تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (150)

وبعد أن نفى عنهم العلم وسجّل عليهم اتّباع الهوى ، أمَر رسوله الكريم أن يطالب المشركين بإحضار من عساهم يعتمدون عليه من الشهداء في إثبات ما ادّعوه فقال :

{ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا } .

هاتوا أنصاركم الذين يشهدون لكم أن الله حرم هذا الذي زعمتم أنه حرام . فإن حضروا وشهدوا ، فلا تصدِّقهم يا محمد ، لأنهم كاذبون . وإياك أن تتّبع أهواء هؤلاء الذين كذّبوا بالأدلة الكونية والقرآن المتلُو ، والذين لا يؤمنون بالآخرة ، كما يشركون بالله ، ويتخذون له مثيلاً يشاركه في قدرته .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (150)

{ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ } أي أحضروهم للشهادة هو اسم فعل لا يتصرف عند أهل الحجاز وفعل يؤنث ويثنى ويجمع عند بني تميم وهو مبني على ما اشتهر من أن ما ذكر من خصائص الأفعال . وعن أبي علي الفارسي أن الضمائر قد تتصل بالكلمة وهي حرف كليس أو اسم فعل كهات لمناسبتها للأفعال . وعلى هذا تكون { هَلُمَّ } اسم فعل مطلقاً كما في «شرح التسهيل » وعليه الرضي حيث قال : وبنو تميم يصرفونه فيذكرونه ويؤنثونه ويجمعونه نظراً إلى أصله . وأصله عند البصريين هالم من لم إذا قصد حذفت الألف لتقدير السكون في اللام لأن أصله المم وعند الكوفيين هل أم فنقلت ضمة الهمزة إلى اللام وحذفت كما هو القياس ، واستبعد بأن هل لا تدخل الأمر . ودفع بما نقله الرضي عنهم من أن أصل هل أم هلا أم وهلا كلمة استعجال بمعنى أسرع فغير إلى هل لتخفيف التركيب ثم فعل به مافعل . ويكون متعدياً بمعنى أحضر وائت ولازماً بمعنى أقبل كما في قوله تعالى : { هَلُمَّ إِلَيْنَا } [ الأحزاب : 18 ] ) .

{ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا } وهم كبراؤهم الذين أسسوا ضلالهم . والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم وإظهار أن لا متمسك لهم كمقلديهم ولذلك قيد الشهداء بالإضافة ووصفوا بما يدل على انهم شهداء معرفون بالشهادة لهم وبنصر مذهبهم . وهذا إشارة إلى ما حرموه من الأنعام على ما حكته الآيات السابقة .

/ وقال مجاهد : إشارة إلى البحائر والسوائب { فَإِن شَهِدُواْ } أي أولئك الشهداء المعرفون بالباطل بعد ما حضروا بأن الله حرم هذا { فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } أي فلا تصدقهم فإنه كذب بحت وبين لهم فساده لأن تسليمه منهم موافقة لهم في الشهادة الباطلة والسكوت قد يشعر بالرضا ، وإرادة هذا المعنى من ( لا تشهد ) إما على سبيل الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل من ذكر اللازم وإرادة الملزوم لأن الشهادة من لوازم التسليم أو الكناية أو هو من باب المشاكلة ، ومن الناس من زعم أن ضمير { شَهِدُواْ } للمشركين أي فإن لم يجدوا شاهداً يشهد بذلك فشهدوا بأنفسهم لأنفسهم فلا تشهد وهو في غاية البعد ، وأبعد منه بل هو للفساد أقرب قول من زعم أن المراد هلم شهداءكم من غيركم فإن لم يجدوا ذلك لأن غير العرب لا يحرمون ما ذكر وشهدوا بأنفسهم فلا تصدقهم .

{ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين كَذَّبُواْ بآياتنا } من وضع المظهر موضع المضمر للإيماء إلى أن مكذب الآيات متبع الهوى لا غير وأن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقاً بها ، والخطاب قيل لكل من يصلح له . وقيل : لسيد المخاطبين والمراد أمته . { والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } كعبدة الأوثان عطف على الموصول الأول بطريق عطف الصفة على الصفة مع اتحاد الموصوف فإن من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس ، وزعم بعضهم أن المراد بالموصول الأول المكذبون مع الإقرار بالآخرة كأهل الكتابين وبالموصول الثاني المكذبون مع إنكار الآخرة ولا يخفى ما فيه { وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ } أي يجعلون له عديلاً أي شريكاً فهو كقوله تعالى :

{ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } [ النحل : 100 ] وقيل : يعدلون بأفعاله عنه سبحانه وينسبونها إلى غيره عز وجل ، وقيل : يعدلون بعبادتهم عنه تعالى ، والجملة عطف على { لاَ يُؤْمِنُونَ } والمعنى لا تتبع الذين يجمعون بين التكذيب بالآيات والكفر بالآخرة والإشراك بربهم عز وجل لكن لا على أن مدار النهي الجمع المذكور بل على أن أولئك جامعون لها متصفون بها ، وقيل : الجملة في موضع الحال من ضمير { لاَ يُؤْمِنُونَ } .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (150)

ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يطالب المشركين بإحضار من يشهد لهم بأن الله قد حرم عليهم ما زعموا تحريمه من الحرث والأنعام وغيرها فقال :

{ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا } .

هلم : لفظ يقصد به الدعوة إلى الشىء ، وهى اسم فعل بمعنى أقبل إذا كان لازما ، وبمعنى أحضر وائت إذا كان متعديا كما هنا ، ويستوى فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث فى لغة الحجازين .

أى : أحضروا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم عليكم هذا الذى زعمتم تحريمه ، وهم كبراؤهم الذين أسسوا ضلالهم .

والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم الحجة ، وإظهار أنه لا متمسك لهم كمقلدين ، ولذلك قيد الشهداء بالإضافة ، ووصفوا بما يدل على أنهم شهداء معروفون بالشهادة لهم وبنصر مذهبهم .

ثم قال - سبحانه - { فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } أى : فإن فرض إحضار هؤلاء الشهود الذين عرفوا بضلالهم فلا تصدقهم ولا تقبل شهادتهم ولا تسلمها لهم بالسكوت عليها فإن السكوت عن الباطل فى مثل هذا المقام كالشهادة به وإنما عليك أن تبين لهم بطلان زعمهم بواسطة ما آتاك الله من حجج وبينات .

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف أمره باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أن الله حرم ما زعموه محرما ثم أمره بأن لا يشهد معهم ؟ قلت : أمره باستحضارهم وهم شهداء بالباطل ليلزمهم الحجة ويلقمهم الحجر ، ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شىء لتساوى أقدام الشاهدين والمشهود لهم فى أنهم لا يرجعون إلى ما يصح التمسك به . وقوله { فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } يعنى فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم ، لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهيد معهم مثل شهادتهم وكان واحدا منهم .

ثم قال - سبحانه - { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا } أى : ولا تتبع أهواء هؤلاء الناس الذين كذبوا بآياتنا التى أنزلها الله عليك لتكون هداية ونورا لقوم يعقلون ، فإن شهادتهم - إن وقعت - فإنما هى صادرة عن هوى وضلال .

ولم يقل - سبحانه - ولا تتبع أهواءهم بل قال : ولا تتبع أهواء الذين كذبوا ، فوضع الظاهر موضع الضمير لبيان أن المكذب بهذه الآيات والحجج الظاهرة إمعانا فى التمسك بتقاليده الباطلة ، إنما هو صاحب هوى وظن لا صاحب علم وحجة .

وقوله { والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } عطف على الموصوف قبله لتعدد صفاتهم القبيحة .

أى : ولا تتبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله ، وبني الكفر بالآخرة ، وبين جعلهم لله عديلا أى شريكا مع أنه - سبحانه - هو الخالق لكل شىء ، لأن هذه الصفات لا تؤهلهم لشهادة حق ، ولا للثقة بهم ، وإنما للاحتقار فى الدنيا ، ولسوء العذاب فى الآخرة .

وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حكت فى بضع عشرة آية جانبا من رذائل المشركين وسخف تقاليدهم وعبث أهوائهم وفساد معاذيرهم وبطلان شبهاتهم وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويبطل حجتهم ، فيما أحلوه وحرموه فى شأن النذور والذبائح والمطاعم والمشارب وغير ذلك مما حكته الآيات الكريمة .