لقد اختبرنا الناسَ من الأمم السابقة بضروبٍ من البأساء والضراء فصبروا وتمسكوا بدِينهم ، والله يعلم الذين صدقوا في إيمانهم ، ويعلم الكاذبين .
روى البخاري وأبو داود والنسائي عن خَبَّاب بن الأرتّ قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقينا من المشركين من شدةٍ ، فقلنا : ألا تستنصرُ لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : « قد كان من قبلِكم يؤخَذُ الرجل فيُحفَرُ له في الأرض فيُجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضعُ على رأسه فيُجعل نصفَين ، ويمشَط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه ، فما يصدُّه ذلك عن دينه . والله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ من صنعاء الى حضرموتَ لا يخاف إلا الله ، والذئبَ على غنمه ، ولكنكم تستعجلون »
يخبر تعالى عن [ تمام ] حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال " إنه مؤمن " وادعى لنفسه الإيمان ، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن ، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه .
فإنهم لو كان الأمر كذلك ، لم يتميز الصادق من الكاذب ، والمحق من المبطل ، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة ، أن يبتليهم بالسراء والضراء ، والعسر واليسر ، والمنشط والمكره ، والغنى والفقر ، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان ، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن ، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة ، والشهوات المعارضة للإرادة ، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل ، ويدفعها{[619]} بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب ، أو الصارفة عن ما أمر اللّه به ورسوله ، يعمل بمقتضى الإيمان ، ويجاهد شهوته ، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته .
ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا ، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات ، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه .
والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا اللّه ، فمستقل ومستكثر ، فنسأل اللّه تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وأن يثبت قلوبنا على دينه ، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير ، يخرج خبثها وطيبها .
وقوله - سبحانه - : { وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين } مؤكد لما قبله من أن ظن الناس أن يتركوا بدون ابتلاء ، لقولهم آمنا ، هذا الظن فى غير محله ، لأن سنة الله قد اقتضت أن يدفع الناس بعضهم ببعض ، وأن يجعل الكافرين يتصارعون مع المؤمنين ، إلا أن العاقبة فى النهاية للمؤمنين .
والمقصود بقوله - تعالى - : { فَلَيَعْلَمَنَّ . . } إظهار علمه - سبحانه - ، أو المجازاة على الأعمال .
أى : ولقد فتنا الذين من قبل هؤلاء المؤمنين من أصحابك - أيها الرسول الكريم - ، { فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ . . . } أى فليظهرن الله - تعالى - فى عالم الواقع حال الذين صدقوا فى إيمانهم ، من حال الكاذبين منهم ، حتى ينكشف للناس ما هو غائب عن علمهم .
أو المعنى : ولقد فتنا الذين من قبلهم من المؤمنين السابقين ، كأتباع نوح وهود وصالح وغيرهم ، فليجزين الذين صدقوا في إيمانهم بما يستحقون من ثواب ، وليجزين الكاذبين بما يستحقون من عقاب ، ولترتب المجازاة على العلم ، أقيم السبب مقام المسبب .
قال الإِمام ابن جرير : قوله : { فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ . . . } أى : فليعلمن الله الذين صدقوا منهم فى قولهم آمنا ، وليعلمن الكاذبين منهم فى قولهم ذلك ، والله عالم بذلك منهم ، قبل الاختبار ، وفى حال الاختبار ، وبعد الاختبار ، ولكن معنى ذلك : وليظهرن الله صدق الصادق منهم فى قوله آمنا بالله ، من كذب الكاذب منهم . .
وذكر أن هذه الآية نزلت فى قوم من المسلمين ، عذبهم المشركون ، ففتن بعضهم ، وصبر بعضهم على أذاهم ، حتى أتاهم الله بفرج من عنده .
وفى معنى هاتين الايتين وردت آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين } وقوله - تعالى - : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً . . } وقوله - سبحانه - : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ } وقد ساق الإِمام القرطبى عند تفسيره لهاتين الآيتين من سورة العنكبوت عددا من الأحاديث النبوية ، منها قوله : " روى البخارى عن خباب بن الأرت قالوا : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو متوسد بردة له فى ظل الكعبة ، فقلنا له : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : " قد كان من قبلكم يؤخذ فيحفر له فى الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه ، فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه ، فما يصرفه ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون " " .
والخلاصة ، أن المقصود من الآتيين تنبيه الناس فى كل زمان ومكان ، إلى أن ظن بعض الناس أن الإِيمان يتعارض مع الابتلاء بالبأساء والضراء ، ظن خاطئ ، وإلى أن هذا الابتلاء سُنة ماضية فى السابقين وفى اللاحقين إلى يوم القيامة .
قوله : { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } { فتناّ } من الفتنة وهي الاختبار والامتحان{[3539]} ، أي ابتلينا السابقين من المؤمنين وامتحناهم بمختلف الوجوه من البلاء ، كإبراهيم الخليل ، إذ ألقاه الظالمون في النار .
وكذلك غيره من المؤمنين الذين نُشّروا بالمناشير وقطعت أطرافهم وأعضاؤهم تقطيعا وما صدهم ذلك كله عن دينهم . وقد روى البخاري عن خباب بن الأرث قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا له : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : " قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد لحمهُ وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه . والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " .
قوله : { فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } { فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ } : أي ليرين اللهُ الذين صدقوا في إيمانهم وليرين الكاذبين . وقيل : ليُظهرن الله الذين صدقوا وليُظهرن الكاذبين . وقيل : ليُميزنّ الله الصادقين من الكاذبين . والمقصود : أن الله عالم بالصادق والكاذب قبل الامتحان ، وقبل أن يخلق الصادق أو الكاذب نفسه .
وإنما المراد إظهار الصادق والكاذب في قولهما والتمييز بينهما بما يصيبهما من بلاء .