قطعناهم : صيرناهم فِرقا كل فرقة سبط ، والسبط ولد الولد ، وأسباط بني إسرائيل : سلائل أولاده .
الأمة : الجماعة التي تؤلف بين أفرادها رابطة أو نظام أو مصلحة . الاستسقاء : طلب الماء للشرب .
المن : مادة بيضاء تنزل من السماء مثل الندى حلوة الطعم .
السلوى : طائر قدْر الحمام طويل الساقين والعُنق سريع الحركة .
ثم ذكر حالين من أحوال بني إسرائيل :
أولاهما : أنه قسمهم اثنتي عشرة فرقة بعدد أسباطهم الإثني عشر .
ثانيتهما : أنهم لما استسقَوا موسى ضرب موسى الحجر ( إشارة إلى إمكانية الحفر ) ، فانبجستْ منه اثنتا عشرة عيناً ، بقدر عدد الأسباط وقد تقدم ذكر هاتين الواقعتين في سورة البقرة .
ثم عدّد الله نعمه على قوم موسى ، فذكر أنه صيّرهم اثنتي عشرة فرقة ، وميّز كل جماعة بنظامها ، منعا للتحاسُد والخلاف . وأنه أوحى إلى موسى حين طلب قومه الماء في التيه ، أن يضرب الصخر في الأرض ، ففعل موسى ذلك ، فانفجرت عند ذلك اثنتا عشرة عيناً قد عرف كل سبط من القوم مورد شربهم الخاص بهم . هذا كما جعل لهم السحابَ يلقي عليهم ظلّه في التيه ليقيَهم حر الشمس ، وأنزل عليهم المنّ وهو طعام حلو شهيّ والسلوى وهو طائر يشبه السُّمانَي . وقال لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم . لكنهم ظلموا أنفسهم وكفروا بتلك النعم ، وتمسَّكوا بالجحود والإنكار . وهذا دأبهم وتلك أخلاقهم لم تتغير ولم تتبدل .
{ وقطعناهم } أي قوم موسى عليه السلام لا الأمة المذكورة كما يوهمه القرب { *وقطع } يقرأ مشدداً ومخففاً والأول هو المتواتر ويتعدى لواحد وقد يضمن معنى صير فيتعدى لاثنين فقوله تعالى : { وقطعناهم اثنتى عَشْرَةَ } حال أو مفعول ثان ، أي فرقناهم معدودين بهذا العدد أو صيرناهم اثنتي عشرة أمة يتميز بعضها عن بعض ، وقوله سبحانه وتعالى : { *أسباطا } كما قال ابن الحاجب في «شرح المفصل » بدل من العدد لا تمييز له وإلا لكانوا ستة وثلاثين ، وعليه فالتمييز محذوف أي فرقة أو نحوه ، قال الحوفي : إن صفة التمييز أقيمت مقامه والأصل فرقة اسباطا ، وجوز أن يكون تمييزاً لأن مفرد تأويلاً ، فقد ذكروا أن السبط مفرداً ولد الولد أو ولد البنت أو الولد أو القطعة من الشيء أقوال ذكرها ابن الأثير ، ثم استعمل في كل جماعة من بني إسرائيل كالقبيلة في العرب ، ولعله تسمية لهم باسم أصلهم كتميم ، وقد يطلق على كل قبيلة منهم أسباط أيضاً كما غلب الأنصار على جمع مخوص فهو حينئذ بمعنى الحي والقبيلة فلهذا وقع موقع المفرد في التمييز وهذا كما ثنى الجمع في قول أبي النجم يصف رمكة تعودت الحرب :
تبقلت في أول التبقل *** بين رماحي مالك ونهشل
وتأنيث اثنتي مع أن المعدود مذكر وما قبل الثلاثة يجري على أصل التأنيث والتذكير لتأويل ذلك بمؤنث وهو ظاهر مما قررنا ، وقرأ الأعمل وغيره { اثنتى عَشْرَةَ } بكسر الشين وروى عنه فتحها أيضاً والكسر لغة تميم والسكون لغة الحجاز ، وقوله سبحانه : { أُمَمًا } بدل بعد بدل من اثنتي عشرة لا من أسباط على تقدير أن يكون بدلاً لأنه لا يبدل من البدل ، وجوز كونه بدلاً منه إذا لم يكن بدلاً ونعتاً إن كان كذلك أو لم يكن { وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ } حين استولى عليه العطش في التيه { أَنِ اضرب بّعَصَاكَ الحجر } تفسير لفعل الإيحاء { فَانٍ } بمعنى أي ، وجوز أبو البقاء كونها مصدرية { فانبجست } أي انفجرت كمات قال ابن عباس وزعم الطبرسي أن الانبجاس خروج الماء بقلة والانفجار خروجه بكثرة ، والتعبير بهذا تارة وبالأخرى أخرى باعتبار أول الخروج وما انتهى إليه والعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي فضرب فانبجست وحذف المعطوف عليه لعدم الالباسا وللإشارة إلى سرعة الامتقال حتى كأن الإيحاء وضربه أمر واحد وأن الانبجاس بأمر الله تعالى حتى كأن فعل موسى عليه السلام لا دخل فيه .
وذكر بعض المحققين أن هذه الفاء على ما قرر فصيحة وبعضهم يقدر شرطاً في الكلام فإذا ضربت فقد انبجست { مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا } وهو غير لائق بالنظم الجليل { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } أي سبط ، والتعبير عنهم بذلك للإيذان بكثرة كل واحد من الأسباط ، وأنا إما جمع أو اسم جمع ، وذكر السعد أن أهل اللغة يسمون اسم الجمع جمعاً ، و { عِلْمٍ } بمعنى عرف الناصب مفعولاً واحداً أي قد عرف { مَّشْرَبَهُمْ } أي عينهم الخاصة بهم ، ووجه الجمع ظاهر { وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام } أي جعلنا ذلك بحيث يلقى عليهم ظله ليقيهم من حر الشمس وكان يسير يسيرهم ويسكن بإقامتهم { وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى } أي الترنجبين والسماني فكان الواحد منهم يأخذ ما يكفيه من ذلك { كُلُواْ } أي قلنا أو قائلين لهم كلوا .
{ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم } أي مستلذاته ، و { مَا } موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن المن والسلوى { وَمَا ظَلَمُونَا } عطف على محذوف للإيجاز والإشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح أي فظلموا بأن كفروا بهذه النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر إذ لا يتخطاهم ضرره ، وتقديم المفعول لإفادة القصر الذي يقتضيه النفي السابق ، وفي الكلام من التهكم والإشارة إلى تماديهم على ما هم فيه ما لا يخفى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.