إن كل فرد من أهل الكتاب ينكشف له الحق في أمر عيسى قبل أن يفارق الحياة ، فيدرك أن عيسى ما كان إلا عبد الله ورسوله ، ويؤمن على ذلك الأساس . غير أن إيمانه يأتي متأخراً لا ينفعه . ولسوف يشهد عليهم عيسى يوم القيامة أنه قد بلّغ رسالة ربه ، كما جاء في آخر سورة المائدة : { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [ الآية : 117 . . . ] .
قوله تعالى : " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة : المعنى ليؤمنن بالمسيح " قبل موته " أي الكتابي ، فالهاء الأولى عائدة على عيسى ، والثانية على الكتابي ؛ وذلك أنه ليس أحد من أهل الكتاب اليهود والنصارى إلا ويؤمن بعيسى عليه السلام إذا عاين الملك ، ولكنه إيمان لا ينفع ؛ لأنه إيمان عند اليأس وحين التلبس بحالة الموت ، فاليهودي يقر في ذلك الوقت بأنه رسول الله ، والنصراني يقر بأنه كان رسول الله . وروي أن الحجاج سأل شهر بن حوشب عن هذه الآية فقال : إني لأوتى بالأسير من اليهود والنصارى فآمر بضرب عنقه ، وأنظر إليه في ذلك الوقت فلا أرى منه الإيمان ، فقال له شهر بن حوشب : إنه حين عاين أمر الآخرة يقر بأن عيسى عبدالله ورسوله فيؤمن به ولا ينفعه ، فقال له الحجاج : من أين أخذت هذا ؟ قال : أخذته من محمد بن الحنفية ؛ فقال له الحجاج : أخذت من عين صافية . وروي عن مجاهد أنه قال : ما من أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موته ، فقيل له : إن غرق أو احترق أو أكله السبع يؤمن بعيسى ؟ فقال : نعم ! وقيل : إن الهاءين جميعا لعيسى عليه السلام ، والمعنى ليؤمنن به من كان حيا حين نزوله يوم القيامة{[5124]} ؛ قال قتادة وابن زيد وغيرهما واختاره الطبري . وروى يزيد بن زريع عن رجل عن الحسن في قوله تعالى : " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " قال : قبل موت عيسى ، والله إنه لحي عند الله الآن ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون ، ونحوه عن الضحاك وسعيد . بن جبير . وقيل : " ليؤمنن به " أي بمحمد عليه السلام وإن لم يجر له ذكر ؛ لأن هذه الأقاصيص أنزلت عليه والمقصود الإيمان به ، والإيمان بعيسى يتضمن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام أيضا ؛ إذ لا يجوز أن يفرق بينهم . وقيل : " ليؤمنن به " أي بالله تعالى قبل أن يموت ولا ينفعه الإيمان عند المعاينة . والتأويلان الأولان أظهر . وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لينزلن ابن مريم حكما عدلا فليقتلن الدجال وليقتلن الخنزير وليكسرن الصليب وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ) ، ثم قال أبو هريرة : واقرؤوا إن شئتم " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " قال أبو هريرة : قبل موت عيسى ، يعيدها ثلاث مرات . وتقدير الآية عند سيبويه : وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به . وتقدير الكوفيين : وإن من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن به ، وفيه قبح ، لأن فيه حذف الموصول ، والصلة بعض الموصول فكأنه حذف بعض الاسم .
قوله تعالى : " ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا " أي بتكذيب من كذبه وتصديق من صدقه .
قوله : ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) إن أداة نفي بمعنى ما . وأهل الكتاب اليهود والنصارى . فكل واحد منهم سيؤمن به قبل موته .
وقد جاء في بيان المقصود من ذلك عدة أقوال نذكرها فيما يلي :
القول الأول : كل واحد من اليهود والنصارى سوف يؤمن بالمسيح بعد نزوله إلى الأرض ، ثم يدركه الموت بعد ذلك كغيره من العباد . وبذلك فإن الضمير في موته يعود على المسيح وكذلك الضمير في ( به ) أي أن كل كتابي حال حياة المسيح بعد أن ينزل من السماء إلى الأرض سوف يؤمن به إيمانا صحيحا بعيدا عن الشرك وهو أنه نبي الله وعبده ورسوله .
القول الثاني : كل واحد من أهل الكتاب سوف يؤمن بالمسيح قبل أن يموت ( الكتابي ) فالضمير في موته يعود على الكتابي ، فكل يهودي ونصراني عند معاينته الموت سيؤمن بالمسيح إيمانا صحيحا . أما الضمير في ( به ) فإنه يعود على المسيح .
القول الثالث : وهو عود الضمير في ( به ) على النبي محمد ( ص ) . وبذلك فكل كتابي من اليهود والنصارى إذا عاين الموت فإنه سينكشف له الحق فيعلم أن هذا النبي حق ، لكن هذا التصديق لا ينفعه ؛ لأنه حاصل بعد فوات الأوان الذي تستقيم فيه التوبة وتقبل . وينبغي القول كذلك أن الكتابي لا ينفعه إيمانه إن كان ذلك عند معاينة الموت سواء تعلق إيمانه بالمسيح أو محمد عليهما الصلاة والسلام . فإن التوبة عن الكفر تكون صحيحة إذا كانت قبل معاينة الموت . وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى سابقة : ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما ) .
ولدى النظر في هذه الأقوال يتبين أن القول الأول هو الصحيح . وذلك بالنظر للسياق الذي جاءت عليه الآيات في مطلعها وفي آخرها والمتعلقة بخبر المسيح عليه السلام ، فمطلع الآيات يتناول الحديث عن فرية القتل والصلب ، وأن ذلك ما كان إلا تشبيها أوقع المختلفين في الشك والاضطراب ، وأن المسيح قد تم رفعه إلى السماء فانتفى ما نسبه إليه المرتابون والخراصون . وذلك كله متعلق بالمسيح نفسه . وأما آخرها فإنه يحقق أن المقصود هو المسيح . يستبين ذلك من قوله تعالى : ( ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) فالذي يشهد على أعمالهم وأقوالهم من التصديق له أو التكذيب هو المسيح ، وذلك الذي يدل عليه السياق ، وهو الذي يدور حوله الحديث خلال هذه الآيات .
وفي تعزيز هذا القول وفي عودة المسيح إلى الأرض يقول النبي ( ص ) فيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه : " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد وحتى تكون السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها " ثم يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم : " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) وقد ورد مثل ذلك جملة أحاديث متضافرة تؤكد المقصود من الآية .
وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجر : يا مسلم هذا يهودي فتعال فاقتله " لكن أمثال هذا الحديث من حيث التحقيق تظل تحتمل مدلولين . أحدهما أن يكون ذلك في الدنيا وهو أن تتحقق للمسلمين أسباب القوة والمنعة ، فتكون لهم الغلبة على اليهود بعد أن تضيق البشرية بهم ذرعا وتعاني من كيدهم البلاء والشقاء .
أما الثاني : فهو أن يكون ذلك أحد أشراط القيامة ؛ إذ لا ينطق الحجر إلا بحصول معجزة ولا يتيسر ذلك إلا أن تقوم الساعة حيث الأهوال والخوارق وحيث الانقلاب الكوني الهائل الذي يأتي على الحياة والخلائق جميعا{[854]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.