وهذه الآية تتعلق بالحياة والموت أيضاً .
واذكر يا محمد ، قصة إبراهيم يوم قال لربه : أرني بعيني كيف يكون إحياء الموتى ، فقال له تعالى : أولمْ تؤمن بأني قادر على إحياء الموتى . ؟ قال : بلى ، علمت وصدّقت ، ولكن ليزداد إيماني ويطمئن قلبي . قال : خذ أربعة من الطير الحي فضمها إليك ثم جزِّئهنّ بعد ذبحهن واجعل على كل جبل من الجبال المجاورة جزءا ، ثم نادهن فسيأتِينَك مسرعات وفيهن الحياة كما كانت ، واعلم أن الله لا يعجز عن شيء وهو ذو حكمة بالغة في كل شيء .
وهذه الأمور من المعجزات التي لا تحدث إلا على أيدي الأنبياء . ولو أننا أمعنا النظر يومياً فيما حولنا لرأينا كثيرا من المعجزات في أنفسنا وفي نظام هذا الكون والحياة ، لكنّا ألفنا هذه الأشياء ، وأصبحت عندنا أمورا عادية . إن كثيرا من المخترعات الحديثة لو أخبرنا عنها أحد قبل مدة من الزمن لما صدقناه ، مع أنها من صنع الانسان ، فكيف بقدرة الله جل وعلا !
قرأ حمزة ويعقوب «فصرهن » بكسر الصاد ، وهي لغة أيضاً . وقرأ أبو بكر «جُزوا » بالوأو .
اختلف الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا ؟ فقال الجمهور : لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة ، وذلك أن النفوس مستشرقة إلى رؤية ما أخبرت به ، ولهذا قال عليه السلام : ( ليس الخبر كالمعاينة ) رواه ابن عباس ولم يروه غيره ، قاله أبو عمر . قال الأخفش : لم يرد رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين . وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير والربيع : سأل ليزداد يقينا إلى يقينه{[2470]} . قال ابن عطية : وترجم الطبري في تفسيره فقال : وقال آخرون سأل ذلك ربه ؛ لأنه شك في قدرة الله تعالى . وأدخل تحت الترجمة عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية أرجى عندي منها . وذكر عن عطاء بن أبي رباح أنه قال : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال : رب أرني كيف تحيي الموتى . وذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) الحديث ، ثم رجح الطبري هذا القول .
قلت : حديث أبي هريرة خرجه البخاري ومسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن ؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ) . قال ابن عطية : وما ترجم به الطبري عندي مردود ، وما أدخل تحت الترجمة متأول ، فأما قول ابن عباس : ( هي أرجى آية ) فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا وليست مظنة ذلك . ويجوز أن يقول : هي أرجى آية لقوله " أو لم تؤمن " أي أن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث . وأما قول عطاء : ( دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس ) فمعناه من حيث المعاينة على ما تقدم . وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم عليه السلام أحرى ألا يشك ، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم ، والذي روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ذلك محض الإيمان ) إنما هو في الخواطر التي لا تثبت ، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر ، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام . وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم به ، يدلك على ذلك قوله : " ربي الذي يحيي ويميت " [ البقرة : 258 ] فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلة ، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً . وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا ، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول ، نحو قولك : كيف علم زيد ؟ وكيف نسج الثوب ؟ ونحو هذا . ومتى قلت : كيف ثوبك ؟ وكيف زيد ؟ فإنما السؤال عن حال من أحواله . وقد تكون " كيف " خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه بكيف ، نحو قولك : كيف شئت فكن ، ونحو قول البخاري : كيف كان بدء الوحي . و " كيف " في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء ، والإحياء متقرر ، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح ، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح ، مثال ذلك أن يقول مدع : أنا أرفع هذا الجبل ، فيقول المكذب له : أرني كيف ترفعه فهذه طريقة مجاز في العبارة ، ومعناها تسليم جدلي ، كأنه يقول : افرض أنك ترفعه ، فأرني كيف ترفعه فلما كانت عبارة الخليل عليه السلام بهذا الاشتراك المجازي ، خلص الله له ذلك وحمله على أن بين له الحقيقة فقال له : " أو لم تؤمن قال بلى " فكمل الأمر وتخلص من كل شك ، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة .
قلت : هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر ، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث . وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " {[2471]} [ الحجر : 42 ] وقال اللعين : إلا عبادك منهم المخلصين ، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم ، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها ، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين ، فقوله : " أرني كيف " طلب مشاهدة الكيفية . وقال بعض أهل المعاني : إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب ، وهذا فاسد مردود بما تعقبه من البيان ، ذكره الماوردي ، وليست الألف في قوله " أو لم تؤمن " ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال جرير : ألستم خير من ركب المطايا
والواو واو الحال . و " تؤمن " معناه إيمانا مطلقا ، دخل فيه فضل إحياء الموتى .
قوله تعالى : " قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا . والطمأنينة : اعتدال وسكون ، فطمأنينة الأعضاء معروفة ، كما قال عليه السلام : ( ثم اركع حتى تطمئن راكعا ) الحديث . وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد . والفكر في صورة الإحياء غير محظور ، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها{[2472]} إذ هي فكر فيها عبر فأراد الخليل أن يعاين فيذهب{[2473]} فكره في صورة الإحياء . وقال الطبري : معنى " ليطمئن قلبي " ليوقن ، وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير ، وحكي عنه ليزداد يقينا ، وقاله إبراهيم وقتادة . وقال بعضهم : لأزداد إيمانا مع إيماني . قال ابن عطية : ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر وإلا فاليقين لا يتبعض . وقال السدي وابن جبير أيضا : أو لم تؤمن بأنك خليلي ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي بالخلة . وقيل : دعا أن يريه كيف يحيي الموتى ليعلم هل تستجاب دعوته ، فقال الله له : أو لم تؤمن أني أجيب دعاءك ، قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي أنك تجيب{[2474]} دعائي . واختلف في المحرك له على ذلك ، فقيل : إن الله وعده أن يتخذه خليلا فأراد آية على ذلك ، قاله السائب بن يزيد{[2475]} . وقيل : قول النمروذ : أنا أحيي وأميت . وقال الحسن : رأى جيفة نصفها في البر توزعها السباع ونصفها في البحر توزعها دواب البحر ، فلما رأى تفرقها أحب{[2476]} أن يرى انضمامها فسأل ليطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع كما رأى كيفية التفريق ،
قوله تعالى : " قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم " فقيل له : " خذ أربعة من الطير " قيل : هي الديك والطاووس والحمام والغراب ، ذكر ذلك ابن إسحاق عن بعض أهل العلم ، وقاله مجاهد وابن جريج وعطاء بن يسار وابن زيد . وقال ابن عباس مكان الغراب الكركي ، وعنه أيضا مكان الحمام النسر . فأخذ هذه الطير حسب ما أمر وذكاها ثم قطعها قطعا صغارا ، وخلط لحوم البعض إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى يكون أعجب ، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل ، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء وأمسك رؤوس الطير في يده ، ثم قال : تعالين بإذن الله ، فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل ما كانت أولا وبقيت بلا رؤوس ، ثم كرر النداء فجاءته سعيا ، أي عدوا على أرجلهن . ولا يقال للطائر : " سعى " إذا طار إلا على التمثيل ، قاله النحاس . وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر ، وإذا أشار إليه برأسه قرب حتى لقي كل طائر رأسه ، وطارت بإذن الله . وقال الزجاج : المعنى ثم اجعل على كل جبل من كل واحد جزءا . وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو جعفر " جزءا " على فعل . وعن أبي جعفر أيضا " جزا " مشددة الزاي . الباقون مهموز مخفف ، وهي لغات ، ومعناه النصيب . " يأتينك سعيا " نصب على الحال . و " صرهن " معناه قطعهن ، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو عبيدة وابن الأنباري ، يقال : صار الشيء يصوره أي قطعه ، وقاله ابن إسحاق . وعن أبي الأسود الدؤلي : هو بالسريانية التقطيع ، قاله توبة بن الحمير يصفه :
فلما جذبت الحبل أطّت نُسوعُه *** بأطراف عِيدانٍ شديدٍ سُيُورُها
فأَدْنَت لي الأسباب حتى بلغتها *** بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها
أي يقطعها . والصَّوْر : القطع . وقال الضحاك وعكرمة وابن عباس في بعض ما روي عنه : إنها لفظة بالنبطية معناه قطعهن . وقيل : المعنى أملهن إليك ، أي اضممهن واجمعهن إليك ، يقال : رجل أصْور إذا كان مائل العنق . وتقول : إني إليكم لأصور ، يعني مشتاقا مائلا . وامرأة صوراء ، والجمع صور مثل أسود وسود ، قال الشاعر :
الله يعلم أنا في تلفُّتنا *** يوم الفراق إلى جيراننا صُورُ
فقوله " إليك " على تأويل التقطيع متعلق ب " خذ " ولا حاجة إلى مضمر ، وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق ب " صرهن " وفي الكلام متروك : فأملهن إليك ثم قطعهن . وفيها خمس قراءات : اثنتان في السبع وهما ضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء . وقرأ قوم " فصرهن " بضم الصاد وشد الراء المفتوحة ، كأنه يقول فشدهن ، ومنه صرة الدنانير . وقرأ قوم " فصرهن " بكسر الصاد وشد الراء المفتوحة ، ومعناه صَيَّحَهُنَّ ، من قولك : صر الباب والقلم إذا صوت ، حكاه النقاش . قال ابن جني : هي قراءة غريبة ، وذلك أن يفعل بكسر العين في المضاعف المتعدي قليل ، وإنما بابه يفعل بضم العين ، كشد يشد ونحوه ، ولكن قد جاء منه نم الحديث يَنُمه ويَنِمه ، وهر الحرب يَهُرها ويهِرها ، ومنه بيت الأعشى :
لَيَعْتَوِرَنْكَ القولُ حتى تَهِرَّه{[2477]}
إلى غير ذلك في حروف قليلة . قال ابن جني : وأما قراءة عكرمة بضم الصاد فيحتمل في الراء الضم والفتح والكسر كمد وشد{[2478]} والوجه ضم الراء من أجل ضمة الهاء من بعد . القراءة الخامسة " صرهن " بفتح الصاد وشد الراء مكسورة ، حكاها المهدوي وغيره عن عكرمة ، بمعنى فاحبسهن ، من قولهم : صَرَّى يُصَرِّي إذا حبس ، ومنه الشاة المصراة . وهنا اعتراض ذكره الماوردي وهو{[2479]} يقال : فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله " رب أرني أنظر إليك " {[2480]} [ الأعراف : 143 ] ؟ فعنه{[2481]} جوابان : أحدهما : أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف ، وما سأله إبراهيم خاص يصح معه بقاء التكليف . الثاني : أن الأحوال تختلف فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة ، وفي وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن . وقال ابن عباس : أمر الله تعالى إبراهيم بهذا قبل أن يولد له وقبل أن ينزل عليه الصحف ، والله أعلم .
قوله تعالى : ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ) سأل الخليل عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى . وما كان الخليل عليه السلام شاكا في قدرة الله على الإحياء ، وإنما كان يبتغي أن يزداد يقينا إلى يقينه . وذلك هو طبع ابن آدم ، فإنه مطبوع على الرغبة في المعاينة أو المشاهدة الحسية بما يحمله على التصديق الكامل والإيمان المستيقن على نحو يدنو دونه مجرد الإخبار . وفي ذلك يقول النبي ( ص ) : " ليس الخبر كالمعاينة " . فلا جرم أن المعاينة الحسية أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين .
أما سؤال إبراهيم ( كيف تحي الموتى ) لا يحمل أية دلالة على الشك في ذهنه عليه السلام ، بل إن الاستفهام بكيف- كما هو معلوم- إنما هو سؤال عن أمر موجود ومتقرر بالفعل لدى كل من السائل والمسؤول . وعلى هذا فالسؤال بكيف يأتي استفهاما عن هيئة الإحياء الثابت المتقرر .
وقوله : ( أو لم تؤمن ) أي بقدرتي على الإحياء . وقد سأله ذلك مع علمه أن إبراهيم مؤمن وأنه ما كان شاكا . وإنما كان سؤاله له ليبين للناس أن غرض إبراهيم أن يستزيد إيمانا وأن يترقى من يقين إلى يقين ؛ لذلك جاء قوله سبحانه : ( قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) .
وقيل في قوله : ( أو لم تؤمن ) الهمزة للإيجاب والتقرير وليست للاستفهام . ويشبه ذلك ما قاله الشاعر : ألستم خير من ركب المطايا . فالهمزة هنا غير استفهامية بل للتقرير والتحقيق ، والراجح عندي القول الأول . والله أعلم .
وقوله : ( بلى ولكن ليطمئن قلبي ) يطمئن من الطمأنينة وهي الاعتدال والسكون . نقول : اطمأنت الأعضاء أي اعتدلت وسكنت فلا تريم . يقول النبي ( ص ) في كيفية الصلاة الصحيحة : " ثم اركع حتى تطمئن راجعا " . وأما طمأنينة القلب فهي أن يؤمن إيمانا ليس فيه نقص . وقيل : طمأنينة أن يزداد يقينا مع يقينه .
قوله : ( قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا ) لا حاجة لنا في الوقوف على نوعية الطير المذكور في الآية . والأهم من ذلك جوهر القضية القائمة على المعجزة الربانية من أجل أن يستيقن قلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويطمئن بعد أن يشهد عيانا عملية الإحياء للموتى . فقد أمره ربه أن يأتي بأربعة أطيار ، وقال له : ( فصرهن إليك ) من الفعل صار يصور والمصدر صور وهو التقطيع . نقول : رأيت صوارا من البقر بالكسر أي قطيعا . وأصار الشيء فانصار بمعنى أماله{[337]} . فالمراد من قوله : ( فصرهن إليك ) أي أملهن إليك ثم اذبحن وقطعن تقطيعا ، ثم ضع على كل جبل قطعة من هذه الأجزاء المقطعة ثم ادعهن ، من الدعاة وهو النداء . أي يقول لهن : تعالين بإذن الله . حتى إذا دعاهن جئن إليه ساعيات مسرعات وقد رد الله إليهن أرواحهن .
وذلك ليشهد إبراهيم عملية الإحياء فيطمئن قلبه أي يزداد إيمانا مع إيمانه وليعلم أن الله جلّت قدرته قادر قوي لا يعز عليه أمر ولا يعجزه شيء وأنه سبحانه وتعالى حكيم فيما يقضي وفيما يفعل ( واعلم أن الله عزيز حكيم ) {[338]} .