تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (84)

ثم أمطرنا عليهم حجارةً مدمّرة ، ومادَت الأرض بالزلازل من تحتِهم ، فانظُر أيها المعتبِر كيف كانت عاقبة المجرمين .

قال الإمام ابنُ القيّم في زاد المعاد : هذا لم تكن تعرفُه العرب ، ولم يُرفع إليه حديث صحيح في ذلك . لكنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «اقتُلوا الفاعل والمفعول به » .

رواه أهل السنن الأربعة بإسناد صحيح وقال الترمذي : حسنٌ صحيح ، وحكم به أبو بكر الصدّيق ، وكتب به إلى خالد بن الوليد ، بعد مشاورة الصحابة . وكان عليُّ كرّم الله وجهه أشدَّهم في ذلك .

وقد طعن ابن حَجَر في هذه الأحاديث وقال : إنها ضعيفة . ولذلك يجب على الحاكم أن يتحرّى جيدا ، فإن عقوبة القتلِ أعظمُ الحدود ، فلا يؤخَذُ فيها إلا بالصحيح القاطع من كتابٍ أو سُنّة متواتِرةٍ أو إجماع .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (84)

{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } أي نوعاً من المطر عجيباً وقد بينه قوله سبحانه : { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } [ الحج : 74 ] . وفي «الخازن » أن تلك الحجارة كانت معجونة بالكبريت والنار . وظاهر الآية أنه أمطر عليهم كلهم . وجاء في بعض الآثار أنه خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم حتى أن تأجرا منهم كان في الحرم فوقفت له حجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع غليه . وفرق بين مطر وأمطر فعن أبي عبيدة أن الثلاثي في الرحمة والرباعي في العذاب ومثله عن الراغب ، وفي «الصحاح » عن أناس أن مطرت السماء وأمطرت بمعنى ، وفي «القاموس » ( لا يقال أمطرهم الله تعالى إلا في العذاب ) . وظاهر كلام «الكشاف » في الأنفال ( 23 ) الترادف كما في «الصحاح » لكنه قال : ( وقد كثر الإمطار في معنى العذاب ) وذكر هنا أنه يقال : ( مطرتهم السماء وواد ممطور ويقال : أمطرت عليهم كذا أي أرسلته ( عليهم ) إرسال المطر ) . وحاصل الفرق كما في «الكشف » ملاحظة معنى الإصابة في الأول والإرسال في الثاني ولهذا عدي بعلى ، وذكر ابن المنير ( أن مقصود الزمخشري الرد على من يقول : إن مطرت في الخير وأمطرت في الشر ويتوهم أنها تفرقة وضعية فبين أن أمطرت معناه أرسلت شيئاً على نحو المطر وإن لم يكن ماءً حتى لو أرسل الله تعالى من السماء أنواعاً من الخير *** لجاز أن يقال فيه : أمطرت السماء خيراً أي أرسلته إرسال المطر فليس للشر خصوصية في هذه الصيغة الرباعية ولكن اتفق أن السماء لم ترسل شيئاً سوى المطر إلا وكان عذاباً فظن أن الواقع اتفاقاً مقصود في الوضع ) ( وليس به انتهى ) . ويعلم منه كما قال الشهاب أن كلام أبي عبيدة وأضرابه مؤول وإن رد بقوله تعالى : { عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } [ الأحقاف : 24 ] فإنه عنى به الرحمة . ولا يخفى أنه لو قيل : إن التفرقة الاستعمالية إنما هي بين الفعلين دون متصرفاتهما لم يتأت هذا الرد إلا أن كلامهم غير صريح في طلك ، ولعل البعض صرح بما يخالفه ثم ان { مَّطَرًا } إما مفعول به أو مفعول مطلق .

{ فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين } أي مآل أولئك الكافرين المقترفين لتلك الفعلة الشنعاء . وهذا خطاب لكل من يتأتى منه التأمل والنظر تعجيباً من حالهم وتحذيراً من أفعالهم . وقد مكث لوط عليه السلام فيهم على ما في بعض الآثار ثلاثين سنة يدعوهم إلى ما فيه صلاحهم فلم يجيبوه وكان إبراهيم عليه السلام يركب على حماره فيأتيهم وينصحهم فيأبون أن يقبلوا فكان يأتي بعد أن أيس منهم فينظر إلى سدوم ويقول سدوم أي يوم لك من الله تعالى سدوم حتى بلغ الكتاب أجله فكان ما قص الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم .

وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك . ثم إن لوطاً عليه السلام كما أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن الزهري لما عذب قومه لحق بإبراهيم عليه السلام فلم يزل معه حتى قبضه الله تعالى إليه .

وفي هذه الآيات دليل على أن اللواطة من أعظم الفواحش . وجاء في خبر أخرجه البيهقي في «الشعب » عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وصححه الحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله تعالى سبعة من خلقه فوق سبع سموات فردد لعنة على واحد منها ثلاثاً ولعن بعد كل واحد لعنة فقال : ملعون ملعون ملعون من عمل عمل قول لوطِ " الحديث . وجاء أيضاً ( أربعة يصبحون في غضب الله تعالى ) ويمسون في سخط الله تعالى وعد منهم من يأتي الرجل . وأخرج ابن أبي الدنيا وغيره عن مجاهد رضي الله تعالى عنه أن الذي يعمل ذلك العمل لو اغتسل بكل قطرة من السماء وكل قطرة من الأرض لم يزل نجساً أي إن الماء لا يزيل عنه ذلك الإثم العظيم الذي بعده عن ربه . والمقصود تهويل أمر تلك الفاحشة . وألحق بها بعضهم السحاق وبدا أيضاً في قوم لوط عليه السلام فكانت المرأة تأتي المرأة فعن حذيفة رضي الله تعالى عنه إنما حق القول على قوم لوط عليه السلام حين استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال . وعن أبي حمزة رضي الله تعالى عنه قلت لمحمد بن علي عذب الله تعالى نساء قوم لوط بعمل رجالهم فقال : الله تعالى أعدل من ذلك استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء . وآخرون إتيان المرأة في عجيزتها واستدل بما أخرج غير واحد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال على المنبر : سلوني ؟ فقال ابن الكواء : تؤتى النساء في أعجازهن ؟ فقال كرم الله تعالى وجهه : سفلت سفل الله تعالى بك ألم تسمع قوله تعالى : { أَتَأْتُونَ الفاحشة } [ الأعراف : 80 ] الآية . ولا يخفى أن ذلك لا يتم إلا بطريق القياس وإلا فالفاحشة في الآية مبينة بما علمت . نعم جاء في آثار كثيرة ما يدل على حرمة إتيان الزوجة في عجيزتها والمسألة كما تقدم خلافية والمعتمد فيها الحرمة .

ولا فرق في اللواطة بين أن تكون بمملوك أو تكون بغيره . واختلفوا في كفر مستحل وطء الحائض ووطء الدبر . وفي «التتارخانية » نقلاً عن «السراجية » اللواطة بمملوكه أو مملوكته أو امرأته حرام إلا أنه لو استحله لا يكفر وهذا بخلاف اللواطة بأجنبي فإنه يكفر مستحلها قولاً واحداً . وما ذكر مما يعلم ولا يعلم كما في «الشرنبلالية » لئلا يتجرأ الفسقة عليه بظنهم حله .

واختلف في حد اللواطة فقال الإمام : لا حد بوطء الدبر مطلقاً وفيه التعزير ويقتل من تكرر منه على المفتى به كما في «الأشباه » .

والظاهر على ما قال البيري أنه يقتل في المرة الثانية لصدق التكرار عليه . وقال الإمامان : إن فعل في الأجانب حد كحد الزنا وإن في عبده أو أمته أو زوجته بنكاح صحيح أو فاسد فلا حد إجماعاً كما في «الكافي » وغيره بل يعزر في ذلك كله ويقتل من اعتاده . وفي «الحاوي القدسي » وتكلموا في هذا التعزير من الجلد ورميه من أعلى موضع وحبسه في أنتن بقعة وغير ذلك سوى الإخصاء والجب والجلد أصح . وفي «الفتح » يعزر ويسجن حتى يموت أو يتوب ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حد اللواطة القتل للفاعل والمفعول ورواه مرفوعاً ، وفي رواية أخرى عنه أنه سئل ما حد اللوطي فقال : ينظر أعلى بناء في القرية فيلقى منه منكسا ثم يتبع بالحجارة . قال في «الفتح » وكأن مأخذ هذا أن قوم لوط أهلكوا بذلك حيث حملت قراهم ونكست بهم ولا شك في اتباع الهدم بهم وهم نازلون . وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه رجم لوطياً وهو أشبه شيء بما قص الله تعالى من إهلاك قوم لوط عليه السلام بإمطار الحجارة عليهم .

وصححوا أنها لا تكون في الجنة لأنه سبحانه استقبحها وسماها فاحشة والجنة منزهة عن ذلك . وفي الأشباه أن حرمتها عقلية فلا وجود لها في الجنة ، وقيل : سمعية فتوجد أي فيمكن أن توجد . وكأنه أراد بالحرمة هنا القبح إطلاقاً لاسم السبب على المسبب أي أن قبحها عقلي بمعنى أنه يدرك بالعقل وإن لم يرد به الشرع . وليس هذا مذهب المعتزلة كما لا يخفى . ونقل الجلال السيوطي عن ابن عقيل الحنبلي قال : جرت هذه المسألة بين أبي علي بن الوليد المعتزلي وبين أبي يوسف القزويني فقال ابن الوليد : لا يمنع أن يجعل ذلك من جملة اللذات في الجنة لزوال المفسدة لأنه إنما منع في الدنيا لما فيه من لطع النسل وكونه محلاً للأذى وليس في الجنة ذلك ولهذا أبيح شرب الخمر لما ليس فيه من السكر والعربدة وزوال العقل بل اللذة الصرفة فقال أبو يوسف رضي الله تعالى عنه : الميل إلى الذكور عاهة وهو قبيح في نفسه لأنه محل لم يخلق للوطء ولهذا لم يبح في شريعة بخلاف الخمر فقال ابن الوليد : هو قبيح وعاهة للتلويث بالأذى ولا أذى في الجنة فلم يبق إلا مجرد الالتذاذ انتهى . وأنا أرى أن إنكار قبح اللواطة عقلاً مكابرة ولهذا كانت الجاهلية تعير بها ويقولون في الذم فلان مصفر استه ولا أدري هل يرضى ابن الوليد لنفسه أن يؤتى في الجنة أم لا ؟ فإن رضي اليوم أن يؤتي غدا فغالب الظن أن الرجل مأبون أو قد ألف ذلك وإن لم يرض لزمه الإقرار بالقبح العقلي .

وإن ادعى أن عدم رضائه لأن الناس قد اعتادوا التعيير به وذلك مفقود في الجنة قلنا له : يلزمك الرضا به في الدنيا إذا لم تعير ولم يطلع عليك أحد فإن التزمه فهو كما ترى ؛ ولا ينفعه ادعاء الفرق بين الفاعل والمفعول كما لا يخفى على الأحرار .

وصرحوا بأن حرمة اللواطة أشد من حرمة الزنا لقبحها عقلاً وطبعاً وشرعاً والزنا ليس بحرام كذلك وتزول حرمته بتزويج وشراء بخلافها وعدم الحد عند الإمام لا لخفتها بل للتغليظ لأنه مطهر على قول كثير من العلماء وإن كان خلاف مذهبنا ، وبعض الفسقة اليوم دمرهم الله تعالى يهونون أمرها ويتمنون بها ويفتخرون بالاكثار منها . ومنهم من يفعلها أخذاً للثأر ولكن من أين ، ومنهم من يحمد الله سبحانه عليها مبنية للمفعول وذلك لأنهم نالوا الصدارة بأعجازهم ؛ نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة . واعلم أن للواطة أحكاماً أخر فقد قالوا : إنه لا يجب بها المهر ولا العدة في النكاح الفاسد ولا في المأتي بها لشبهة ولا يحصل بها التحليل للزوج الأول ولا تثبت بها الرجعة ولا حرمة المصاهرة عند الأكثر ولا الكفارة في رمضان في رواية ولو قذف بها لا يحد ولا يلاعن خلافاً لهما في المسألتين كما في «البحر » أخذاً من «المجتبى » . وفي «الشرنبلالية » عن «السراج » يكفي في الشهادة عليها عدلان لا أربعة خلافاً لهما أيضاً .

هذا ولم أقف للسادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم على ما في قصة قوم لوط عليه السلام .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (84)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وأمطرنا عليهم} الحجارة من فوقهم {مطرا}، {فساء مطر المنذرين} (الشعراء: 173، النمل: 58}، يعني فبئس مطر الذين أنذروا العذاب، {فانظر} يا محمد، {كيف كان عاقبة المجرمين}، يعني قوم لوط، كان عاقبتهم الخسف والحصب بالحجارة.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وأمطرنا على قوم لوط الذين كذّبوا لوطا ولم يؤمنوا به مطرا من حجارة من سجيل أهلكناهم به.

" فانُظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ": يقول جلّ ثناؤه: فانظر يا محمد إلى عاقبة هؤلاء الذين كذّبوا الله ورسوله من قوم لوط، فاجترموا معاصي الله وركبوا الفواحش واستحلوا ما حرّم الله من أدبار الرجال، كيف كانت وإلى أي شيء صارت هل كانت إلا البوار والهلاك؟ فإن ذلك أو نظيره من العقوبة، عاقبة من كذّبك واستكبر عن الإيمان بالله وتصديقك إن لم يتوبوا، من قومك...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} هذا الخطاب جائز أنه ليس لرسول الله خاصة، ولكن لكل أحد أمر بالنظر في ما حل بالأمم السالفة بتكذيبهم الرسل وعنادهم ليكونوا على حذر من صنيعهم لئلا يحل بهم ما حل بأولئك، وجائز أن يكون الخطاب لرسوله خاصة. فإن كان له كان أمره أن ينظر في عاقبة المجرمين ليرحمهم ولا يدعو عليهم بالهلاك والعذاب.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

العاقبة: آخر ما تؤدي إليه التأدية، وأصله كون الشيء في أثر الشيء، ومنه العقاب، لأنه يستحق عقيب الذنب. والإجرام: اقتراف السيئة، أجرم إجراما اذا أذنب، والجرم: الذنب، وأصله القطع، فالمجرم منقطع عن الحسنة إلى السيئة. وفائدة الآية الإخبار عن سوء عاقبة المجرمين بما أنزل عليهم عاجلا من عذاب الاستئصال قبل عذاب الآخرة بالنيران.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ظاهر هذا اللفظ وإن كان مخصوصا بالرسول عليه السلام إلا أن المراد سائر المكلفين ليعتبروا بذلك فينزجروا. فإن قيل: كيف يعتبرون بذلك، وقد أمنوا من عذاب الاستئصال؟ قلنا: إن عذاب الآخرة أعظم وأدون من ذلك، فعند سماع هذه القصة يذكرون عذاب الآخرة مؤنبة على عذاب الاستئصال، ويكون ذلك زجرا وتحذيرا...

تقدير الآية: فانظر كيف أمطر الله الحجارة على من يعمل ذلك العمل المخصوص، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب، يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، فهذه الآية تقتضي كون هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص، وإذا ظهرت العلة، وجب أن يحصل هذا الحكم أينما حصلت هذه العلة...

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

{فانظر كيف كان عاقبة المجرمين}: عام في قوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم وهو من نظر التفكر أو من نظر البصر فيمن بقيت له آثار منازل ومساكن كثمود وقوم لوط كما قال تعالى.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} الخطاب لكل من يسمع القصة أو يقرأها من أهل النظر والاعتبار والمراد أن يعلم أن عاقبة القوم المجرمين لا تكون إلا وبالا وعقابا فإن الأمم تعاقب على ذنوبها في الدنيا قبل الآخرة باطراد. وقد بينا من قبل أن عقابها إما أن يكون أثرا طبيعيا للذنب كالترف والسرف في الفسق يفسد أخلاق الأمة ويذهب ببأسها أو يجعله بينها شديدا بتفرق كلمتها واختلاف أحزابها وتعاديهم، فيترتب على ذلك تسلط أمة أخرى عليها تستذلها بسلب استقلالها، وتسخيرها في منافعها، حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين بذهاب مقوماتها ومشخصاتها، أو اندغامها في الأمة الغالبة أو انقراضها، وإما أن يكون بما يحدث بسنن الله تعالى في الأرض من الجوائح الطبيعية كالزلازل والخسف وإمطار النار والمواد المصطهرة التي تقذفها البراكين من الأرض والأوبئة او الانقلابات الاجتماعية كالحروب والثورات والفتن. وهنالك نوع ثالث وهو ما كان من آيات الرسل (ع. م) وقد انقضى زمانه بختمهم بنبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم راجع تفسير {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} (الأنعام 65) (ج 7).

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... وتفرّع عن هذه القصّة العجيبة الأمرُ بالنّظر في عاقبتهم بقوله: {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} فالأمر للإرشاد والاعتبار. والخطاب يجوز أن يكون لغير مُعَيَّن بل لكلّ من يتأتَّى منه الاعتبار، كما هو شأن إيراد التّذييل بالاعتبار عقب الموعظة، لأنّ المقصود بالخطاب كلّ من قصد بالموعظة، ويجوز أن يكون الخطاب للنّبيء صلى الله عليه وسلم تسلية له على ما يلاقيه من قومه الذين كذّبوا بأنّه لا ييأس من نصر الله، وأنّ شأن الرّسل انتظار العواقب.

والمجرمون فاعلوا الجريمة، وهي المعصية والسيّئة، وهذا ظاهر في أنّ الله عاقبهم بذلك العقاب على هذه الفاحشة، وأنّ لوطاً عليه السّلام أرسل لهم لنهيهم عنها، لا لأنّهم مشركون بالله، إذ لم يُتعرّض له في القرآن بخلاف ما قُصّ عن الأمم الأخرى، لكنّ تمالأهم على فعل الفاحشة واستحلالهم إياها يدلّ على أنّهم لم يكونوا مؤمنين بالله، وبذلك يؤذن قوله تعالى في سورة التّحريم (10): {ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط} فيكون إرسال لوط عليه السّلام بإنكار تلك الفاحشة ابتداء بتطهير نفوسهم، ثمّ يصف لهم الإيمان، إذ لا شكّ أنّ لوطاً عليه السّلام بلّغهم الرّسالة عن الله تعالى، وذلك يتضمّن أنّه دعاهم إلى الإيمان، إلاّ أنّ اهتمامه الأوّل كان بإبطال هذه الفاحشة، ولذلك وقع الاقتصار في إنكاره عليهم ومجادلتهم إياه على ما يخصّ تلك الفاحشة، وقد علم أنّ الله أصابهم بالعذاب عقوبة، على تلك الفاحشة، كما قال في سورة العنكبوت: (34): {إنَّا مُنزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السّماء بما كانوا يفسقون وأنّهم لو أقلعوا عنها لتُرك عذابهم على الكفر إلى يوم آخَر أو إلى اليومِ الآخِر.}

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وفي آخر آية من الآيات إشارة قصيرة جداً ولكن ذات مغزى ومعنى عميق إلى العقوبة الشديدة والرهيبة التي حلّت بهؤلاء القوم، إذ قال تعالى: (وأمطرنا عليهم مطراً) أيّ مطر... إنّه كان مطراً عجيباً حيث انهالت عليهم الشهب والنيازك كالمطر وأبادتهم عن آخرهم!!.

إنّ هذه الآية وإن لم تبيّن نوع المطر الذي نزل على القوم، ولكن من ذكر لفظة «المطر» بصورة مجملة اتضح أنّ ذلك المطر لم يكن مطراً عادياً، بل كان مطراً من الحجارة، كما سيأتي في سورة هود الآية (83).

(فانظر كيف كان عاقبة المجرمين).

إنّ هذا الخطاب وإن كان موجهاً إلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنّه من الواضح أنّ الهدف هو اعتبار جميع المؤمنين به.

هذا وسيأتي تفصيل قصّة هذه الجماعة، وكذا مضار اللواط المتعددة، وحكمه في الشريعة الإسلامية، عند تفسير آيات سورة «هود» و«الحجر».