تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (46)

تفشلوا : تجبنوا وتضعفوا .

تذهب ريحكم : تذهب قوتكم وهيبتكم .

وأطيعوا الله ورسوله فيما أُمرتم به أو نُهيتم عنه ، وتجنّبوا التنازعَ والاختلاف فيما بينكم ، فإن ذلك من أكبر أسباب الفشل والخيبة . واصبِروا على الشدائد وما تلقَون من مكارِه الحرب من بأس العدوّ واستعداده وكثرة عدده ، فإن الله مع الصابرين يمدُّهم بالعَون والتأييد . . . ومَن كان الله معه فلا غالب له .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (46)

{ وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } في كل ما تأتون وما تذرون ويندرج في ذلك ما أمروا به هنا { وَلاَ تنازعوا } باختلاف الآراء كما فعلتم ببدر وأحد . وقرىء { وَلاَ تنازعوا } بتشديد التاء { فَتَفْشَلُواْ } أي فتجبنوا عن عدوكم وتضعفوا عن قتالهم ، والفعل منصوب بأن مقدرة في جواب النهي ، ويحتمل أن يكون مجزوماً عطفاً عليه ، وقوله تعالى : { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } بالنصب معطوف على { *تفشلوا } على الاحتمال الأول . وقرأ عيسى بن عمر { بِهِ وَيُذْهِبَ } بياء الغيبة والجزم وهو عطف عليه أيضاً على الاحتمال الثاني ، والريح كما قال الأخفش مستعارة للدولة لشبهها بها في نفوذ أمرها وتمشيه . ومن كلامهم هبت رياح فلان إذ دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد وركدت رياحه إذا ولت عنه وأدبر أمره وقال :

إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل خافقة سكون

ولا تغفل عن الإحسان فيها *** فما تدري السكون متى يكون

وعن قتادة . وابن زيد أن المراد بها ريح النصر وقالا : لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تعالى تضرب وجوه العدو . وعن النعمان بن مقرن قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تميل الشمس وتهب الرياح ، وعلى هذا تكون الريح على حقيقتها ، وجوز أن تكون كناية عن النصر وبذلك فسرها مجاهد { واصبروا } على شدائد الحرب { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } بالإمداد والإعانة وما يفهم من كلمة مع من أصالتهم بناءً على المشهور من حيث أنهم المباشرون للصبر فهم متبوعون من تلك الحيثية .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (46)

وقوله { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } معطوف على ما قبله ، أى : اثتبوا عند لقاء الأعداء ، وأكثروا من ذكر الله ، وأطيعوا الله ورسوله في كل أقوالكم وأعمالكم ، وفى سركم وجهركم ، وفى كل ما تأتون وما تذرون .

وقوله { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } نهي لهم عن الاختلاف المؤدى إلى الفشل وضياع القوة بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكر الله وطاعته .

وقوله { تَنَازَعُواْ } من النزع بمعنى الجذب وأخذ الشئ . . . والتنازع والمنازعة المجاذبة كأن كل واحد من المتنازعين يريد أن ينزع ما عند الآخر ويلقى به .

والمراد بالتنازع هنا : الخصام والجدال والاختلاف المفضى إلى الفشل أى : الضعف .

قال الآلوسى : وقوله : { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } ، قال الأخفش : الريح مستعارة للدولة . لشبهها بها في نفوذ أمرها وتمشيه ، ومن كلامهم هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد . وركدت رياحه إذا ولت عنه وأدبر أمره . قال الشاعر :

إذا هبت رياحك فاغتنمها . . . فإن لكل خافقة سكون

ولا تغفل عن الإِحسان فيها . . . فما تدرى السكون متى يكون

والمعنى : كونوا - أيها المؤمنون - ثابتين ومستمرين على ذكر الله وطاعته عند لقاء الأعداء ، ولا تنازعوا وتختصموا وتختلفوا ، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الفشل أي الضعف ، وإلى ذهاب دولتكم ، وهوان كلمتكم ، وظهور عدوكم عليكم .

{ واصبروا } على شدائد الحرب ، وعلى مخالفة أهوائكم التي تحملكم على التنازع ، { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } بتأييده ومعونته ونصره .

هذا والمتأمل في هاتين الآيتين يراهما قد رسمتا للؤمنين في كل زمان ومكان الطريق التي توصلهم إلى الفلاح إلى النصر أكثرهما ثباتا .

وتأمران بمداومة ذكر الله ، لأن ذكر الله هو الصلة التي تربط الإِنسان بخالقه الذي بيده كل شئ ، ومتى حسنت صلة الإِنسان بخالقه ، صغرت في عينه قوة أعدائه مهما كبرت .

وتأمران بطاعة الله ورسوله ، حتى يدخل المؤمنون المعركة بقلوب نقية ، وبنفوس صافية . . لا مكان فيها للتنازع والاختلاف المؤدى إلى الفشل ، وذهاب القوة . . ويأمران بالصبر ، أي بتوطين النفس على ما يرضى الله ، واحتمال المكاره والمشاق في جلد . وهذه الصفة لا بد منها لمن يريد أن يصل إلى آماله وغاياته .

ورحم الله الإِمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريميتن : " هذا تعليم من الله - تعالى - لعباده - المؤمنين آداب اللفاء ، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء " .

وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبى أوفى " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتظر في بعض أيامه التي لقى فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال : يأيها الناس لاتتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف . ثم قام وقال : اللهم منزل الكتاب ، ومجرى السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم " .

وفى الحديث الآخر المرفوع يقول الله - تعالى - " إن عبدى كل عبدى الذي يذكرنى وهو مناجز قرنه " أى : لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى ودعائى واستعانتى .

وعن قتادة في هذه الآية : " افترض الله ذكره عند اشتغل ما يكون . الضرب بالسيوف " .

ثم قال : " وقد كان للصحابة - رضى الله عنهم - في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله ، وامتثال ما أرشدهم إليه ، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم ، ولا يكون لأحد من بعدهم ، فإنهم ببركة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطاعته فيما أمرهم ، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا ، في المدة اليسيرة ، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس . . قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان ، وامتدت الممالك الاسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة فرضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين ، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب .