{ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا } قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب ولا يأمركم بالنصب عطفاً على { يِقُول } [ آل عمران : 79 ] ، { وَلاَ } إما مزيدة لتأكيد معنى النفي الشائع في الاستعمال سيما عند طول العهد وتخلل الفصل ، والمعنى ما كان لبشر أن يؤتيه الله تعالى ذلك ويرسله للدعوة إلى اختصاصه بالعبادة وترك الأنداد ، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً فهو كقولك : ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي ، وإما غير زائدة بناءاً على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن عبادة الملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام فلما قيل له : أنتخذك رباً ؟ قيل لهم : ما كان لبشر أن يتخذه الله تعالى نبياً ثم يأمر الناس بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء مع أن من يريد أن يستعبد شخصاً يقول له : ينبغي أن تعبد أمثالي وأكفائي وعلى هذا يكون المقصود من عدم الأمر ، النهي ، وإن كان أعم منه لكونه أمسّ بالمقصود وأوفق للواقع ، وقرأ باقي السبعة { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بالرفع على الاستئناف ، ويحتمل الحالية ، وقيل : والرفع على الاستئناف أظهر ، وينصره قراءة { وَلَنْ * يَأْمُرُكُمْ } ووجهت الأظهرية بالخلو عن تكلف جعل عدم الأمر بمعنى النهي ، وبأن العطف يستدعي تقديمه على { لَكِنِ } وكذا الحالية أيضاً . /
وقرىء بإسكان الراء فراراً من توالي الحركات وعلى سائر القراآت ضمير الفاعل عائد على بشر ، وجوز عوده في بعضها على الله تعالى ، وجوز الأمران أيضاً في قوله تعالى : { أَيَأْمُرُكُم بالكفر } والاستفهام فيه للإنكار وكون مرجع الضمير في أحد الاحتمالين نكرة يجعله عاماً
{ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } استدل به الخطيب على أن الآية نزلت في المسلمين القائلين «أفلا نسجد لك ؟ » بناءاً على الظاهر ، ووجه كون الخطاب للكفار وأن الآية نزلت فيهم بأنه يجوز أن يقال لأهل الكتاب : { أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } أي منقادون مستعدون للدين الحق إرخاءاً للعنان واستدراجاً ، والقول بأن كل مصدق بنبيه مسلم ودعواه أنه أمره نبيه بما يوجب كفره ، دعوى أنه أمره بالكفر بعد إسلامه فدلالة هذا على أن الخطاب للمسلمين ضعيفة في غاية السقوط كما لا يخفى .
ومن باب الإشارة :{ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا } فإنها بعض مظاهره وهو سبحانه المطلق حتى عن قيد الإطلاق { أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } [ آل عمران : 80 ] أي أيأمركم بالاحتجاب برؤية الأشكال والنظر إلى الأمثال بعد أن لاح في أسراركم أنوار التوحيد وطلعت في قلوبكم شموس التفريد
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا}: عيسى، وعزير، ولو أمركم بذلك لكان كفرا، فذلك قوله: {أيأمركم بالكفر} يعني بعبادة الملائكة والنبيين، {بعد إذ أنتم مسلمون} يعني مخلصين له بالتوحيد.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وما كان للنبيّ أن يأمر الناس أن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، يعني بذلك آلهة يعبدون من دون الله، كما ليس له أن يقول لهم كونوا عبادا لي من دون الله. ثم قال جلّ ثناؤه نافيا عن نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباده بذلك: أيأمركم بالكفر أيها الناس نبيكم بجحود وحدانية الله بعد إذ أنتم مسلمون، يعني بعد إذ أنتم له منقادون بالطاعة متذللون له بالعبودية، أي إن ذلك غير كائن منه أبدا.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا} لأنهم يقولون: إن الله أمرهم بذلك كقوله تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} [الأعراف: 28]...
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
{أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ}: على ظهر التعجّب والإنكار، يعني: لا يفعل هذا...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين، وهم الذين أستأذنوه أن يسجدوا له.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً}.
المعنى: ولا آمرُ الْخَلْقَ أنْ يتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً يعبدونهم؛ لأنَّ اللهَ سبحانه لا يأمر بالكُفْر مَنْ أسلم فعلاً، ولا يأمر بالكُفْر ابتداء؛ لأنه محال عقلاً، فلما لم يتقدر ولا تصوّر لم يتعلق به أمر...
المسألة الثانية: قال الزجاج: ولا يأمركم الله، وقال ابن جريج: لا يأمركم محمد، وقيل: لا يأمركم الأنبياء بأن تتخذوا الملائكة أربابا كما فعلته قريش.
المسألة الثالثة: إنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا من أهل الكتاب بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح وعزير، فلهذا المعنى خصهما بالذكر.
ثم قال تعالى: {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} وفيه ومسائل:
المسألة الثالثة: قال الجبائي: الآية دالة على فساد قول من يقول: الكفر بالله هو الجهل به والإيمان بالله هو المعرفة به، وذلك لأن الله تعالى حكم بكفر هؤلاء، وهو قوله تعالى: {أيأمركم بالكفر} ثم إن هؤلاء كانوا عارفين بالله تعالى بدليل قوله {ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله} وظاهر هذا يدل على معرفته بالله فلما حصل الكفر ههنا مع المعرفة بالله دل ذلك على أن الإيمان به ليس هو المعرفة والكفر به تعالى ليس هو الجهل به.
والجواب: أن قولنا الكفر بالله هو الجهل به لا نعني به مجرد الجهل بكونه موجودا بل نعني به الجهل بذاته وبصفاته السلبية وصفاته الإضافية أنه لا شريك له في المعبودية، فلما جهل هذا فقد جهل بعض صفاته.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
في هذه الآية دلالة على أن المخاطبين كانوا مسلمين، ودلالة على أن الكفر ملة واحدة، إذ الذين اتخذوا الملائكة أرباباً ثم الصابئة وعبدة الأوثان، والذين اتخذوا النبيين أرباباً هم اليهود والنصارى والمجوس، ومع هذا الاختلاف سمى الله الجميع "كفراً".
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما نفى أن يكون الحكيم من البشر داعياً إلى نفسه وأثبت أنه يكون ولا بد داعياً إلى الله سبحانه وتعالى لتظهر حكمته أثبت أن ذلك لا بد وأن يكون على وجه الإخلاص، لأن بعض الشياطين يحكم مكره بإبعاد التهمة عن نفسه بالدعاء إلى غيره على وجه الشرك لا سيما إن كان ذلك الغير ربانياً كعيسى عليه الصلاة والسلام فقال: {ولا يأمركم} أي ذلك البشر {أن تتخذوا} أتى بصيغة الافتعال إيذاناً بأن الفطر مجبولة على التوجه لله سبحانه وتعالى من غير كلفة، {الملائكة والنبيين} فضلاً عن غيرهم {أرباباً} أي مع الله سبحانه وتعالى أو من دونه، ثم بين أن كل عبادة كان فيها أدنى شائبة فهي باطلة بقوله على طريق الإنكار تبرئة لعباده الخلص من مثل ذلك: {أيأمركم بالكفر} إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى غني، لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه {بعد إذ أنتم مسلمون} أي منقادون لأحكامه، أو متهيئون للتوحيد على الفطرة الأولى.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
قال الأستاذ الإمام: معناه أنه ما كان للمسيح أن يأمر أهل الكتاب الذي بعث فيهم بعبادته بعد إذ كانوا موحدين بمقتضى ما جاءهم به موسى، وحمله أكثر من عرفنا من المفسرين على جواب من طلب السجود للنبي صلى الله عليه وسلم بناء على أنهم هم المسلمون دون غيرهم، وقد نسوا هنا أن الإسلام في عرف القرآن هو دين جميع الأنبياء كما أنه دين الفطرة.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
في الواقع، إنّ من أساليب تمييز «دعاة الحقّ» عن «دعاة الباطل» هو هذا؛ فدعاة الحقّ ـ وعلى رأسهم الأنبياء ـ كانوا وهم في قمّة السلطة، كما كانوا قبل أن تكون لهم أيّة سلطة، يدعون إلى الأهداف الدينية المقدّسة والإنسانية والتوحيد والحرّية. أمّا دعاة الباطل، فإنّ أوّل ما يبادرون إليه عند وصولهم السلطة هو الدعوة لأنفسهم وحثّ الناس على نوع من عبادتهم، نتيجة تملّق الناس الضعفاء المحيطين بهم، وكذلك نتيجة ضيق أُفقهم وغرورهم...