جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: والشعراء يتبعهم أهل الغيّ لا أهل الرشاد والهدى.
واختلف أهل التأويل في الذين وصفوا بالغيّ في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: رواة الشعر... وقال آخرون: هم الشياطين... وقال آخرون: هم السفهاء... وقال آخرون: هم ضلال الجنّ والإنس... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال فيه ما قال الله جلّ ثناؤه: إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة الجنّ، وذلك أن الله عمّ بقوله:"وَالشّعَرَاءُ يَتّبِعُهُمُ الْغاوُونَ" فلم يخصص بذلك بعض الغواة دون بعض، فذلك على جميع أصناف الغواة التي دخلت في عموم الآية.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{والشعراء} مبتدأ. و {يَتَّبِعُهُمُ الغاوون} خبره: ومعناه: أنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، والنسيب بالحرم والغزل والابتهار، ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم ولا يطرب على قولهم إلا الغاوون والسفهاء والشطار.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
ولما ذكر الكهنة بإفكهم وكذبهم الذي يقتضي نفي كلامهم عن كلام الله تعالى عقب ذلك بذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام الله تعالى في القرآن، إذ قال في القرآن بعض الكفرة إنه شعر، وهذه الكناية هي عن شعراء الجاهلية... ويدخل في الآية كل شاعر مخلط يهجو ويمدح شهوة ويقذف المحصنات ويقول الزور...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما بطل -بإبعاده عن دركات الشياطين، وإصعاده إلى درجات الروحانيين، من الملائكة المقربين، الآتين عن رب العالمين- كونه سحراً، وكونه أضغاثاً ومفترى، نفى سبحانه كونه شعراً بقوله: {والشعراء يتبعهم} أي بغاية الجهد، في قراءة غير نافع بالتشديد، لاستحسان مقالهم وفعالهم، فيتعلمون منهم وينقلون عنهم {الغاوون} أي الضالون المائلون عن السنن الأقوم إلى الزنا والفحش وكل فساد يجر إلى الهلاك، وهم كما ترى بعيدون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم الساجدين الباكين الزاهدين.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
فمنهج الرسول [صلى الله عليه وسلم] ومنهج الشعراء مختلفان، ولا شبهة هناك، فالأمر واضح صريح:
(والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟!).
فهم يتبعون المزاج والهوى ومن ثم يتبعهم الغاوون الهائمون مع الهوى، الذين لا منهج لهم ولا هدف.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{يتبعهم الغاوون} ذمّ لأتباعهم وهو يقتضي ذم المتبوعين بالأحرى. والغاوي: المتصف بالغي والغواية، وهي الضلالة الشديدة، أي يتبعهم أهل الضلالة والبطالة الراغبون في الفسق والأذى. فقوله: {يتبعهم الغاوون} خبر، وفيه كناية عن تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون منهم فإن أتباعه خيرة قومهم وليس فيهم أحد من الغاوين، فقد اشتملت هذه الجملة على تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم وتنزيه أصحابه، وعلى ذم الشعراء وذمّ أتباعهم وتنزيه القرآن عن أن يكون شعراً.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} الذين يبحثون عن الخيالات البعيدة عن الواقع والأوهام التي تهرب من الحقائق، ويتحركون في مواقع الغيّ بعيداً عن ساحة الرشد، ويستمرون مع الجوّ ما دام رائقاً ومنسجماً مع أوضاعهم النفسية ومصالحهم المادية، فإذا اقترب الخطر منهم وتعقَّدت الأمور في ساحاتهم وشعروا بالمشاكل الصعبة تتحداهم، هربوا وابتعدوا عن الشعر والشعراء ليحصلوا على السلامة.
ولكن محمداً في رسالته يتبعه المؤمنون المخلصون الذين آمنوا بالله وبرسله وباليوم الآخر، واتبعوا النبي محمداً (ص) لما في رسالته من عمق روحي ورسالي يتعالى بالحياة، حتى إذا ما واجهتهم أخطارها، لتهزم فكرهم وروحهم وموقفهم القويّ أمام الحق، يثبتون ويصمدون، ويواجهون الأخطار بروحية الإنسان الذي يعيش الشهادة في حياته، ويتحرك مع عقلية الشهادة وروحيتها في إقباله على الموت.
وتقولون إنه شاعر، كهؤلاء الشعراء الذين يتحركون في الساحة، ليمدحوا هذا ويذمّوا ذاك، ويحسّنوا صورةً هنا ويقبّحوا صورةً هناك، وليثيروا الأوهام والخيالات على حساب الحقائق، وتتحدثون عن أسلوب القرآن أنه شعر أو يشبه الشعر لتبتعدوا به عن طبيعته القرآنية المنطلقة من عمق الوحي الإلهيّ، ولكن، هل رأيتم ملامح الشاعر في روحيته ووجدانه وصدقه وصفاء روحه وإشراقة فكره وانفتاح قلبه على الخير والرحمة والحق؟ هل تمثلتم في شخصيته الملائكية شخصية الشاعر الذي يلوّن الكلمة بألوان الباطل، ويغذيها بأكاذيب المضمون غير الواقعي؟ ألا ترون بعداً كبيراً بين هذه الشخصية الرحبة التي عاشت آفاق السموّ مع الله وانفتحت على الخير كله في حياة الإنسان، وبين الشخصية المعروفة في مجتمع الشعراء الغارقة في أوحال الشهوات، الغائبة في سكرات الخمر، المتحركة مع أطماع الذات في أموال الآخرين وامتيازاتهم؟ حدّقوا في المسألة جيّداً لتعرفوا حقَّ الحديث من باطله.
قوله : { وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } الشعراء جمع شاعر ، وهو الذي يقرض الشعر . وهو الكلام الموزون المقفى{[3409]} . والغاوون ، جمع ومفرده الغاوي وهو من الغي بمعنى الضلال والخيبة{[3410]} والمراد بالغاوين ، الضالون عن الحق من الإنس والجن ؛ أي أن الشعراء يتبعهم أهل الغي لا أهل الحق والهداية . واختلفوا في المراد بالغاوين في الآية ، فقد قيل : يراد بهم الشياطين ، وقيل : عصاة الجن ، وقيل : المشركون . وقيل : السفهاء . وقال الطبري : إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس ومردة الشياطين وعصاة الجن .
ولعل الصواب فيما قيل في الشعر والشعراء الذين يتبعهم الغاوون أنهم الذين يسخرون شعرهم في الفساد والباطل وفي مجانبة البر والفضيلة والخلق الكريم . كالثناء على المفسدين والظالمين وأهل الباطل . أو هجاء الصالحين وأهل الفضيلة والاستقامة من الناس . أو الخوض في أعراض المسلمين وتتبع عوراتهم والنيل من شرفهم وسمعتهم وقدرهم ، بالقبيح من الكلام المستهجن المسف . أو ما كان إطراء للساسة والأمراء والأغنياء على سبيل التزلف والنفاق ؛ ابتغاء للمال وطلبا للحظوة من شهرة ومكانة أو نحو ذلك من وجوه الباطل . وهي وجوه كثيرة ومختلفة سخر فيها شعراء الضلال والباطل قصائدهم ؛ طمعا في كسب حرام أو رغبة في نفاق مجرد لا يحفز إليه غير الخور والخسة والهوى .
قال الزمخشري في الكشاف في الشعراء الذين يتبعهم الغاوون : إنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ، والنسب بالحرم{[3411]} والغزل ومدح من لا يستحق المدح . ولا يستحسن ذلك منهم ولا يطرب على قولهم إلا الغاوون والسفهاء والشطار{[3412]} .
وقال القرطبي في ذلك : وأما الشعر المذموم الذي لا يحل سماعه ، وصاحبه ملوم فهو المتكلم بالباطل حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة ، وأشحهم على حاتم ، وأن يبهتوا البريء ويفسقوا التقي ، وأن يفرطوا في القول بما لم يفعله المرء ، رغبة في تسلية النفس وتحسين القول .
فهذا هو حكم الشعر المذموم وحكم صاحبه . فإنه لا يحل سماعه أو إنشاده لما فيه من إشاعة للباطل والرذائل ونشر للفساد والفحش وإيذاء العباد .
وهو هنا كمنثور الكلام القبيح . وقد روي في الخبر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حسن الشعر كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح الكلام " .
وفي التحذير من قرض الشعر المذموم لمجونه أو فساده ، وفي التنديد به وبقائله روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه{[3413]} خير من أن يمتلئ شعرا " وأحسن ما قيل في تأويل هذا الحديث : أنه الذي غلب على شعره ما كان في الباطل والمجون وما نهى الله عنه كالإكثار من اللغط والغيبة وقبيح القول . أو ما كان في وصف الخمر والزنا وهتك الحرمات . ونحو ذلك من وجوه الفسق والفحش والأذى .
أما الشعر الحسن فهو ما كان في الخير والفضيلة فإنه مستحب ومرغوب فيه .
وذلك كالذي يتضمن ذكر الله وحمده والثناء عليه ، أو ما كان فيه إطراء الإسلام والذب عنه وعن المسلمين وعن رسولهم الأمين . فذلكم مندوب إليه كشعر حسان ابن ثابت في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم والذب عنه ، ودفع أذى المشركين وقدحهم وافتراءاتهم .
قال الإمام الشافعي في هذا الصدد : الشعر نوع من الكلام ، حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيحه . وبذلك فإن الشعر لا يكره لذاته وإنما يكره لما تضمنه من المعاني المذمومة .