ثم بعد المقابلة بين المنافقين والمؤمنين يعودُ لاستكمال الحديث عن المنافقين : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }
أقسم المنافقون بالأيمان المغلّظة لئن أمرتَهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد معك ليخرجون قل لهم : لا تحلِفوا ، إن طاعتكم معروفة لنا ، فهي طاعة باللسان فحسب ، والله تعالى خبير لا تخفى عليه خافية من أعمالكم فلا يحتاج إلى حلف أو توكيد .
{ يَعْمَلُونَ وَأَقْسَمُواْ بالله } حكاية لبعض آخر من أكاذيب الكفرة المنافقين مؤكداً بالإيمان الفاجرة فهو عود على بدء ، والقسم الحلف وأصله من القسامة وهي أيمان تقسم على متهمين بقتل حسبما بين في كتب الفقه ثم صار اسماً لكل حلف ، وقوله سبحانه : { جَهْدَ أيمانهم } نصب على أنه مصدر مؤكد لفعله المحذوف ، وجملة ذلك الفعل مع فاعله في موضع الحال أو هو نصب على الحال أي حلفوا به تعالى يجهدون أيمانهم جهداً أو جاهدين أيمانهم ، ومعنى جهد اليمين بلوغ غايتها بطريق الاستعارة من قولهم : جهد نفسهإذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها ، والمراد أقسموا بالغين أقصى مراتب اليمين في الشدة والوكادة ، وجوز أن يكون مصدراً مؤكداً لأقسموا أي أقسموا أقسام اجتهاد في اليمين ، قال مقاتل : من حلف بالله تعالى فقد اجتهد في اليمين .
والظاهر هنا أنهم غلظوا الإيمان وشددوها ولم يكتفوا بقول الله { لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ } أي بالخروج كما يدل عليه قوله تعالى : { لَيُخْرِجَنَّ } والمراد بهذا الخروج الخروج للجهاد كما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما يدل على أن المراد الخروج من الأموال .
وأياً ما كان فالجملة جواب لأقسموا وجواب الشرط محذوف لدلالة هذه الجملة عليه وهي حكاية بالمعنى والأصل لنخرجن بصيغة المتكلم مع الغير ، وقيل : الأصل لخرجنا إلا أنه أريد حكاية الحال الماضية فعبر بذلك . وتعقب بأن المعتبر زمان الحكم وهو مستقبل { قُلْ } أي رداً عليهم وزجراً لهم عن التفوه بتلك الإيمان وإظهاراً لعدم القبول لكونهم كاذبين فيها { لاَّ تُقْسِمُواْ } على ما ينبئ عنه كلامكم من الطاعة { طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي طاعتكم طاعة ، والجملة تعليل للنهي كأنه قيل لا تقسموا على ما تدعون من الطاعة لأن طاعتكم طاعة معروفة بأنها واقعة باللسان فقط من غير مواطأة من القلب لا يجهلها أحد من الناس ، وقيل التقدير المطلوب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها كطاعة الخلص من المؤمنين ، وقيل : { طَاعَةٌ } مبتدأ خبره محذوف أي طاعة معروفة متوسطة على قدر الاستطاعة أمثل وأولى بكم من قسكم . واختاره الزجاج ، وقيل مرفوع بفعل مقدر أي لتكن طاعة معروفة منكم ، وضعف الكل بأنه مما لا يساعده المقام والأخير بأن فيه حذف الفعل في غير موضع الحذف .
وقال البقاعي : لا تقدير في الكلام و { طَاعَةٌ } مبتدأ خبره { مَّعْرُوفَةٌ } وسوغ الابتداء بالنكرة أنها أريد بها الحقيقة فتعم والعموم من المسوغات ، ولم تعرف لئلا يتوهم أن تعريفها للعهد ، والجملة تعليل لنهي أي لا تقسموا فإن الطاعة معروفة منكم ومن غيركم لا تخفى فقد جرت سنة الله تعالى على أن العبد وإن اجتهد في إخفاء الطاعة لا بد وأن يظهر سبحانه مخايلها على شمائلها ، وكذا المعصية فلا فائدة في إظهار ما يخالف الواقع ، وفي الأحاديث ما يشهد لما ذكر ، فقد روى الطبراني عن جندب «مَا أَسَر عَبْد سريرة إلا ألبسه اله تعالى رداءها » وروى الحاكم وقال : صحيح الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله لإنسان كائناً من كان » وهذاالمعنى على ما قيل حسن لكنه خلاف الظاهر .
وقرأ زيد بن علي . واليزيدي { طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } بالنصب على تقدير تطيعون طاعة معروفة نفاقية ، وقيل أطيعوا طاعة معروفة حقيقية وطاعة بمعنى إطاعة كما في قوله تعالى : { أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً } [ نوح : 71 ] { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الأعمال الظاهرة والباطنة التي من جملتها ما تظهرونه من الأكاذيب المؤكدة بالإيمان الفاجرة وما تضمرونه من الكفر والنفاق والعزيمة على مخادعة المؤمنين وغيرها من فنون الشر والفساد والمراد الوعيد بأنه تعالى مجازيهم بجميع أعمالهم السيئة التي منها نفاقهم ، وفي الإرشاد أن الجملة تعليل للحكم بأن طاعتهم طاعة نفاقية مشعر بأن مدار شهرة أمرها فيما بين المؤمنين إخباره تعالى بذلك ووعيد لهم بالمجازاة .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وأقسموا بالله} يعني: حلفوا بالله، يعني: المنافقين {جهد أيمانهم} فإنه من حلف بالله عز وجل، فقد اجتهد في اليمين، {لئن أمرتهم} يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، {ليخرجن} من الديار والأموال كلها {قل} لهم: {لا تقسموا}: لا تحلفوا، ولكن هذه منكم {طاعة معروفة} يعني: طاعة حسنة للنبي صلى الله عليه وسلم. {إن الله خبير بما تعملون}، من الإيمان والشرك.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وحلف هؤلاء المعرِضون عن حكم الله وحكم رسوله إذ دعوا إليه "باللّهِ جَهْدَ أيمَانِهِمْ "يقول: أغلظ أيمانهم وأشدّها، "لَئِنْ أمَرْتَهُمْ" يا محمد بالخروج إلى جهاد عدوّك وعدوّ المؤمنين "لَيَخْرُجُنّ قُلْ لا تُقْسمُوا": لا تحلفوا، فإن هذه طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ منكم، فيها التكذيب... عن مجاهد، قوله: "قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ" قال: قد عُرفت طاعتكم إليّ أنكم تكذبون. "إنّ اللّهَ خَبيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" يقول: إن الله ذو خبرة بما تعملون من طاعتكم الله ورسوله، أو خلافكم أمرهما أو غير ذلك من أموركم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم بكل ذلك.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
"وأقسموا بالله جهد أيمانهم" قال بعضهم: كل يمين بالله فهو جهد اليمين لأنهم من عادتهم أنهم كانوا لا يحلفون بالله إلا في العظيم من الأمر والخطير. فأما الأمر الدون فإنما يحلفون بغيره. فيكون على هذا كل يمين بالله فهو جهد اليمين.
رُوي عن مجاهد قال: "هذه طاعة معروفة منكم بالقول لا بالاعتقاد، يخبر عن كذبهم فيما أقسموا عليه...
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
وذلك أنّ المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أينما كنت نكن معك، إن أقمت أقمنا وإن خرجت خرجنا وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فقال الله سبحانه {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} أي هذه طاعة بالقول واللسان دون الاعتقاد فهي معروفة منكم بالكذب أنكم تكذبون فيها...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أقسموا بالله غاية اليمين، ووعدوا من أنفسهم الطاعة لو أمرهم بالخروج في المستقبل، فقال: لا تَعِدُوا بما هو معلومٌ منكم ألا تفوا به؛ فطاعةٌ في الوقت أَوْلى من تسويفٍ بالوعد.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
و {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: أمركم والذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشكّ فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو طاعتكم طاعة معروفة، بأنها القول دون الفعل...
{إِنَّ الله خَبِيرٌ} يعلم ما في ضمائركم ولا يخفى عليه شيء من سرائركم، وأنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم.
{قل لا تقسموا} ولو كان قسمهم كما يجب لم يجز النهي عنه، لأن من حلف على القيام بالبر والواجب لا يجوز أن ينهى عنه، وإذا ثبت ذلك ثبت أن قسمهم كان لنفاقهم وأن باطنهم خلاف ظاهرهم، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه لا يكون إلا قبيحا.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
يقول تعالى مخبرا عن أهل النفاق، الذين كانوا يحلفون للرسول صلى الله عليه وسلم لئن أمرهم بالخروج [في الغزو] قال الله تعالى: {قُلْ لا تُقْسِمُوا} أي: لا تحلفوا. وقوله: {طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} قيل: معناه طاعتكم طاعة معروفة، أي: قد عُلمت طاعتكم، إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم...وقيل: المعنى في قوله: {طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} أي: ليكن أمركم طاعة معروفة، أي: بالمعروف من غير حَلف ولا إقسام، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم. {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة -والباطن بخلافه، وإن راج على المخلوق- فالخالق، تعالى، يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شيء من التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده، وإن أظهروا خلافها.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{طاعة} أي هذه الحقيقة {معروفة} أي منكم ومن غيركم...والمعنى أن الطاعة وإن اجتهد العبد في إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها على شمائله، وكذا المعصية لأنه "ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها "رواه الطبراني عن جندب رضي الله عنه... إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر.
تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :
{قل لا تقسموا} أي قل لهم: لا تحلفوا، فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى قسم ويمين لوضوح كذبه. ثم علل النهي عن الحلف بقوله: {طاعة معروفة} أي لا تقسموا لأن طاعتكم معروفة لنا، فهي طاعة باللسان فحسب...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والجَهْد بفتح الجيم وسكون الهاء منتهى الطاقة. ولذلك يطلق على المشقة...والتقدير: جاهدين أنفسهم، أي بالغين بها أقصى الطاقة وهذا على طريقة التجريد. ومعنى ذلك: أنهم كرّروا الأيمان وعدّدوا عباراتها حتى أتعبوا أنفسهم ليوهموا أنهم صادقون في أيمانهم. وإضافة {جهد} إلى {أيمانهم} على هذا الوجه إضافة على معنى (من)، أي جهداً ناشئاً عن أيمانهم.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} كما يفعل من يشعر في داخله بسوء موقفه، ويحس بإدراك الآخرين لخفاياه، أو بعدم ثقتهم بإخلاصه، فيبادر إلى الأيمان المغلّظة التي يطلقها بمناسبةٍ وغير مناسبةٍ، ليؤكّد صدقه بهذا الأسلوب الحاسم. وهكذا جاءوا وأقسموا الأيمان المغلظة {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} من ديارهم وأموالهم، ولكن الله أراد للرسول أن يصدمهم بقوّة، ويواجههم بالحقيقة الداخلية المظلمة التي تختفي وراء صورتهم المشرقة.. {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ} لأنكم مهما أقسمتم، فإن ذلك لن يغير من القناعة بنفاقكم، بل ربما تكون كثرة الأيمان أساساً للشك والاتهام، لأن الإنسان الواثق من صدقه وبراءته يستخدم الأسلوب الطبيعي في إثارة قضيته، ولا يبتدئ إثارتها بتقديم التأكيدات غير العادية، لأنه لا يرى ضرورة لذلك ما دام لا يجد في موقفه أساساً لأيّ شكٍّ أو اتهام. {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} أي أن طاعتكم ليست طاعةً حقيقيّةً سببها الالتزام بالرسالة والرسول، بل هي طاعةٌ ظاهريةٌ منطلقةٌ من مواقع الكذب والرياء، غرضها تفادي الإحراج، كي لا ينكشف أمركم لدى الجميع، ولكن أمركم معروف لله الذي يعرف بواطن الأشياء وخفايا الأمور.