تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ} (146)

الرشد : الصلاح والاستقامة ، وضده الغي والفساد .

كل آية : كل بينة .

بعد أن بيّن الله تعالى ما لحق فرعون وقومه بسبب من استكباره وظلمه وفساده في الأرض ، بيَّن هنا ضلال البشر وتكذيبهم للرسل ، وذكر أن السبب في كل ذلك هو التكبر .

ومعنى الآية :

سأمنع أولئك الذين يتطاولون في الأرض ويتكبّرون عن قبول الصواب بغير الحق من التفكير في دلائل قدرتي إنهم يروا كل آية تدل على صدق رسُلنا لا يصدقوا بها ، أما حين يشاهدون طريق الضلال فسرعان ما يسلكونه راغبين ، وذلك لأنهم كذّبوا بآياتنا المنزلة ، وغفلوا عن الاهتداء بها .

وأمثال هؤلاء كثيرون اليوم في بلادنا من المسلمين ، لقد درسوا في الغرب ورأوا زخرف المدنيّة الأوروبية ، وغرَّهم بَهْرَجها ، وأخذوا منها ما يوفر لهم اللذات والمتع ولم يأخذوا العلم النافع ولا الصناعة المفيدة ، والأنظمة النافعة . إن هذه تكلفهم جهداً كبيراً فيما هم لا يريدون غير المتع والملذات .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ} (146)

قوله تعالى : " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق " قال قتادة : سأمنعهم فهم كتابي . وقاله سفيان بن عيينة . وقيل : سأصرفهم عن الإيمان بها . وقيل : سأصرفهم عن نفعها ، وذلك مجازاة على تكبرهم . نظيره : " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم{[7363]} " [ الصف : 5 ] . والآيات على هذا المعجزات أو الكتب المنزلة . وقيل : خلق السماوات والأرض . أي أصرفهم عن الاعتبار بها . " يتكبرون " يرون أنهم أفضل الخلق . وهذا ظن باطل ؛ فلهذا قال : " بغير الحق " فلا يتبعون نبيا ولا يصغون إليه لتكبرهم .

قوله تعالى : " وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا " يعني هؤلاء المتكبرون . أخبر عنهم أنهم يتركون طريق الرشاد ويتبعون سبيل الغي والضلال ، أي الكفر يتخذونه دينا . " ثم علل فقال : " ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا " أي ذلك الفعل الذي فعلته بهم بتكذيبهم . " وكانوا عنها غافلين " أي كانوا في تركهم تدبر الحق كالغافلين . ويحتمل أن يكونوا غافلين عما يجازون به ، كما يقال : ما أغفل فلان عما يراد به ، وقرأ مالك بن دينار " وإن يروا " بضم الياء في الحرفين ، أي يفعل ذلك بهم . وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة " سبيل الرشد " بضم الراء وإسكان الشين . وأهل الكوفة إلا عاصما " الرشد " بفتح الراء والشين . قال أبو عبيد : فرق أبو عمرو بين الرشد والرشد فقال : الرشد في الصلاح . والرشد في الدين . قال النحاس : " سيبويه يذهب إلى أن الرشد والرشد مثل السخط والسخط ، وكذا قال الكسائي . والصحيح عن أبي عمرو غير ما قال أبو عبيد . قال إسماعيل بن إسحاق : حدثنا نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء قال : إذا كان الرشد وسط الآية فهو مسكن ، وإذا كان رأس الآية فهو محرك . قال النحاس : يعني برأس الآية نحو " وهيئ لنا من أمرنا رشدا{[7364]} " [ الكهف : 10 ] فهما عنده لغتان بمعنى واحد ، إلا أنه فتح هذا لتتفق الآيات . ويقال : رشد يرشد ، ورشد يرشد . وحكى سيبويه رشد يرشد . وحقيقة الرشد والرشد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد ، وهو ضد الخيبة " .


[7363]:راجع ج 18 ص 82
[7364]:راجع ج 10 ص 358
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ} (146)

قوله تعالى : { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنون بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيلا الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين 146 والذين كفروا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } .

ذلك نذير من الله للفاسقين المتكبرين عن طاعة الله ، والذين يتكبرون على الناس صلفا وغرورا –بأنهم ممنوعات من إدراك الآيات والبينات الدالة على قدرته وعظمته ، وأنه سبحانه حقيق بالعبادة دون غيره . فهم بذلك قد ختم الله على قلوبهم فلا يتذكرون أو يفقهون . وهذا النذير مطرد في حق كل أمة بل في حق كل أحد من العالمين . فما من مستكبر عن آيات الله فيمشي في الأرض مغترا متكبرا إلا حيل بينه وبين فهم الكتاب الحكيم ؛ إذ ران على قلبه الفسق والضلال فبات من المختوم عليهم فلا يعي ولا يزدجر .

قوله : { وإن يروا كل آية لا يؤمنون بها } الآية ؛ أي أن هؤلاء الذين صرفهم الله عن فهم الآيات والدلائل والحجج بسبب تكبرهم وعتوهم ، ولا رجاء ولا أمل في إيمانهم ؛ فقد باتت قلوبهم غلفا وما كانوا ليفقهوا أو يتدبروا الآيات بعد أن طبع على عقولهم قلوبهم . وهم كذلك قد عموا عن الصواب والحق فلا يختارون غير طريق الباطل والشر ؛ لأن طبائعهم باتت تنفر من رؤية الحق أو سماعه بل تشمئز من التذكير بدعوة الخير والسداد ، خلاف للشر والباطل ؛ فإنها تستبشر بهما وتركن إليهما وتجد فيهما الراحة المزيفة المجدودة ، والاستمتاع العاجل الموهوم . أولئك فريق ضال من الناس ختم الله على قلوبهم فلا يرون إلا الشر والخطيئة ، ولا يبصرون إلا في الضلال والديجور . وهو مقتضى قوله : { وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا } .

قوله : { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } اسم الإشارة { ذلك } في محل رفع على الابتداء . والتقدير : ذلك الصرف بسبب تكذيبهم . أو في محل نصب ، والتقدير : صرفهم الله ذلك الصرف بسبب تكذيبهم بآيات الله بالرغم مما تضمنته لهم من الأدلة والحجج الظاهرة على عظمة الله وعلى صدق أنبيائه ورسله وبسبب غفلتهم وانشغالهم عما جاءهم من الحق ؛ فقد كانوا لاهين سادرين في الغي وفي الملاهي الدنيا وزخرفها ، راضين بزينة الحياة وما حفلت به من زينة ومتاع ما يلبث أن يبيد ويفني بعد حين سريع من الزمن .