تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ} (94)

القرية : المدينة .

البأساء : الشدة والمشقة كالحرب والجدب وشدة الفقر .

الضراء : ما يضر الإنسان في بدنه أو نفسه .

التضرع : إظهار الخضوع والضعف .

عَفَواْ : كثروا ونموا . بغتة : فجأة .

أشار الله تعالى هنا إلى سُنته في الأمم التي تكذّب رسلَها ، فهو يُنزل بها البؤسَ وشظَف العيش وسوء الحال في دنياهم ليتضرّعوا إلى ربهم ويُنيبوا إليه بالتوبة . ثم ذكرَ أنه بدّل الرخاء بالبؤس ليعتبروا ويشكروا ، لكنهم لم يفعلوا ، فأخذهم أخذَ عزيزٍ مقتدر .

وما بعثنا نبيّاً من الأنبياء في مدينةٍ من المدن ، يدعو أهلَها إلى الدين القويم ، ثم أعرضوا عن قبول تلك الدعوة- إلا أصبناهم بالفقر والمرض ، كي يتذللوا ويخضعوا ويبتهلوا إلى الله راجين كشفَ ما نزل بهم .

ثم إنهم لمّا لمْ يفعلوا ذلك ، بل تابعوا كفرهم وعنادهم ، امتحنهم الله بالعافية مكان البلاء ، فوهبهم رخاءً وسعة وصحةً وعافية ، حتى كثُروا ونَموا في أموالهم وأنفسهم ، وقالوا جهلاً منهم : إن ما أصاب آباءنا من المحَن وبالبلاء كان شأنَ الدهر ، يداول الضرّاءَ والسّراءَ بين الناس . لم ينتبهوا أنَّ ذلك كان جزاءَ كفرهم فيرتدعوا ، فكانت عاقبة ذلك أن أصابهم اللهُ بالعذاب المدمّر فجأة وهم غافلون عما سيحلُّ بهم .

فلنعتبر نحن المسلمين ، فإننا قد تركنا ديننا والعمل به ، وأهملنا قرآننا وتعاليمه فسلّط الله علينا شرّ خلقه وأخسَّ الناس ، يسلبوننا مقدّساتِنا وأرضينا ، ويُذلّوننا شرَّ إذلال . كل هذا ونحن لا ينقصُنا المال ولا الرجال ، ولكن ينقصُنا الإيمان بالله والحزم والثقة بأنفسنا ، وهدايةُ الحكّام فينا كي يبتعدوا عمّا هم فيه من انصراف عن الله ، وتناحر بينهم وفرقة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ} (94)

قوله تعالى : { وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخدنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون 94 ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذتهم بغتة وهم لا يشعرون } البأساء ، يعني شدة الحال وشظف العيش وضيقه . أو المشقة والفقر{[1478]} . والضراء ، نقيض السراء . وهي الشدة وكل ما يضر . أو هي النقص في الأموال والأنفس{[1479]} وذلك إخبار من الله عز وعلا عن سنته في الأمم الخالية من قبل هذه الأمة ، بأنه ما أرسل في قرية من نبي يقبل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلا أذاق الله لأهلها البؤس والشدة والشطف وضيق العيش وسوء الحال . وذلك لكي يتضرعوا إلى ربهم ويتذللوا له بالعبادة والطاعة وينيبوا إليه بالكف عن الشرك والضلال والباطل ، ولكي يصيخوا لدعوة الحق التي جاءهم بها أنبياؤهم . ولا جرم ان البشرية في غالب أحوالها ووقائعها تجنح للفسق والضلالة واقتراف المعاصي ؛ استجابة لنداءات الشياطين من الإنس والجن ؛ وتخاذلا أمام جواذب الغرائر والشهوات التي تلين حيالها العزائم ، وتفتر أمام كابوسها الهمم لتميل بالإنسانية إلى الشر والفساد في الغالب . وبذلك بات من المفيد حقا أن اصطدم البشرية في حياتها بكثير من الأرزاء والنوائب فتهزها من الأعماق هزا ، ولتبدد من أعماقها مشاعر الجحود والاستكبار ، ولتضعف في كوامنها فرط التذلل والخنوع للأهواء والشهوات عسى أن تزجر وترعوي أو تقشع عن نفسها غشاوة العمه والنسيان ، فتفيء إلى أمر الله لتبادر الامتثال لشرعه والسير في طريقه المستقيم وهو مقتضى قوله سبحانه : { لعلهم يضرعون } .


[1478]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 36.
[1479]:القاموس المحيط جـ 2 ص 77 والمعجم الوسيط جـ 1 ص 538.