ثم أمطرنا عليهم حجارةً مدمّرة ، ومادَت الأرض بالزلازل من تحتِهم ، فانظُر أيها المعتبِر كيف كانت عاقبة المجرمين .
قال الإمام ابنُ القيّم في زاد المعاد : هذا لم تكن تعرفُه العرب ، ولم يُرفع إليه حديث صحيح في ذلك . لكنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «اقتُلوا الفاعل والمفعول به » .
رواه أهل السنن الأربعة بإسناد صحيح وقال الترمذي : حسنٌ صحيح ، وحكم به أبو بكر الصدّيق ، وكتب به إلى خالد بن الوليد ، بعد مشاورة الصحابة . وكان عليُّ كرّم الله وجهه أشدَّهم في ذلك .
وقد طعن ابن حَجَر في هذه الأحاديث وقال : إنها ضعيفة . ولذلك يجب على الحاكم أن يتحرّى جيدا ، فإن عقوبة القتلِ أعظمُ الحدود ، فلا يؤخَذُ فيها إلا بالصحيح القاطع من كتابٍ أو سُنّة متواتِرةٍ أو إجماع .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وأمطرنا عليهم} الحجارة من فوقهم {مطرا}، {فساء مطر المنذرين} (الشعراء: 173، النمل: 58}، يعني فبئس مطر الذين أنذروا العذاب، {فانظر} يا محمد، {كيف كان عاقبة المجرمين}، يعني قوم لوط، كان عاقبتهم الخسف والحصب بالحجارة.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وأمطرنا على قوم لوط الذين كذّبوا لوطا ولم يؤمنوا به مطرا من حجارة من سجيل أهلكناهم به.
" فانُظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ": يقول جلّ ثناؤه: فانظر يا محمد إلى عاقبة هؤلاء الذين كذّبوا الله ورسوله من قوم لوط، فاجترموا معاصي الله وركبوا الفواحش واستحلوا ما حرّم الله من أدبار الرجال، كيف كانت وإلى أي شيء صارت هل كانت إلا البوار والهلاك؟ فإن ذلك أو نظيره من العقوبة، عاقبة من كذّبك واستكبر عن الإيمان بالله وتصديقك إن لم يتوبوا، من قومك...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} هذا الخطاب جائز أنه ليس لرسول الله خاصة، ولكن لكل أحد أمر بالنظر في ما حل بالأمم السالفة بتكذيبهم الرسل وعنادهم ليكونوا على حذر من صنيعهم لئلا يحل بهم ما حل بأولئك، وجائز أن يكون الخطاب لرسوله خاصة. فإن كان له كان أمره أن ينظر في عاقبة المجرمين ليرحمهم ولا يدعو عليهم بالهلاك والعذاب.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
العاقبة: آخر ما تؤدي إليه التأدية، وأصله كون الشيء في أثر الشيء، ومنه العقاب، لأنه يستحق عقيب الذنب. والإجرام: اقتراف السيئة، أجرم إجراما اذا أذنب، والجرم: الذنب، وأصله القطع، فالمجرم منقطع عن الحسنة إلى السيئة. وفائدة الآية الإخبار عن سوء عاقبة المجرمين بما أنزل عليهم عاجلا من عذاب الاستئصال قبل عذاب الآخرة بالنيران.
{فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ظاهر هذا اللفظ وإن كان مخصوصا بالرسول عليه السلام إلا أن المراد سائر المكلفين ليعتبروا بذلك فينزجروا. فإن قيل: كيف يعتبرون بذلك، وقد أمنوا من عذاب الاستئصال؟ قلنا: إن عذاب الآخرة أعظم وأدون من ذلك، فعند سماع هذه القصة يذكرون عذاب الآخرة مؤنبة على عذاب الاستئصال، ويكون ذلك زجرا وتحذيرا...
تقدير الآية: فانظر كيف أمطر الله الحجارة على من يعمل ذلك العمل المخصوص، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب، يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، فهذه الآية تقتضي كون هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص، وإذا ظهرت العلة، وجب أن يحصل هذا الحكم أينما حصلت هذه العلة...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{فانظر كيف كان عاقبة المجرمين}: عام في قوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم وهو من نظر التفكر أو من نظر البصر فيمن بقيت له آثار منازل ومساكن كثمود وقوم لوط كما قال تعالى.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} الخطاب لكل من يسمع القصة أو يقرأها من أهل النظر والاعتبار والمراد أن يعلم أن عاقبة القوم المجرمين لا تكون إلا وبالا وعقابا فإن الأمم تعاقب على ذنوبها في الدنيا قبل الآخرة باطراد. وقد بينا من قبل أن عقابها إما أن يكون أثرا طبيعيا للذنب كالترف والسرف في الفسق يفسد أخلاق الأمة ويذهب ببأسها أو يجعله بينها شديدا بتفرق كلمتها واختلاف أحزابها وتعاديهم، فيترتب على ذلك تسلط أمة أخرى عليها تستذلها بسلب استقلالها، وتسخيرها في منافعها، حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين بذهاب مقوماتها ومشخصاتها، أو اندغامها في الأمة الغالبة أو انقراضها، وإما أن يكون بما يحدث بسنن الله تعالى في الأرض من الجوائح الطبيعية كالزلازل والخسف وإمطار النار والمواد المصطهرة التي تقذفها البراكين من الأرض والأوبئة او الانقلابات الاجتماعية كالحروب والثورات والفتن. وهنالك نوع ثالث وهو ما كان من آيات الرسل (ع. م) وقد انقضى زمانه بختمهم بنبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم راجع تفسير {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} (الأنعام 65) (ج 7).
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
... وتفرّع عن هذه القصّة العجيبة الأمرُ بالنّظر في عاقبتهم بقوله: {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} فالأمر للإرشاد والاعتبار. والخطاب يجوز أن يكون لغير مُعَيَّن بل لكلّ من يتأتَّى منه الاعتبار، كما هو شأن إيراد التّذييل بالاعتبار عقب الموعظة، لأنّ المقصود بالخطاب كلّ من قصد بالموعظة، ويجوز أن يكون الخطاب للنّبيء صلى الله عليه وسلم تسلية له على ما يلاقيه من قومه الذين كذّبوا بأنّه لا ييأس من نصر الله، وأنّ شأن الرّسل انتظار العواقب.
والمجرمون فاعلوا الجريمة، وهي المعصية والسيّئة، وهذا ظاهر في أنّ الله عاقبهم بذلك العقاب على هذه الفاحشة، وأنّ لوطاً عليه السّلام أرسل لهم لنهيهم عنها، لا لأنّهم مشركون بالله، إذ لم يُتعرّض له في القرآن بخلاف ما قُصّ عن الأمم الأخرى، لكنّ تمالأهم على فعل الفاحشة واستحلالهم إياها يدلّ على أنّهم لم يكونوا مؤمنين بالله، وبذلك يؤذن قوله تعالى في سورة التّحريم (10): {ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط} فيكون إرسال لوط عليه السّلام بإنكار تلك الفاحشة ابتداء بتطهير نفوسهم، ثمّ يصف لهم الإيمان، إذ لا شكّ أنّ لوطاً عليه السّلام بلّغهم الرّسالة عن الله تعالى، وذلك يتضمّن أنّه دعاهم إلى الإيمان، إلاّ أنّ اهتمامه الأوّل كان بإبطال هذه الفاحشة، ولذلك وقع الاقتصار في إنكاره عليهم ومجادلتهم إياه على ما يخصّ تلك الفاحشة، وقد علم أنّ الله أصابهم بالعذاب عقوبة، على تلك الفاحشة، كما قال في سورة العنكبوت: (34): {إنَّا مُنزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السّماء بما كانوا يفسقون وأنّهم لو أقلعوا عنها لتُرك عذابهم على الكفر إلى يوم آخَر أو إلى اليومِ الآخِر.}
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
وفي آخر آية من الآيات إشارة قصيرة جداً ولكن ذات مغزى ومعنى عميق إلى العقوبة الشديدة والرهيبة التي حلّت بهؤلاء القوم، إذ قال تعالى: (وأمطرنا عليهم مطراً) أيّ مطر... إنّه كان مطراً عجيباً حيث انهالت عليهم الشهب والنيازك كالمطر وأبادتهم عن آخرهم!!.
إنّ هذه الآية وإن لم تبيّن نوع المطر الذي نزل على القوم، ولكن من ذكر لفظة «المطر» بصورة مجملة اتضح أنّ ذلك المطر لم يكن مطراً عادياً، بل كان مطراً من الحجارة، كما سيأتي في سورة هود الآية (83).
(فانظر كيف كان عاقبة المجرمين).
إنّ هذا الخطاب وإن كان موجهاً إلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنّه من الواضح أنّ الهدف هو اعتبار جميع المؤمنين به.
هذا وسيأتي تفصيل قصّة هذه الجماعة، وكذا مضار اللواط المتعددة، وحكمه في الشريعة الإسلامية، عند تفسير آيات سورة «هود» و«الحجر».
قوله : { وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } دمر الله قوم لوط شر تدمير ؛ إذ جعل عالي قراهم سافلها وأمطرنا فوق ذك بحجارة من سجيل{[1465]} . كذلك يأخذ الله القرى الظالم أهلها الذين يوغلون في المعاصي والموبقات حتى إذا جاء الكتاب أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر .
وبعد هذا الإخبار المخوف عما حل بقوم لوط من الهلاك أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنظر والتأمل تعجبا من حال القوم الهالكين وتحذيرا للناس في كل زمان من فعل الفواحش{[1466]} .
عقوبة اللواط الحد . وهو يثبت بما يثبت به الحد في الزنا بين الذكر والأنثى . وهو أن تغيب الحشفة أو قدرها . وإنما يتحقق ذلك بالإقرار أو البينة بأربعة شهود عدول كما هو في الزنا .
وقد اختلف الفقهاء في عقوبة اللواط . وهم في ذلك فريقان :
الفريق الأول : هو الإمام أبو حنيفة ؛ فقد ذهب إلى أن اللواط ليس فيه حد بل فيه التعزير عن كل من الفاعل والمفعول به . وروي عنه أنه يودع السجن فوق التعزير الذي يجب في حقه . واحتج لذلك من المعقول ؛ إذ قال : ليس اللواط زنا ، لاختلاف الصاحبة في عقوبته . فقد قيل : عقوبة الإحراق بالنار وهو ما روي عن أبي بكر وعلي –رضي الله عنهما- . وقيل : عقوبته التنكيس من مكان مرتفع ثم إتباعه الحجارة زيادة في التنكيل .
وقال في احتجاجه أيضا : ليس اللواط في معنى الزنا ؛ لأنه ليس سببا لإضاعة الولد واشتباه الأنساب كما يقع في الزنا الحقيقي . وكذلك فإن وقوعه نادر ؛ لانعدام الرغبة فيه فهو بذلك إنما يجب فيه التعزيز وليس الحد{[1467]} .
الفريق الثاني : وهم جمهور المالكية والشافعية وصاحبي أبي حنيفة ؛ فقد ذهب هؤلاء إلى وجوب الحد على جريمة اللواط إن كان المتوطلان عاقلين بالغين . أما إن كان أحدهما صغيرا أو مجنونا كان الحد على العاقل البالغ منهما . واحتجوا من العقول فقالوا : اللواط صورة من صور الزنا ففيه الحد .
واحتجوا من السنة بما أخرجه البيهقي عن أب موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذ أتى الرجل الرجل فهما زانيان ، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ) .
واختلفوا أيضا في ماهية الحد في اللواط تبعا للإحصان وعدمه ؛ فقد ذهبت الشافعية في المعتمد من مذهبهم . وكذا الحنبلية في إحدى الروايتين عنهم ، وصاحبا أبي حنيفة إلى أن حد اللواط مثل حد الزنا في المرأة من غير فرق بينهما . وعلى هذا يجب فيه ( اللواط ) الجلد على البكر والرجم على المحصن . واحتجوا لذلك بالخبر ( إذ أتى الرجل الرجل فما زانيان ) .
وذهبت المالكية ، وكذا الحنبلية في الرواية الثانية عنهم وهو القول الثاني غير المشهور للشافعية –ذهبوا إلى وجوب قتل اللائط والملوط به سواء كان الواحد منهما بكرا أو محصنا ؛ وذلك لما أخرجه أبو داود عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) وكذلك أخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من وقع على الرجل فاقتلوه ) .
أما لو كانا غير مكلفين ، وهو أن يكونا صغيرين ؛ فإنهما يؤدبان تأديبا فلا عقاب عليهما بحد أو تعزير . أما لو كان أحدهما مكلفا دون الآخر ، فإن كان المكلف هو الفاعل فقد وجب في حقه حد الرجم . أما لو كان المفعول بع مكلفا ؛ والفاعل ؛ غير مكلف فلا يرجم المفعول به بل يؤدب الصغير وهو غير المكلف ، ويعزر البالغ وهو المكلف{[1468]} .