عذاب الحريق : عذاب النار في الآخرة .
بعد أن بيّن الله تعالى حال هؤلاء الكفار في خروجهم إلى قتال المؤمنين بَطَراً ورياءً ، وتزيينَ الشيطان لهم أعمالَهم ، قفّى على ذلك بذِكر أحوالهم حين موتهم وبيان العذاب الذي ينالونه عندئذٍ . ثم ذكر أن الملائكة تأخذ الذين كفروا بالتعذيب والتأنيب حين يقبضون أرواحهم بصورة منكرة ، ويؤذونهم أذى مهينا ، جزاء على البطر والاستكبار . ويذكر في أثناء هذا العرض أن أخْذ الكفار بتكذيبهم سنّةٌ ماضية . وأنه كذلك أخَذ فرعون .
ولو ترى أيها الرسول ذلك الهول الخطير ينزل بهؤلاء الكفار حين تتوفاهم الملائكة لرأيتهم يضربون وجوههم وظهورهم ، ويقولون لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذّبون .
قرأ ابن عامر : «إذ تتوفَّى » بتائين . والباقون : «يَتَوفى » بالياء .
{ وَلَوْ تَرَى } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن له حظ من الخطاب ، والمضارع هنا بمعنى الماضي لأن { لَوْ } الامتناعية ترد المضارع ماضياً كما أن إن ترد الماضي مضارعاً ، أي ولو رأيت { إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة } الخ لرأيت أمراً فظيعاً ، ولا بد عند العلامة من حمل معنى المضي هنا على الفرض والتقدير ، وليس المعنى على حقيقة المضي ، قيل : والقصد إلى استمرار امتناع الرؤية وتجدده وفيه بحث ، وإذ ظرف لترى والمفعول محذوف ، أي ولو ترى الكفرة أو حالهم حينئذٍ ، و { الملائكة } فاعل يتوفى ، وتقديم المفعول للاهتمام به ، ولم يؤنث الفعل لأن الفاعل غير حقيقي التأنيث ، وحسن ذلك الفصل بينهما ، ويؤيد هذا الوجه قراءة ابن عامر { *تتوقى } بالتاء . وجوز أبو البقاء أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى ، والملائكة على هذا مبتدأ خبره جملة { الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ } والجملة الاسمية مستأنفة ، وعند أبي البقاء في موضع الحال ، ولم يحتج إلى الواو لأجل الضمير ، ومن يرى أنه لا بد فيها من الواو وتركها ضعيف يلتزم الأول ، وعلى الأول يحتمل أن يكون جملة يضربون مستأنفة وأن تكون حالاً من الفاعل أو المفعول أو منهما لاشتمالها على ضميريهما وهي مضارعية يكتفي فيها بالضمير كما لا يخفى . والمراد من وجوههم ما أقبل منهم ، ومن قوله سبحانه : { وأدبارهم } ما أدبر وهو كل الظهر . وعن مجاهد أن المراد منه أستاههم ولكن الله تعالى كريم يكنى والأول أولى ، وذكرهما يحتمل أن يكون للتخصيص بهما لأن الخزي والنكال في ضربهما أشد ويحتمل أن يراد التعميم على حد قوله تعالى : { بالغدو والاصال } [ الأعراف : 205 ] لأنه أقوى ألماً ، والمراد من الذين كفروا قتلى بدر كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره .
وروي عن الحسن أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك فقال عليه الصلاة والسلام : ذلك ضرب الملائكة . وفي رواية عن ابن عباس ما يشعر بالعموم . فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال : آيتان يبشر بهما الكافر عند موته وقرأ { وَلَوْ تَرَى } الخ ، ولعل الرواية عنه رضي الله تعالى عنه لم تصح { وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } عطف على { يَضْرِبُونَ } بإضمار القول ، أي ويقولون ذوقوا ، أو حال من ضميره كذلك أي ضاربين وجوههم وقائلين ذوقوا ، وهو على الوجهين من قول الملائكة ، والمراد بعذاب الحريق عذاب النار في الآخرة ، فهو بشارة لهم من الملائكة بما هو أدهى وأمر مما هم فيه ، وقيل كان مع الملائكة يوم بدر مقامع من حديد كلما ضربوا المشركين بها التهبت النار في جراحاتهم ، وعليه فالقول للتوبيخ ، والتعبير بذوقوا قيل : للتهكم لأن الذوق يكون في المطعومات المستلذة غالباً ، وفيه نكتة أخرى وهو أنه قليل من كثير وأنه مقدمة كأنموذج الذائق . وبهذاالاعتبار يكون فيه المبالغة ، وإن أشعر الذوق بقلته .
وذكر بعضهم : وهو خلاف الظاهر أنه يحتمل أن يكون هذا القول من كلام الله تعالى كماف ي آل عمران { وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } [ آل عمران : 181 ] وجواب { لَوْ } محذوف لتفظيع الأمر وتهويله وتقديره ما أشرنا إليه سابقاً ، وقدره الطيبي لرأيت قوة أوليائه ونصرهم على أعدائه
( ومن باب الإشارة ) :{ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ } وهم الذين غلبت عليهم صفات النفس { الملائكة } أي ملائكة القهر والعذاب { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ } لإعراضهم عن عالم الأنوار ومزيد الكبر والعجب { وأدبارهم } لميلهم إلى عالم الطبيعة ومضاعف الشهوة والحرص ويقولون لهم { ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } [ الأنفال : 50 ] وهو عذاب الحرمان وفوات المقصود
وبعد هذا البيان لأحوال الكافرين في حياتهم ؛ انتقل القرآن لبيان أحوالهم عند مماتهم . فقال - تعالى - : { وَلَوْ ترى . . . لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } .
والخطاب في قوله - تعالى - : { وَلَوْ ترى . . } للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب و { لَوْ } شرطية ، وجوابها محذوف لتفظيع الأمر وتهويله .
والمراد بالذين كفروا : كل كافر ، وقيل المراد بهم قتلى غزوة بدر من المشركين .
قال ابن كثير : وهذا السياق وإن كان سببه غزوة بدر ، ولكنه علم في حق كل كافر . ولهذا لم يخصصه الله بأهل بدر قال - سبحانه - { وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ . . } .
والفعل المضارع هنا وهو { ترى } بمعنى الماضى ، لأن لو الامتناعية ترد المضارع ماضيا .
والفعل { يَتَوَفَّى } فاعله محذوف للعلم به وهو الله - عز وجل - وقوله : { الذين كَفَرُواْ } هو المفعول وعليه يكون : { الملائكة } مبتدأ وجملة { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ . . . } خير .
والمعنى لو عاينت وشاهدت أيها العاقل حال الذين كفروا حين يتوفى الله أرواحهم ، لعاينت وشاهدت منظراً مخيفا ، وأمراً فظيعاً تقشعر من هوله الأبدان .
ثم فصل - سبحانه - هذا المنظر المخيف بجملة مستأنفة فقال : { الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } والمراد بوجوههم : ما أقبل منهم ، وبأدبارهم : ما أدبر وهو كل الظهر .
أى : الملائكة عندما يتوفى الله - تعالى - هؤلاء الكفرة يضربون ما أقبل منهم وما أدبر ، لإِعراضهم عن الحق ، وإيثارهم الغى على الرشد .
ومنهم من يرى أن الفعل { يَتَوَفَّى } فاعله { الملائكة } وأن قوله { الذين كَفَرُواْ } هو المفعول وقدم على الفاعل للاهتمام به .
وعليه تكون جملة { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ . . } حال من الفاعل وهو الملائكة .
فيكون المعنى : ولو رأيت أيها العاقل - حال الكافرين عندما تتوفى الملائكة أرواحهم فتضرب منهم الوجوه والأدبار ، لرأيت عندئذ ما يؤلم النفس ، ويخيف الفؤاد .
ويبدو لنا أن التفسير الأول أبلغ ، لأن توضيح وتفصيل الرؤية بالجملة الاسمية المستأنفة خير منه بجملة الحال ، ولأن إسناد التوفى إلى الله أكثر مناسبة هنا ، إذ أن الله - تعالى - قد بين وظيفة الملائكة هنا فقال : { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } .
وخص - سبحانه - الضرب للوجوه والأدبار بالذكر ، لأن الوجوه أكرم الأعضاء ، ولأن الأدبار هى الأماكن التي يكره الناس التحدث عنها فضلا عن الضرب عليها . أو لأن الخزى والنكال في ضربهما أشد وأعظم .
وقوله : { وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } معطوف على قوله { يَضْرِبُونَ } بتقدير القول . أي يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم : ذوقوا عذاب تلك النار المحرقة التي كنتم تكذبون بها في الدنيا .
والذوق حقيقة إدراك المطعومات . والأصل فيها أن يكون أمر مرغوب في ذوقه وطلبه . والتعبير به هنا ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم ، والاستهزاء بهم ، كما في قوله - تعالى - : { فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وهو أيضا يشعر بأن ما وقع عليهم من عذاب إنما هو بمنزلة المقدمة لما هو أشد منه ، كما أن الذوق عادة يكون كالمقدمة للمطعوم أو الشئ المذاق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.