تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا} (21)

إن التفاوت في هذه الحياة المعيشة ملحوظ بين الناس بحسب وسائلهم وأسبابهم ونشاطهم في الأعمال . وإن تفاوتهم في الدار الآخرة أكبر درجات من تفاوتهم في الدنيا ، فالآخرة هي التي تكون فيها الرفعة الحقيقية ، والتفاضل الحقيقي .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا} (21)

ثم أمر بالنظر في عطائه هذا على وجه مرغب في الآخرة مزهد في الدنيا ، فقال تعالى آمراً بالاعتبار : { انظر } وبين أن حالهم لغرابته أهل لأن يسأل عنه فقال تعالى : { كيف فضلنا } أي بما لنا من العظمة القاهرة { بعضهم على بعض } في هذه الحياة الدنيا بالعطاء ، فصار الفاضل يسخر المفضول ، والمفضول يرغب في خدمة المفضل ويتشرف بالتقرب إليه ، مع أن رزق الله - وهوعطاءه - بالنسبة إلى الكل على حد سواء ، خلق ما هو موجود في هذه الدنيا للبر والفاجر ، وكل حريصون على أن يأخذوا فوق كفايتهم من الأرزاق التي هي أكثر منهم ، فما كان هذا التفاضل إلا بقسر قادر قهرهم على ذلك ، وهو من تنزه عن النقص وحاز على كمال ، فاستحق أن لا توجه رغبة راغب إلا إليه .

ولما نبه على أن ما نراه من التفضيل إنما هو بمحض قدرته ، أخبر أن ما بعد الموت كله كذلك من غير فرق فقال : { وللآخرة } أكد الإخبار عما فيها المستلزم لتأكيد الإعلام بوجودها لهم من إنكاره { أكبر درجات } من هذه الحياة الدنيا { وأكبر تفضيلاً * } أولاً بالجنة والنار أنفسهما ، وثانياً بالدرجات في الجنة والدركات في النار ؛ ولما كان العلم هنا مقيداً بالذنوب ، ذكر بعد المفاضلة في الدنيا ، ولعل في ذلك إشارة إلى أن أكثر من يزاد في الدنيا تكون زيادته نقصاً من آخرته بسبب ذنب اكتسبه أو تقصير ارتكبه ، ولما كان العلم فيما يأتي في قوله تعالى : { وربك أعلم } مطلقاً ، طوى بعده الرذائل ، وعطف على ذلك المطوي الفضائل ، فقال تعالى : { ولقد فضلنا بعض ، النبيين على بعض } الآية ، فمن كانت له نفس أبية وهمة علية كان عليه أن يزهد في علو فانٍ لأجل العلو الباقي .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا} (21)

قوله : ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ) كيف في موضع نصب بالفعل ( فضلنا ) {[2660]} فضل الله بعض الناس على بعض في الرزق ، وفي غيره من مركبات الحياة الدنيا كالقوة والضعف ، والصحة والسقم ، وطول العمر وقصره ؛ فالناس في ذلك كله متفاوتون مثلما تقتضيه مشيئة الله وحكمته . أما أرزاق العباد ؛ فإنها تتفاوت بينهم بالنظر للتفاوت في القدرات والطاقات . وإنما تتحصل الأرزاق بفعل الجهود والنشاطات المبذولة . وهذه بين الناس متفاوتة تفاوتا ظاهرا ؛ فهم ما بين باذل كادح نشيط ، إلى قاعد متخاذل متثاقل . ومن ذكي فطن نبيه إلى غبي بليد أحمق . ومن محترٍّ متحفز غيور ، إلى فاتر باهت معزول . وباختلاف هاتيك القدرات والاستعدادات يختلف التحصيل لدى الناس ، وكذلك تختلف الأرزاق ليكون الناس بين مقلّ ومُكثر ، أو مفتقر وموسر . قال ابن كثير رحمه الله في كيفية التفضيل في الرزق بين العباد في الدنيا : فمنهم الغني والفقير وبين ذلك . والحسن والقبيح وبين ذلك . ومن يموت صغيرا ومن يعمر حتى يبقى شيخا كبيرا ، وبين ذلك .

قوله : ( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) ( درجات ) ، منصوب على التمييز . وكذلك تفضيلا{[2661]} ، وذلك تأكيد على أن التفاوت في الآخرة بين العباد أكبر مما في الدنيا . فمن الناس يوم القيامة من يكون في عليين . ومنهم من يكون أسفل سافلين . حتى أهل الدرجات في الجنة يتفاوتون في منازلهم ، فمنهم الأعلون في الفردوس ، ومنهم دون ذلك ، وإن كانوا جميعا في درجات النعيم . وكذلك أهل الدركات في النار تتفاوت أحوالهم في العذاب بين شديد حارق ، أو أشد احترارا وتحريقا . فكلا الفريقين متفاوتون .


[2660]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 88.
[2661]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 88.