غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (260)

258

القصة الثالثة قوله عم طوله { وإذ قال إبراهيم } التقدير : واذكر وقت قول إبراهيم .

وقيل : معطوف على قوله { إلى الذي } أي ألم تر إلى وقت قول إبراهيم . وههنا دقيقة وهي أنه لم يسم عزيراً في قصته بل قال { أو كالذي مرّ على قرية } وههنا سمى إبراهيم لأن عزيراً لم يحفظ الأدب بل قال ابتداء { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } وإبراهيم أثنى على الله أولاً بقوله { رب أرني } وأيضاً إن عزيراً استبعد الإحياء فأرى ذلك في نفسه ، وإبراهيم التمس ودعا بقول { أرني } فأرى ذلك في غيره . ومعنى أرني بصرني . وذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً . الأول قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج : إنه رأى جيفة مطروحة على شط النهر ، فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر ، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت ، فإذا أكل السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت ، فقال إبراهيم : رب أرني كيف تجمع أجزاء هذا الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر . فقيل : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى . ولكن المطلوب بالسؤال أن يصير العلم الاستدلالي ضرورياً . الثاني : قال محمد بن إسحق والقاضي : إنه في مناظرته مع نمرود لما قال ربي الذي يحيي ويميت قال الكافر أنا أحيي وأميت فأطلق محبوساً وقتل آخر فقال إبراهيم : ليس هذا بإحياء وإماتة وعند ذلك قال { رب أرني كيف تحيي الموتى } لتنكشف هذه المسألة عند نمرود وأتباعه ، ويزول الإنكار عن قلوبهم . وري أن نمرود قال له : قل لربك يحيي وإلا قتلتك ، فسأل الله ذلك ، وقوله { ليطمئن قلبي } أي بنجاتي من القتل ، أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني ، وأن عدولي إلى غيرها كان بسبب جهل المستمع . الثالث : عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن الله تعالى أوحى إليه أني أتخذ بشراً خليلاً ، فاستعظم ذلك إبراهيم عليه السلام وقال : إلهي ، ما علامة ذلك ؟ فقال : علامته أنه يحيي الميت بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات العبودية وأداء الرسالة خطر بباله أني لعلي أكون ذلك الخليل . فسأل الله إحياء الموتى فقال الله : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي على أني خليل لك . الرابع : لا يبعد أن يقال : إنه لما جاء الملك إلى إبراهيم وأخبره بأن الله بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجزة ليطمئن قلبه على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم . الخامس : لعله طالع في الصحف المنزلة عليه أن الله تعالى يحيي الموتى بدعاء عيسى ، فطلب ذلك ليطمئن قلبه أنه ليس أقل منزلة عند الله من عيسى وأنه من أولاده . السادس : أمر بذبح الولد فسارع إلى ذلك فقال : إلهي ، أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح فامتثلت فشرفني بأن تجعل بدعائي فاقد الروح ذا روح .

السابع : أراد أن يخصصه الله بهذا التشريف في الدنيا بأن جميع الخلائق يشاهدون الحشر في الآخرة . الثامن : لعل إبراهيم لم يقصد إحياء الموتى بل قصد سماع الكلام بلا واسطة . وأما أن إبراهيم عليه السلام كان شاكاً في المعاد فلا ينبغي أن يعتقد فيه ، ومن كفر النبي المعصوم فهو بالكفر أولى وكيف يظن ذلك بإبراهيم عليه السلام وقوله { بلى } اعتراف بالإيمان ، وقوله { ليطمئن قلبي } كلام عارف طالب لمزيد اليقين . والشك في قدرة الله يوجب الشك في نبوّة نفسه ، والذي جاء في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم " نحن أحق بالشك من إبراهيم " فذلك أنه " لما نزلت هذه الآية قال بعض من سمعها : شك إبراهيم ولم يشك نبينا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تواضعاً منه وتقديماً لإبراهيم على نفسه " نحن أحق بالشك منه " " والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه ، فكيف يشك هو ؟ والاستفهام في قوله { أولم تؤمن } للتقرير كقوله : ألستم خير من ركب المطايا ؟ وأيضاً المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه صلى الله عليه وسلم كان مؤمناً بذلك عارفاً به ، وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر . واللام في قوله { ليطمئن } تتعلق بمحذوف أي ولكن سألت ليزيد قلبي سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال . وقد تعرض الخواطر للمستدل بخلاف المعاين ، هذا إذا قلنا : المطلوب حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء ، أما إذا قلنا : إن الغرض شيء آخر فلا إشكال { فخذ أربعة من الطير } عن ابن عباس : هنّ طاووس ونسر وغراب وديك . وفي قول مجاهد وابن زيد : حمامة بدل النسر { فصرهن إليك } بضم الصاد وكسرها من صاره يصوره ويصيره أي أملهن وضمهن إليك . وقال الأخفش : يعني وجههنّ إليك . وفائدة أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها أن يتأملها ويعرف أشكالها وهيئتها وحلاها كيلا تلتبس بعد الإحياء ، ولا يتوهم أنها غير تلك . وفي الآية حذف كأنه قبل أملهن وقطعهن { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً } وقيل : معنى صرهن قطعهن فلا إضمار . روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وأن يقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها ، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال التي بحضرته وفي أرضه على كل جبل ربعاً من كل طائر ، ثم يصيح بها تعالين بإذن الله . فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثاً ، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها . وأنكر أبو مسلم هذه القصة وقال : إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الموتى من الله أراه الله تعالى مثالاً قرب به الأمر عليه . والمراد ب { صرهن إليك } الإمالة والتمرين على الإجابة أي قعود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة ، والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة ، ويؤكده قوله { ثم ادعهن } أي الطيور لا الأجزاء { يأتينك سعياً } وزيف قول أبي مسلم بأنه خلاف إجماع المفسرين ، وبأن ما ذكره غير مختص بإبراهيم فلا يلزم له مزية .

وأيضاً إن ظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ما سأل ، وعلى قوله لا تكون الإجابة حاصلة . ولأن قوله { على كل جبل منهنَّ جزءاً } دليل ظاهر على تجزئة الطيور وحمل الجزء على أحد الطيور الأربعة بعيد ، ثم ظاهر قوله { على كل جبل } جميع جبال الدنيا . فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان كأنه قيل : فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه . وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع : أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة والجهات الأربع . وقال السدي وابن جريج : المراد كل جبل كان يشاهده إبراهيم وكانت سبعة . أما قوله { ثم ادعهنّ يأتينك سعياً } فقيل : عدواً ومشياً على أرجلهنّ لأن ذلك أبلغ في الحجة ، وقيل : طيراناً . ورد بأنه لا يقال للطير إذا طار سعى . وأجيب بأن السعي هو الاشتداد في الحركة مشياً كانت أو طيراناً ، واحتج الأصحاب بالآية على أن البنية ليست شرطاً على صحة الحياة لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً قادراً على السعي والعدو . قال القاضي : دلت الآية على أنه لا بد من البنية من حيث إنه أوجب التقطيع بطلان حياتها ، والجواب أن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة ، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فيدل على المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة ، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء حال تفرقها كان دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة . { واعلم أن الله عزيز } غالب على جميع الممكنات { حكيم } عالم بعواقب الأمور وغايات الأشياء .

/خ260