يحاربون الله : الذين يتعدون على الناس بالقتل والنهب وترويع الآمنين ، ويخرجون على أحكام الشرع ، ويفسدون في الأرض بقطع الطريق أو نهب أموال الناس . . والاحتكارُ ضربٌ من النهب . وعقابهم على أربعة أنواع : إما القتل أو الصلب ، أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف . ( أي أن تُقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو العكس ) أو النفي من البلد الذي هم فيه . والعقوبة اللازمة على قدر الجريمة المقترفة ، وولاة المسلمين عن حقٍّ وجدارة هم الذين يقضُون في ذلك .
والحكمة في عدم التعيين والتفصيل أن المفاسد كثيرة تختلف باختلاف الزمان والمكان ، فيختلف ضررها كذلك فللإمام الّذي يختاره المسلمون أن يقتلهم إن قتلوا ، أو يصلبهم إن جمعوا بين أخذ المال والقتل ، أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال ، أو أن يُنْفَوا من الأرض إن أخافوا الناس وقطعوا عليهم الطرق ولم يقتلوا .
إن ذلك العقاب ذلّ لهم وفضيحة في الدنيا ليكونوا عبرة لغيرهم من الناس ، وجزاؤهم عذاب عظيم في الآخرة .
{ 33 ، 34 } { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }
المحاربون لله ولرسوله ، هم الذين بارزوه بالعداوة ، وأفسدوا في الأرض بالكفر والقتل ، وأخذ الأموال ، وإخافة السبل .
والمشهور أن هذه الآية الكريمة في أحكام قطاع الطريق ، الذين يعرضون للناس في القرى والبوادي ، فيغصبونهم أموالهم ، ويقتلونهم ، ويخيفونهم ، فيمتنع الناس من سلوك الطريق التي هم بها ، فتنقطع بذلك .
فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم -عند إقامة الحد عليهم- أن يفعل بهم واحد من هذه الأمور .
واختلف المفسرون : هل ذلك على التخيير ، وأن كل قاطع طريق يفعل به الإمام أو نائبه ما رآه المصلحة من هذه الأمور المذكورة ؟ وهذا ظاهر اللفظ ، أو أن عقوبتهم تكون بحسب جرائمهم ، فكل جريمة لها قسط يقابلها ، كما تدل عليه الآية بحكمتها وموافقتها لحكمة الله تعالى . وأنهم إن قتلوا وأخذوا مالًا تحتم قتلُهم وصلبهم ، حتى يشتهروا ويختزوا ويرتدع غيرهم .
وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا تحتم قتلهم فقط . وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا تحتم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، اليد اليمنى والرجل اليسرى . وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا ، ولا أخذوا مالا ، نفوا من الأرض ، فلا يتركون يأوون في بلد حتى تظهر توبتهم . وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وكثير من الأئمة ، على اختلاف في بعض التفاصيل .
{ ذَلِكَ } النكال { لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا } أي : فضيحة وعار { وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } فدل هذا أن قطع الطريق من أعظم الذنوب ، موجب لفضيحة الدنيا وعذاب الآخرة ، وأن فاعله محارب لله ولرسوله .
وإذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة ، علم أن تطهير الأرض من المفسدين ، وتأمين السبل والطرق ، عن القتل ، وأخذ الأموال ، وإخافة الناس ، من أعظم الحسنات وأجل الطاعات ، وأنه إصلاح في الأرض ، كما أن ضده إفساد في الأرض .
قوله تعالى : { إنما جزاؤا الذين يحابون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ( 33 ) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } .
ثمة خلاف في سبب نزول هذه الآية . لكن الراجح والأقوى والذي عليه الجمهور هو ما رواه أئمة الحديث عن أنس بن مالك أن قوما من عكل – أو من عرينة – قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتروا{[939]} المدينة ، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا . فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم فما ارتفع النهار حتى جيئ بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر{[940]} أعينهم وألقوا في الحرة{[941]} يستسقون فلا يسقون " فأنزل الله الآية في هذا الصنف من الناس الذي يعيث في الأرض فسادا وتخريبا فيثير بين الناس الرعب والفوضى ، ويبدد في المجتمع ظواهر الأمن والاستقرار فيعيش المسلمون في وجل وهلع . من أجل ذلك شدد الإسلام في التنديد بهؤلاء الفاسقين المفسدين وشرع في حقهم من العقوبة الزاجرة الرادعة ما يكافئ جنايتهم النكراء . على أن محاربة الله ورسوله يراد بها محاربة أهل شريعته وملته من المسلمين . فإن محاربة المسلمين في حكم محاربة الله ورسوله . سواء كان ذلك في عصر النبوة أو غيرها من الأعصار .
والكلام في ذلك عن الحرابة ، وهي إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر ، أو داخله على الخلاف فيمن يستحق اسم المحاربة . فقد ذهبت المالكية والشافعية إلى أن الحرابة إشهار داخل المصر أو خارجه . فهما من حيث وجوب الحد سواء . استنادا إلى عموم الآية وعلى هذا فإن المحارب من حمل على الناس السلاح في المصر أو في البرية وكابرهم على أنفسهم وأموالهم من غير عداوة أو ثأر .
واشتراط الشافعي في ذلك حصول الشوكة . ومعناها عنده قوة المغالبة . فهو بذلك يشترط البعد عن العمران ، لأن المغالبة إنما تتأتى بالبعد عن العمران . وعند الإمام أبي حنيفة وآخرين أن المحاربة لا تكون إلا خارج المصر حيث الخوف وقلة النصرة والبعد عن السلطان{[942]} .
واختلف الفقهاء وأهل العلم فيما يجب على المحارب من القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض . فهل هذه العقوبات على التخيير فيكون الإمام مخيرا في إيقاع العقاب الذي يجده زاجرا أم أن هذه العقوبات مرتبة على قدر الجنايات تبعا للاختلاف في معنى قوله : { أو } . فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن { أو } هنا للتخيير . وهو قول ابن عباس في رواية عنه . وقال به الحسن البصري وسعيد بن المسيب ومجاهد . فيكون المعنى بذلك أن الإمام إن شاء قتل ، وإن شاء صلب ، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل ، وإن شاء نفى . فأيما واحد من هاتيك العقوبات شاء الإمام فعل . وهو مذهب الإمام مالك . وقال به عمر بن عبد العزيز . وآخرون ، إذ قالوا كلهم : الإمام مخير في الحكم على المحاربين . فهو يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية . قال ابن عباس : ما كان في القرآن { أو } فصاحبه بالخيار .
وذهب آخرون إلى أن { أو } لبيان أن هذه العقوبات تختلف باختلاف الجنايات وهي رواية عن ابن عباس . وعلى هذا فمن اقتصر على القتل قتل . ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب . ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف . ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض . وهو قول أكثر العلماء . وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وحمد . واحتجوا بما ذكره الطبري عن أنس بن مالك أنه قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الحكم في المحراب فقال : " من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ ورجله للإخافة ، ومن قتل فاقتله ، ومن جمع ذلك فاصلبه " .
واحتجوا أيضا بالقياس الجلي إذ قالوا : القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق وصار القتل حتما لا يجوز العفو عنه . وأخذ المال يتعلق به القطع في غير قاطع ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين . وإن جمعوا بين القتل وبين أخذ المال جمع في حقهم بين القتل وبين الصلب ولما في الصلب من زجر للآخرين عن الإقدام على مثل هذه المعصية{[943]} . وتفصيل الكلام في أحكام الحرابة بأكثر من ذلك في مظانه من كتب الفقه .
قوله : { أو ينفوا من الأرض } اختلف في المراد بالنفي . فقد قالت الحنفية : النفي من الأرض معناه الحبس . وهو اختيار أكثر أهل اللغة . ووجه القول بأنه الحبس أن النفي إما أن يكون المراد منه النفي من جميع الأرض ، وذلك غير ممكن . وإما أن يكون المراد إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى فهو غير جائز ، لأن المقصود من نفيه أن يندفع شره عن المسلمين . فإذا أخرج إلى آخر استضر أهله به . وإما أن يكون المراد إخراجه إلى دار الكفر وهو كذلك غير جائز لما في إخراج المسلم إلى دار الكفر من تعريض له بالردة وهو غير جائز . فإذا بطل الكل لم يبق إلا أن يكون المراد من النفي نفيه عن جميع الأرض إلا مكان الحبس . والمحبوس يسمى منفيا من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها بل ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها .
وقال الشافعي : معناه ، إن وجد الإمام هؤلاء الحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف . وإن لم يجدهم طلبهم أبدا حتى إذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه . وهو قول أحمد وإسحق . وجملة ذلك أن المحارب يطلب حتى إذا قدر عليه أقيم عليه الحد أو يظل هاربا فزعا إلى أن يتوب ويرجع .
وقال الإمام مالك : ينفي من البلد الذي أحدث فيه جنايته إلى بلد آخر ويحبس فيه كالزاني . وقيل غير ذلك .
والذي نختاره في معنى النفي من الأرض أنه النفي من بلد إلى غيره وحبسه فيه حتى تظهر توبته من فسوقه ونزوعه عن معصيته ربه{[944]} .
قوله : { ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } اسم الإشارة { ذلك } في محل رفع مبتدأ . وجملة { لهم خزي } من خبر مقدم ومبتدأ . والجملة في محل رفع خبر للمبتدأ الأول ( اسم الإشارة ) . واسم الإشارة عائد على ما فصل من الأحكام والأجزية التي يستحقها قطاع الطرق ما بين قتل وصلب وقطع للأيدي والأرجل من خلاف ونفي من الأرض ، فذلك كله خزي لهم أي ذلة وفضيحة في هذه الدنيا . وكذلك لهم في الآخرة { عذاب عظيم } حيث النار والأهوال . وذلك إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا . أما إن تابوا في الدنيا قبل الممات فإن الله تواب رحيم . وفي ذلك روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أذنب في الدنيا فعوقب به فالله أعدل من يثني عقوبته على عبده . ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه " .