقتضى الشرع وعلى الأول انتفاء الحرج ابتداء ، وقيل : عدم الحرج بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجاً بأن رخص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التوبة وشرع لهم الكفارات في حقوقه والأروش والديات في حقوق العباد ، ولا يخفى أن تعميمه للتوبة ونحوها خلاف الظاهر وإن روى ذلك من طريق ابن شهاب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :

وفي«الحواشي الشهابية » أن الظاهر أن حق جهاده تعالى لما كان متعسراً ذيله بهذا ليبين أن المراد ما هو بحسب قدرتهم لا ما يليق به جل وعلا من كل الوجوه .

وذكر الجلال السيوطي أن هذه الآية أصل قاعدة المشقة تجلب التيسير وهو أوفق بالوجه الثاني فيها .

{ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم } نصب على المصدرية بفعل دل عليه ما قبله من نفي الحرج بعد حذف مضاف أي وسع دينكم توسعة ملة أبيكم أو على الاختصاص بتقدير أعني بالدين ونحوه وإليهما ذهب الزمخشري ، وقال الحوفي . وأبو البقاء : نصب على الإغراء بتقدير اتبعوا أو الزموا أو نحوه ، وقال الفراء : نصب بنزع الخافض أي كملة أبيكم ، والمراد بالملة إما يعم الأصول والفروع أو ما يخص الأصول فتأمل ولا تغفل ، و { إِبْرَاهِيمَ } منصوب بمقدر أيضاً أو مجرور بالفتح على أنه بدل أو عطف بيان ، وجعله عليه السلام أباهم لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كالأب لأمته من حيث أنه سبب لحياتهم الأبدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته عليه السلام فغلبوا على جميع أهل ملته صلى الله عليه وسلم { هُوَ } أي الله تعالى كما روى عن ابن عباس ومجاهد والضحاك . وقتادة . وسفيان ، ويدل عليه ما سيأتي بعد في الآية وقراءة أبي رضي الله تعالى عنه ( الله ) { سماكم المسلمين مِن قَبْلُ } أي من قبل نزول القرآن وذلك في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل { وَفِى هذا } أي في القرآن ، والجملة مستأنفة ، وقيل إنها كالبدل من قوله تعالى : { هُوَ اجتباكم } ولذا لم تعطف ، وعن ابن زيد . والحسن أن الضمير لإبراهيم عليه السلام واستظهره أبو حيان للقرب وتسميته إياهم بذلك من قبل في قوله : { رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [ البقرة : 128 ] وقوله هذا سبب لتسميتهم بذلك في هذا لدخول أكثرهم في الذرية فجعل مسمياً لهم فيه مجازاً ، ويلزم عليه الجمع بين الحقيقة والمجاز وفي جوازه خلاف مشهور ، وقال أبو البقاء : المعنى على هذا وفي هذا بيان تسميته إياكم بهذا الاسم حيث حكى في القرآن مقالته ، وقال ابن عطية : يقدر عليه وسميتكم في هذا المسلمين ، ولا يخفى ما في كل ذلك من التكلف .

واستدل بالآية من قال : إن التسمية بالمسلمين مخصوص بهذه الأمة وفيه نظر .

{ لِيَكُونَ الرسول } يوم القيامة { شَهِيداً عَلَيْكُمْ } أنه قد بلغكم ، ويدل هذا القول منه تعالى على قبول شهادته عليه الصلاة والسلام لنفسه اعتماداً على عصمته ولعل هذا من خواصه صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم وإلا فالمعصوم يطالب في الدنيا بشاهدين إذا ادعى شيئاً لنفسه كما يدل على ذلك قصة الفرس وشهادة خزيمة رضي الله تعالى عنه ، وأيضاً لو كان كل معصوم تقبل شهادته لنفسه في ذلك اليوم لما احتيج إلى شهادة هذه الأمة على الأمم حين يشهد عليهم أنبياؤهم فينكرون كما ذكر ذلك كثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى : { وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } ورد أنه يؤتى بالأمم وأنبيائهم فيقال لأنبيائهم : هل بلغتم أممكم ؟ فيقولون : نعم بلغناهم فينكرون فيؤتى بهذه الأمة فيشهدون أنهم قد بلغوا فتقول الأمم لهم : من أين عرفتم ؟ فيقولون : عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق أو شهيداً عليكم بإطاعة من أطاع وعصيان من عسى ، ولعل علمه صلى الله عليه وسلم بذلك بتعريف الله تعالى بعلامات تظهر له في ذلك الوقت تسوغ له عليه الصلاة والسلام الشهادة ، وكون أعمال أمته تعرض عليه عليه الصلاة والسلام وهو في البرزخ كل أسبوع أو أكثر أو أقل إذا صح لا يفيد العلم بأعيان ذوي الأعمال المشهود عليهم وإلا أشكل ما رواه أحمد في مسنده . والشيخان عن أنس . وحذيفة قالا : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليردن على ناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول : يا رب أصيحابي أصيحابي فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك »

وربما أشكل هذا على تقدير صحة حديث العرض سواء أفاد العلم بالأعيان أم لا ، وإذا التزم صحة ذلك الحديث وأنه صلى الله عليه وسلم لم يستحضر أعمال أولئك الأقوام حين عرفهم فقال ما قال وأن المراد من من إنك لا تدري الخ مجرد تعظيم أمر ما أحدثوه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لا نفي العلم به يبقى من مات من أمته طائعاً أو عاصياً في زمان حياته صلى الله عليه وسلم ولم يكن علم بحاله أصلاً كمن آمن ومات ولم يسمع صلى الله عليه وسلم به فإن عرض الأعمال في حقه لم يجيء في خبر أصلاً ، والقول بعدم وجود شخص كذلك بعيد ، ومن زعم أنه صلى الله عليه وسلم يعلم أمته ويعرفهم واحداً واحداً حياً وميتاً ولذا ساغت شهادته عليهم بالطاعة والمعصية يوم القيامة لم يأت بدليل ، والآية لا تصلح دليلاً له إلا بهذا التفسير وهو خل البحث ، على أن في حديث الإفك ما يدل على خلافه .

وزعم بعضهم أن معرفته صلى الله عليه وسلم للطائع والعاصي من أمته لما أنه يحضر سؤالهم في القبر عنه عليه الصلاة والسلام كما يؤذن بذلك ما ورد أنه يقال للمقبور : ما تقول في هذا الذي بعث إليكم ؟ واسم الإشارة يستدعي مشاراً إليه محسوساً مشاهداً وهو كما ترى . واختار بعض أن الشهادة بذلك على بعض الأمة وهم الذين كانوا موجودين في وقته صلى الله عليه وسلم وعلم حالهم من طاعة وعصيان . والخطاب في { عَلَيْكُمْ } إما خاص بهم أو عام على سبيل التغليب وفيه ما فيه فتدبر ، وقيل على في { عَلَيْكُمْ } بمعنى اللام كما في قوله تعالى : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } [ المائدة : 3 ] فالمعنى شهيداً لكم ، والمراد بشهادته لهم تزكيته إياهم إذا شهدوا على الأمم ولا يخفى بعده ، واللام متعلقة بسماكم على الوجهين في الضمير وهي للعاقبة على ما قيل ، وقال الخفاجي : لا مانع من كونها للتعليل فإن تسمية الله تعالى أو إبراهيم عليه السلام لهم بالمسلمين حكم بإسلامهم وعدالتهم وهو سبب لقبول شهادة الرسول عليه الصلاة والسلام الداخل فيهم دخولاً أولياً وقبول شهادتهم على الأمم وفيه نوع خفاء .

{ فَأَقِيمُواْ الصلاة وَءاتُواْ الزكواة } أي فتقربوا إليه تعالى لما خصكم بهذا الفضل والشرف بأنواع الطاعات ، وتخصيص هذين الأمرين بالذكر لا نافتهما وفضلهما { واعتصموا بالله } أي ثقوا به تعالى في جميع أموركم { هُوَ } ناصركم ومتولي أموركم { مولاكم فَنِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } هو إذ لا مثل له تعالى في الولاية والنصرة فإن من تولاه لم يضع ومن نصره لم يخذل بل لا ولي ولا ناصر في الحقيقة سواه عز وجل ، وفي هذا إشارة إلى أن قصارى الكمال الاعتصام بالله تعالى وتحقيق مقام العبودية وهو وراء التسمية والاحتباء ، وجوز أن يكون { هُوَ مولاكم } تتميماً للاجتباء وليس بذاك هذا .

ومن باب الإشارة : { وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده } شامل لجميع أنواع المجاهدة ، ومنها جهاد النفس وهو بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين ، وجهاد الروح بإفناء الوجود ، وقد قيل

: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب *** { واعتصموا بالله } تمسكوا به جل وعلا في جميع أحوالكم { هُوَ مولاكم } على الحقيقة { فَنِعْمَ المولى } في إفناء وجودكم { وَنِعْمَ النصير } [ الحج : 78 ] في إبقائكم ، وما أعظم هذه الخاتمة لقوم يعقلون وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} (78)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وجاهدوا في الله} يأمرهم بالعمل {حق جهاده} يقول: اعملوا لله بالخير حق عمله... ثم قال: {هو اجتباكم} يقول الله عز وجل: استخلصكم لدينه. {وما جعل عليكم في الدين} يعني: في الإسلام {من حرج} يعني: من ضيق، ولكن جعله واسعا. هو {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم} يقول الله عز وجل: سماكم {المسلمين} فيها تقديم {من قبل} قرآن محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب الأولى {وفي هذا} القرآن أيضا سماكم المسلمين {ليكون الرسول} يعني: النبي صلى الله عليه وسلم {شهيدا عليكم} أنه بلغ الرسالة {وتكونوا} أنتم يا معشر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يعني: مؤمنيهم {شهداء على الناس} يعنى شهداء للرسل أنهم بلغوا قومهم الرسالة {فأقيموا الصلاة} يقول: أتموها {وآتوا الزكاة} يقول: أعطوا الزكاة من أموالكم {واعتصموا بالله} يقول: وثقوا بالله، فإذا فعلتم ذلك {هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} آية، يقول: نعم المولى هو لكم، ونعم النصير هو لكم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"وَجاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهادِهِ"؛

فقال بعضهم: معناه: وجاهدوا المشركين في سبيل الله حقّ جهاده... وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تخافوا في الله لومة لائم. قالوا: وذلك هو حقّ الجهاد... وقال آخرون: معنى ذلك: اعملوا بالحقّ حقّ عمله... والصواب من القول في ذلك: قول من قال: عُنى به الجهاد في سبيل الله لأن المعروف من الجهاد ذلك، وهو الأغلب على قول القائل: جاهدت في الله. وحقّ الجهاد: هو استفراغ الطاقة فيه.

وقوله: "هُوَ اجْتَباكُمْ "يقول: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه والجهاد في سبيله...

وقوله: "وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ" يقول تعالى ذكره: وما جعل عليكم ربكم في الدين الذي تعبدكم به من ضيق، لا مخرج لكم مما ابتليتم به فيه بل وسّع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجا، والكفّارة من بعض، والقصاص من بعض، فلا ذنب يذنب المؤمن إلا وله منه في دين الإسلام مخرج...

وقال آخرون: معنى ذلك: "ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ": من ضيق في أوقات فروضكم إذا التبست عليكم، ولكنه قد وسع عليكم حتى تَيَقّنوا محلها...

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما جعل في الإسلام من ضيق، بل وسعه...

وقوله: "مِلّةَ أبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ"...بمعنى: وما جعل عليكم في الدين من حرج، بل وسعه، كملّة أبيكم... وقد يحتمل نصبها أن تكون على وجه الأمر بها، لأن الكلام قبله أمر، فكأنه قيل: اركعوا واسجدوا والزموا ملَة أبيكم إبراهيم. وقوله: "هُوَ سمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وفِي هَذَا" يقول تعالى ذكره: سماكم يا معشر من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم المسلمين من قبل...عن ابن عباس، قوله: "هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ" يقول: الله سماكم...

وقال آخرون: بل معناه: إبراهيم سماكم المسلمين وقالوا هو كناية من ذكر إبراهيم صلى الله عليه وسلم... [قاله ابن زيد].

ولا وجه لما قال ابن زيد من ذلك، لأنه معلوم أن إبراهيم لم يسمّ أمة محمد مسلمين في القرآن، لأن القرآن أنزل من بعده بدهر طويل، وقد قال الله تعالى ذكره: "هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وفي هَذَا" ولكن الذي سمانا مسلمين من قبل نزول القرآن وفي القرآن الله الذي لم يزل ولا يزال.

وأما قوله: "مِنْ قَبْلُ" فإن معناه: من قبل نزول هذا القرآن في الكتب التي نزلت قبله. "وفي هَذَا" يقول: وَفِي هَذَا الكِتابِ...

وقوله: "لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيدا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النّاسِ"، يقول تعالى ذكره: اجتباكم الله وسماكم أيها المؤمنون بالله وآياته، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مسلمين، ليكون محمد رسول الله شهيدا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم شهداء حينئذ على الرسل أجمعين أنهم قد بلّغوا أممهم ما أُرسلوا به إليهم.

{فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} يعني تعالى ذكره بقوله "فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ" يقول: فأدّوا الصلاة المفروضة لله عليكم بحدودها، وآتوا الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم "وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ" يقول: وثقوا بالله، وتوكلوا عليه في أموركم "فَنِعْمَ المَوْلَى" يقول: نعم الوليّ الله لمن فعل ذلك منكم، فأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وجاهد في سبيل الله حقّ جهاده، واعتصم به "وَنِعْمَ النَّصِيرُ" يقول: ونعم الناصر هو له على من بغاه بسوء.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

وقوله (هو اجتباكم) فالاجتباء: هو اختيار الشئ لما فيه من الصلاح.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

ويحتمل أن يقال هو الذي اجتباكم، ولولا أنه اجتباكم لَمَا جَاهَدْتُم، فلاجتبائه إياك وَفَّقَكَ حتى جاهدتَ. ويقال عَلم ما كنت تفعله قبل أَنْ خَلَقَكَ ولم يمنعه ذلك مِنْ أَنْ يَجْتَبِيَكَ، وكذلك إِنْ رأى ما فَعَلْتَ فلا يمنعه ذلك أَنْ يتجاوزَ عنك ولا يعاقبك...

الشرع مبناه على السهولة، والذي به تصل إلى رضوانه وتستوجِب جزيلَ فضله وإحسانه، وتتخلَّص به من أليم عقابه وامتحانه -يسيرٌ من الأمر لا يستغرق كُنْه إمكانك؛ بمعنى أَنَّك إٍن أَرَدْتَ فِعْلَه لَقَدَرْتَ عليه، وإنْ لم توصَفْ في الحال بأنَّك مستطيعٌ ما ليس بموجودٍ فيك...

{مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}. أي اتَّبِعوا والزَمُوا مِلَّةَ أبيكم إبراهيم عليه السلام في البَذْلِ والسخاء والجود والخلة والإحسان...

{فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}. أقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ بحكم الإتمام، ونعت الاستدامة، وجميل الاستقامة. والاعتصامُ بالله التبري من الحول والقوة والنهوض بعبادة الله بالله لله يقال الاعتصام بالله التمسكُ بالكتاب والسنة. ويقال الاعتصامُ بالله حُسْنُ الاستقامة بدوام الاستعانة...

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

(وجاهدوا في الله حق جهاده) اعلم أن الجهاد يكون بالنفس، وبالقلب، وبالمال؛ فأما الجهاد بالنفس فهو فعل الطاعات واختيار الأشق من الأمور، وأما الجهاد بالقلب فهو دفع الخواطر الردية، وأما الجهاد بالمال فهو البذل (والإيثار).

(حق جهاده) قال بعضهم: «هو أن يطيع الله ولا يعصيه، ويذكره فلا ينساه، ويشكره فلا يكفره...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

قالت فرقة: هذه آية أمر الله تعالى فيها الجهاد في سبيله وهو قتال الكفار، وقالت فرقة: بل هي أعم من هذا وهو جهاد النفس وجهاد الكافرين وجهاد الظلمة وغير ذلك، أمر الله تعالى عباده بأن يفعلوا ذلك في ذات الله حق فعله... ورفع الحرج لجمهور هذه الأمة ولمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة والسرّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين،..

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ". وَقَدْ كَانَتْ الشَّدَائِدُ وَالْعَزَائِمُ فِي الْأُمَمِ، فَأَعْطَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ من الْمُسَامَحَةِ وَاللِّينِ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا قَبْلَهَا فِي حُرْمَةِ نَبِيِّهَا، وَرَحْمَةِ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا)... فَأَعْظَمُ حَرَجٍ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا نُبْدِي فِي أَنْفُسِنَا وَنُخْفِيهِ، وَمَا يَقْتَرِنُ بِهِ من إصْرٍ وُضِعَ، كَمَا بَيَّنَّا من قَبْلُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْهَا التَّوْبَةُ بِالنَّدَمِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَالِاسْتِغْفَارُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

الرابع: قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده} قال صاحب الكشاف {في الله} أي في ذات الله، ومن أجله...

{هو اجتباكم} ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته، فأي رتبة أعلى من هذا، وأي سعادة فوق هذا، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير...

لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} فاستجاب الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم،...

{واعتصموا بالله} أي بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته، قال ابن عباس: «سلوا الله العصمة عن كل المحرمات» وقال القفال: اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون، هو مولاكم وسيدكم المتصرف فيكم فنم المولى ونعم البصير، فكأنه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

" وجاهدوا في الله حق جهاده "قيل: عنى به جهاد الكفار. وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم.

"هو اجتباكم" أي اختاركم للذب عن دينه والتزام أمره، وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة، أي وجب عليكم أن تجاهدوا لأن الله اختاركم له.

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :

{وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي ضيق بتكليف ما يشتد القيام به عليكم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه، أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شق عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام "إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم". وقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجا بأن رخص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه والأروش والديات في حقوق العباد..

لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741 هـ :

وقال أكثر المفسرين حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة لله ولتكون كلمة الله هي العليا بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: « من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم،... {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء فَشَقَ عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين- تجب في الحَضَر أربعًا وفي السفر تُقْصَر إلى ثِنْتَين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتُصَلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات...

{هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نَوّه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان، في كتب الأنبياء، يتلى على الأحبار والرهبان،... عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جِثيّ جهنم". قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: "نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله"... {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم. ومن أهم ذلك إقامُ الصلاة وإيتاءُ الزكاة، وهو الإحسان إلى خلق الله، بما أوجب، للفقير على الغني، من إخراج جزء نزر من ماله في السَّنة للضعفاء والمحاويج،...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان الجهاد أساس العبادة، وهو -مع كونه حقيقة في قتال الكفار- صالح لأن يعم كل أمر بمعروف ونهي عن منكر بالمال والنفس بالقول والفعل بالسيف وغيره، وكل اجتهاد في تهذيب النفس وإخلاص العمل، ختم به فقال: {وجاهدوا في الله} أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له في كل ما ينسب إليه سبحانه، لا يخرج منه شيء عنه كما لا يخرج شيء من المظروف عن الظرف {حق جهاده} باستفراغ الطاقة في إيقاع كل ما أمر به من جهاد العدو والنفس على الوجه الذي أمر به من الحج والغزو وغيرهما جهاداً يليق بما أفهمته الإضافة إلى ضميره سبحانه من الإخلاص والقوة، فإنه يهلك جميع من يصدكم عن شيء منه...

{هو اجتباكم} أي اختاركم لجعل الرسالة فيكم والرسول منكم وجعله أشرف الرسل، ودينه أكرم الأديان، وكتابه أعظم الكتب، وجعلكم -لكونكم أتباعه- خير الأمم... ولما كان أول مخاطب بهذا قريشاً، ثم مضر، وكانوا كلهم أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام حقيقة، قال: {أبيكم إبراهيم} أي الذي ترك عبادة الأصنام ونهى عنها، ووحد الله وأمر بتوحيده، يا من تقيدوا بتقليد الآباء! فالزموا دينه لكونه اباً، ولكوني أمرت به، وهو أب لبعض المخاطبين من الأمة حقيقة، ولبعضهم مجازاً بالاحترام والتعظيم، فيعم الخطاب الجميع،... أي أن كل أمة تسمت باسم من تلقاء نفسها، والله تعالى خصكم باسم الإسلام مشتقاً له من اسمه {السلام} [الحشر: 3] مع ما خصكم به من اسم الإيمان اشتقاقاً له من اسمه المؤمن، فأثبت لكم هذا الاسم في كتبه، واجتباكم لاتباع رسوله. ولما كان الاسم إذا كان ناشئاً عن الله تعالى سواء كان بواسطة نبي من أنبيائه أو بغير واسطة يكن مخبراً عن كيان المسمى، وكان التقدير: رفع عنكم الحرج وسماكم بالإسلام لتكونوا أشد الأمم انقياداً لتكونوا خيرهم،... {شهداء على الناس} بأن رسلهم بلغتهم رسالات ربهم، لأنكم قدرتم الرسل حق قدرهم، ولم تفرقوا بين أحد منهم، وعلمتم أخبارهم من كتابكم على لسان رسولكم صلى الله عليه وسلم، فبذلك كله صرتم خيرهم، فأهلتم للشهادة وصحت شهادتكم وقبلكم الحكم العدل، وقد دل هذا على أن الشهادة غير المسلم ليست مقبولة...

{فنعم المولى} أي هو {ونعم النصير} لأنه إذا تولى أحداً كفاه كل ما أهمه، وإذا نصر أحداً أعلاه على كل من خاصمه "ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته"... وهذا نتيجة التقوى، وما قبله من أفعال الطاعة دليلها. فقد انطبق آخر السورة على أولها. ورد مقطعها على مطلعها -والله أعلم بمراده وأسرار كتابه وهو الهادي للصواب...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

فالجهاد في الله حق جهاده، هو القيام التام بأمر الله، ودعوة الخلق إلى سبيله بكل طريق موصل إلى ذلك، من نصيحة وتعليم وقتال وأدب وزجر ووعظ، وغير ذلك.

ولما كان قوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} ربما توهم متوهم أن هذا من باب تكليف ما لا يطاق، أو تكليف ما يشق، احترز منه بقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي: مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، فأولا ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤودها ويؤخذ من هذه الآية، قاعدة شرعية وهي أن "المشقة تجلب التيسير "و "الضرورات تبيح المحظورات" فيدخل في ذلك من الأحكام الفرعية، شيء كثير معروف في كتب الأحكام.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(وجاهدوا في الله حق جهاده).. وهو تعبير شامل جامح دقيق، يصور تكليفا ضخما، يحتاج إلى تلك التعبئة وهذه الذخيرة وذلك الإعداد..

(وجاهدوا في الله حق جهاده).. والجهاد في سبيل الله يشمل جهاد الأعداء، وجهاد النفس، وجهاد الشر والفساد.. كلها سواء..

(وجاهدوا في الله حق جهاده).. فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة، واختاركم لها من بين عباده: (هو اجتباكم).. وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة، ولا يجعل هنالك مجالا للتخلي عنها أو الفرار! وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء!

وهو تكليف محفوف برحمة الله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج).. وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته. ملحوظ فيه تلبيته تلك الفطرة. وإطلاق هذه الطاقة، والاتجاه بها إلى البناء والاستعلاء. فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم. ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم!

وهو منهج عريق أصيل في ماضي البشرية، موصول الماضي بالحاضر: (ملة أبيكم إبراهيم) وهو منبع التوحيد الذي اتصلت حلقاته منذ عهد إبراهيم -عليه السلام- فلم تنقطع من الأرض، ولم تفصل بينها فجوات مضيعة لمعالم العقيدة كالفجوات التي كانت بين الرسالات قبل إبراهيم عليه السلام.

وقد سمى الله هذه الأمة الموحدة بالمسلمين. سماها كذلك من قبل وسماها كذلك في القرآن: (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا)..

والإسلام إسلام الوجه والقلب لله وحده بلا شريك. فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع الأجيال والرسل والرسالات. حتى انتهى بها المطاف إلى أمة محمد [صلى الله عليه وسلم] وحتى سلمت إليها الأمانة، وعهد إليها بالوصاية على البشرية. فاتصل ماضيها بحاضرها بمستقبلها كما أرادها الله: (ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس).. فالرسول [صلى الله عليه وسلم] يشهد على هذه الأمة، ويحدد نهجها واتجاهها، ويقرر صوابها وخطأها. وهي تشهد على الناس بمثل هذا، فهي القوامة على البشرية بعد نبيها؛ وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها، وتربيتها وفكرتها عن الكون والحياة. ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على منهجها العريق المتصل الوشائج، المختار من الله.

ولقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي وطبقته في حياتها الواقعية. حتى إذا انحرفت عنه، وتخلت عن تكاليفه، ردها الله عن مكان القيادة إلى مكان التابع في ذيل القافلة. وما تزال. ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اجتباها له الله.

هذا الأمر يقتضي الاحتشاد له والاستعداد.. ومن ثم يأمرها القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله:

فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله. هو مولاكم. فنعم المولى ونعم المصير..

فالصلاة صلة الفرد الضعيف الفاني بمصدر القوة والزاد. والزكاة صلة الجماعة بعضها ببعض والتأمين من الحاجة والفساد. والاعتصام بالله العروة الوثقى التي لا تنفصم بين المعبود والعباد.

بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها لها الله. وتملك الانتفاع بالموارد والطاقات المادية التي تعارف الناس على أنها مصادر القوة في الأرض. والقرآن الكريم لا يغفل من شأنها، بل يدعو إلى إعدادها. ولكن مع حشد القوى والطاقات والزاد الذي لا ينفد، والذي لا يملكه إلا المؤمنون بالله.

فيوجهون به الحياة إلى الخير والصلاح والاستعلاء.

إن قيمة المنهج الإلهي للبشرية أنه يمضي بها قدما إلى الكمال المقدر لها في هذه الأرض؛ ولا يكتفي بأن يقودها للذائذ والمتاع وحدهما كما تقاد الأنعام.

وإن القيم الإنسانية العليا لتعتمد على كفاية الحياة المادية، ولكنها لا تقف عند هذه المدارج الأولى. وكذلك يريدها الإسلام في كنف الوصاية الرشيدة، المستقيمة على منهج الله في ظل الله..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

الجهاد بصيغة المفاعلة حقيقة عرفية في قتال أعداء المسلمين في الدّين لأجل إعلاء كلمة الإسلام أو للدفع عنه كما فسرّه النبي صلى الله عليه وسلم « من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»...

جملة {هو اجتباكم}... أي لأنه لما اجتباكم، كان حقيقاً بالشكر له بتلك الخصال المأمور بها...

فيظهر أن هذا موجّه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصالة ويشركهم فيه كل من جاء بعدهم بحكم اتّحاد الوصف في الأجيال كما هو الشأن في مخاطبات التشريع...

{ملة أبيكم إبراهيم} زيادة في التنويه بهذا الدّين وتحْضيض على الأخذ به بأنه اختص بأنه دين جاء به رسولان إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم وهذا لم يستتب لدين آخر، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم « أنا دعوة أبي إبراهيم» أي بقوله: {ربّنا وابْعَث فيهم رسولاً منهم} [البقرة: 129]، وإذ قد كان هذا هو المقصود فمحمل الكلام أنّ هذا الدّين دين إبراهيم، أي أنّ الإسلام احتوى على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ومعلوم أن للإسلام أحكاماً كثيرة ولكنه اشتمل على ما لم يشتمل عليه غيره من الشرائع الأخرى من دين إبراهيم، جعل كأنه عين ملّة إبراهيم،... {ليكون الرسول شهيداً عليكم} يتعلّق بقوله {اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] أو بقوله {اجتباكم} أي ليكون الرسول، أي محمد عليه الصلاة والسلام شهيداً على الأمة الإسلامية بأنها آمنت به، وتكون الأمة الإسلامية شاهدة على النّاس، أي على الأمم بأن رسلهم بلغوهم الدعوة فكفر بهم الكافرون. ومن جملة الناس القوم الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم...

أي نِعم المدبر لشؤونكم، ونِعم الناصر لكم. ونصير: صيغة مبالغة في النصر، أي نِعم المولى لكم ونِعم النصير لكم. وأما الكافرون فلا يتولاّهم تولي العناية ولا ينصرهم. وهذا الإنشاء يتضمّن تحقيق حسن ولايَة الله تعالى وحسن نصره. وبذلك الاعتبار حسن تفريعه على الأمر بالاعتصام به. وهذا من براعة الختام، كما هو بَيّن لذوي الأفهام...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وفي هذه الآية المطالبة بالنفع الإنساني بتبليغ الرسالة المحمدية رسالة الإنسانية للناس جميعا، وذلك بالدعوة إلى الإسلام، وهو جهاد، وتذليل العقبات في سبيل هذه الدعوة، وإزالة كل المحاجزات التي تحاجز دونها، ولو كان ذلك بالحرب... أي الجهاد الحق الذي يكون من غير إرادة الفخر، أو ابتغاء دنيا يصيبها، وحق الجهاد أن يخلص النفس من أدران الهوى، وإرادة إراقة الدماء، وأن يجاهد المقاتل نفسه أولا، فيقيها عن شهواتها، ويبعد عنها نزغات الشيطان، وأن يجاهد المقاتل نفسه أولا، فيقيها عن شهواتها، ويبعد عنها نزغات الشيطان، وأن يجاهد للحق ورفعته، ويكون الجهاد أحيانا أمام الحكام الغاشمين، ولقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (أعظم الجهاد كلمة حق عند حق عند سلطان جائر)، وإذا قتله يكون خير الشهداء...

وحق الجهاد ألا يرفع السيف في سبيل الدعوة الإسلامية إلا إذ تعذرت الإجابة بالتي هي أحسن، وإلا بعد البيان، ومحاجزة أهل الباطل بين الدعوة المحمدية والناس، ولذلك كان الجهاد في الإسلام ليس للشعوب، ولكن لمعسكر السلطان الذي يحول بين الدعوة الإسلامية والشعوب، وإذا وصلت الدعوة إلى الشعوب فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما ربك بظلام للعبيد، فلا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي...

{وما جعل عليكم في الدين من حرج} فيه إشارة إلى أن فرضية الجهاد مرفوعة عن أصحاب المعاذير وقت عذرهم، وهي في الوقت ذاته قاعدة عامة في معاني الشريعة الإسلامية، والحرج أصله الضيق بين الأشياء المجتمعة فهو الضيق في صدور الناس وفي تكليفاتهم...

والشريعة الإسلامية جاءت لنفع الناس وجلب الخير لهم، "وخير الدين أيسره"... وسمي أبا للعرب، وإن كان أبا لبعضهم، وذلك لأن العرب جميعا كانوا يتفاخرون بالانتساب إليه، ولأنه باني البيت الحرام الذي كان مناط عزة العرب أجمعين، ولأنه أب بالفعل لقريش الذين ابتدأت الدعوة المحمدية فيهم، وكان ذكر هذه الدعوة الكريمة تقريبا وتأليفا، وإدناء من الإسلام،... {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله}، "الفاء "للإفصاح عن شرط مقدر تقديره إذا كانت لكم هذه المكانة، فادرعوا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والاعتصام بالله فأمرهم بأركانها من ركوع وسجود وقعود خاشعين لله مستحضرين لذاته العلية، إذا ذكرتموه وإذا كبرتم، {وآتوا الزكاة}، وقد جمع سبحانه بذلك بين التهذيب الروحي بالصلاة، والتعاون الاجتماعي بالزكاة، ثم أمر بالاتفاق على طاعة الله تعالى فقال: {واعتصموا بالله} الاعتصام الاستمساك، فمعنى الاعتصام بالله الاستمساك به، بأن يكونوا مستمسكين بأوامرهم ونواهيه، ومستمسكين بذاته العلية لا يفكرون إلا فيه، ولا يبتغون غيره، ويلتفون حول شريعته غير منفصلين عنه، وهو نعم المولى ونعم النصير،...

التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 77]

في هاتين الآيتين:

- هتاف ربّاني بالمؤمنين بأن يعبدوا الله ويسجدوا ويركعوا له ويفعلوا الخير. ففي ذلك فوزهم ونجاحهم.

- وأمر لهم بأن يجاهدوا كذلك في سبيل الله ودينه حق الجهاد.

- وتنويه بالمنزلة والعناية الكبيرتين اللتين اختصّهم بهما: فقد اجتابهم واصطفاهم وهداهم إلى دينه القويم. ولم يجعل عليهم فيه حرجا ولا إعناتاً. وهو ملّة أبيهم إبراهيم وقد سمّاهم المسلمين من قبل وفي القرآن الآن. وأعدّهم بذلك كله ليكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيدا. وهذه مكانة خطيرة وعناية كريمة تقتضيان منهم الشكر والاجتهاد في أداء ما ترتّب عليهم من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والتمسّك بأهداب دين الله والاعتصام بحبله. وهو مولاهم ونعم هو من مولى ونصير لهم...

فجاءت هاتان الآيتان على الأثر تختتمان الكلام بالالتفات إلى المسلمين فتهتفان بهم بما تهتفان، وتعظانهم بما تعظان وتبثّان فيهم روح الطمأنينة والسكينة والاغتباط، وتنوّهان بالملّة السمحاء التي هداهم الله إليها وبالعناية الكبرى التي خصّهم بها وتنبّهانهم إلى ما أوجبه عليهم من الجهاد في سبيل دينه وما أعدّهم له من رفعة الشأن بين الأمم والملل إذا هم اعتصموا بالله وتمسّكوا بدينهم وجاهدوا في سبيله حق الجهاد...

ومع خصوصية الآيتين الزمنية على ضوء هذه الشروح وصلتها بالسياق السابق فإنهما احتوتا بأسلوبهما القوي ومضامينهما الواعظة المنبّهة المنوّهة تلقينات خطيرة تظل مستمرة التلقين والفيض والمدد والنفحات للمسلمين عامة والعرب خاصة بحيث يمكن أن يقال: إنها قد جعلت للعرب المسلمين في المجتمع الإسلامي شأنا خاصا وحملتهم مهمة كبرى ونبّهتهم إلى أن الله قد اجتباهم وجعلهم وسطا وعدولا وهداة ليرشدوا الناس ويهدوهم بهدى دينه الذي ارتضاه لهم والذي رشّحه ليكون دين الإنسانية عامة...

{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}...وهذا المعنى قد تكرر في سور عديدة بحيث يصحّ أن يقال إنه مما امتازت به الشريعة الإسلامية عما قبلها...

ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة وردت في كتب الأحاديث الصحيحة متصلة بمدى الجملة منها حديث رواه الشيخان جاء فيه «يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا»...

وحديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة جاء فيه: «عليكم بما تطيقون. فوالله لا يملّ الله حتى تملّوا وكان أحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه»...

وهكذا يكون التساوق تاما بين التلقين القرآني والتلقين النبوي؛ ويصبح المعنى الذي احتوته الجملة من المبادئ المحكمة في الإسلام...

كذلك فإن جملة {وافعلوا الخير} جديرة بالتنويه من حيث إنها تحث على فعل الخير انطلاقا. والخير هو كل عمل نافع ومفيد قولا وفعلا. والإطلاق يفيد الحثّ على عمل الخير في كل ظرف ولكل الناس بدون قيد وشرط مما فيه رائع التلقين...

ولقد تكرر ذلك في آيات عديدة مما يزيد الروعة. منها آية سورة البقرة هذه {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {148}} حيث انطوت على حث على التسابق إلى فعل الخير... وهناك حديث عام في هذا الباب فيه حثّ على المساعدة على عمل الخير إذا لم يستطع المرء أن يفعله بنفسه رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة جاء فيه: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أُبْدِعَ بي فاحملني، قال: لا أجد ما أحملك عليه ولكن ائت فلانا فلعلّه أن يحملك فأتاه فحمله فأتى النبي فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله»...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وهذه الأوامر الإلهية تتضمن ثلاثة إمور جوهرية:

الأمر الأول: أن تكون طاعة الله والصلة به قائمة في كل وقت {اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم}.

الأمر الثاني: أن يكون فعل الخير بجميع أصنافه باسطا رواقه في كل مكان {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون}.

الأمر الثالث: أن يكون المسلمون على أهبة الاستعداد للدفاع عن كيانهم بكل ما يلزم للجهاد، من عدة وعتاد {وجاهدوا في الله حق جهاده}. ثم عقب كتاب الله على ذلك بقوله: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم}، إشارة إلى أن المسلمين إذا أقاموا دولتهم على هذه الدعائم، وحافظوا على ما لديهم من شعائر ومعالم، فإنهم سيكونون الصفوة المختارة من بين البشر، التي تحيي من ملة إبراهيم ما ضاع واندثر، والتي لا تعرف إفراطا ولا تفريطا في ورد ولا صدر. ووصف إبراهيم بكونه (أبا) للمسلمين: من جهة أنه إمام الموحدين، ومقيم قواعد البيت الحرام الذي جعله الله مثابة وأمنا للناس أجمعين. وختم هذا الربع بالإشارة إلى ما ميز الله به أمة التوحيد من اسم "الإسلام والمسلمين"، ووصفها واشتهارها بهذا الاسم الشريف على مر الأعوام والسنين، والإشارة إلى ما ادخر الله لها من "الشهادة "على العالمين، والتركيز على ما يضمن لها البقاء والنصر في كل حين، فقال تعالى: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير}...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

لأن الجهاد أيضا يحتاج إلى إخلاص، وأن تجعل الله في بالك، فربما خرجت لمجرد أن تدفع اللوم عن نفسك وحملت السلاح فعلا ودخلت المعركة، لكن ما في بالك أنها لله وما في بالك إعلاء كلمة الله، كالذي يقاتل للشهرة وليرى الناس مكانته، أو يقاتل طمعا في الغنائم، أو لأنه مغتاظ من العدو وبينه وبينه ثأر، ويريد أن ينتقم منه، هذه وغيرها أمور تخرج القتال عن هدفه وتفرغه من محتواه...

لأنك إذا انتفعت بالمنهج تطبيقا له بعد التحقيق الذي أتى به الرسل تنفع نفسك، لكن ربك- عز وجل- يريد أن يشيع النفع لمن معك أيضا، وهذا لا يتأتى إلا بالجهاد بالنفس أو المال أو أي شيء محبوب، وإلا فكيف ستربح الصفقة التي قال الله تعالى عنها: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.. (111)} [التوبة]...

أما الذين بقوا ولم يخرجوا، فمهمتهم أن يحملوا المنهج، وأن يحققوه، وإلا لو خرج الجميع إلى القتال واستشهدوا جميعا، فمن يحمل منهج الله وينشره؟... كما ننصح جماعة من أهل الدعوة الذين حملوا رايتها، نقول لهم: لقد اختاركم الله، فكونوا أهلا لهذا الاختيار، واجعلوا كلامه تعالى في محله...

{وما جعل عليكم في الدين من حرج} يعني: ما اجتباكم ليعنتكم، أو ليضيق عليكم، أو ليعسر عليكم الأمور، إنما جعل الأمر كله يسر، وشرعه على قدر الاستطاعة، ورخص لكم ما يخفف عنكم، ويذهب عنكم الحرج والضيق، فمن لم يستطع القيام صلى قاعدا، ومن كان مريضا أفطر، والفقير لا زكاة عليه ولا حج.. الخ...

لذلك من شرف أمة محمد أولا أنه لا يأتي بعده رسول، لأنهم مأمونون على منهج الله، وكأن الخير لا ينطفئ فيهم أبدا، وقلنا: إن الرسل لا يأتون إلا بعد أن يعم الفساد، ويفقد الناس المناعة الطبيعية التي تحجزهم عن الشر، وكذلك يفقدها المجتمع كله فلا ينهى أحد أحدا عن الشر، عندها يتدخل الحق سبحانه برسول ومعجزة جديدة ليصلح ما فسد...

فختام الرسالات بمحمد (صلى الله عليه وسلم) شهادة أن الخير لا ينقطع من أمته أبدا، ومهما انحرف الناس سيبقى جماعة على الجادة يحملون المنهج ويتمسكون به ويكونون قدوة لغيرهم... فالخير كله والكمال كله في شخص رسول الله، ومنثور في أمته...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} لأن الله يريد للناس أن يواجهوا التحديات بإرادة صلبة مستعدة لمجابهة كل الصعوبات، وتحمّل كل آلام الحرمان، من أجل تحقيق الصورة التي يحبّ الله للحياة أن تكون عليها ويريد للإنسان أن يبرز فيها، ابتداءً من جهاد النفس الذي يقتحم الأعماق ليحطم كل الحواجز التي تحول بينها وبين الانطلاق في طريق الخير، إلى جهاد العدو الذي يخوض المعارك انتصاراً للشيطان ليبعد الإنسان عن طريق الله...

{هُوَ اجْتَبَاكُمْ} واختاركم من بين خلقه لتكونوا الأمّة المرحومة الداعية المجاهدة التي تحمل من خلال الرسول محمد (ص) رسالة الإسلام للناس كافة، وحمّلكم مسؤولية ذلك، وتلك كرامة إلهية لا تفوقها كرامة، تفرض عليكم رعايتها وتحريكها في الاتجاه الذي يحبّه الله. ما جعل عليكم في الدين من حرج... {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} الذي انطلقت شرائع الأنبياء بعده، من القاعدة العامة التي وضعتها مبادئ شريعته العامة، بحيث كانت الرسالات اللاحقة بمثابة التفاصيل المتنوعة لتلك المبادئ...

{لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شهداء عَلَى النَّاسِ} وذلك عبر هذه الشريعة التي هي المقوّم لأعمال الناس ومشاريعهم، في ما يشهد به النبي على أمّته لجهة تطبيقها لهذه الشريعة والتزامها بها، في خط الدعوة والحركة، وفي ما تشهد به هذه الأمّة على سائر الأمم لجهة التزامها بالإسلام ورعايتها له،... {وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ} لأنه الحقيقة الوحيدة التي يرتبط بها كل ما في الحياة من عمقٍ وامتدادٍ والتزام وانتماء، لأن كل ما هو غيره، مخلوق له، ومنسوب إليه، ومحتاج إليه، فلا ثبات لأحد إلا من خلال الاعتصام به وبحبله، لأن كل من عداه مهتز بطبيعة الضعف الكامنة في ذاته التي تجعله يتأثر بغيره...