سورة الرحمن مدنية وآياتها ثمان وسبعون ، نزلت بعد سورة الرعد . هذا قول الجمهور ، ويقول بعض العلماء : إنها مدنية هي وسورة الرعد ، والقرطبي يرجح أنها مكية . واختلفت المصاحف فبعضها يذكر أنها مكية ، وبعضها يذكر أنها مدنية . وهي بقصر آياتها ، ومعالجتها لأصول العقيدة الإسلامية أقرب لأن تكون مكية .
ولسورة الرحمن طابع خاص ، وأسلوب فريد متميز عن سائر السور ،
في رنينها ، وفواصلها وطريقة عرضها لآلاء الله الباهرة ، ونعمه المستفيضة ،
ثم تكرار قوله تعالى : { فبأي آلاء ربكما تكذبان } . وقد تكررت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة على طريقة القرآن الكريم في التكرار المستحسن الذي يقتضيه المقام ، في كل مرة فيها تقريع للمكذبين على تكذيبهم بنعم الله الواردة في الآية التي قبلها .
وقد ورد هذا التكرار في أساليب العرب في الشعر لمهلهِل يرثي أخاه كليبا ، وكذلك للشاعر الفارس الحارث بن عباد وغيرهم . والسورة تتحدى الفصحاء والبلغاء بهذا الأسلوب العجيب . ومع التحدي الواضح للإنس والجن ، فهي تعرض هذا الوجود عرضا سريعا ، وتتحدث عما فيه من مشاهد وعجائب ، ونعم ، عن خلْق الإنسان من صلصال كالفخار ، وخلق الجان من مارج من نار ، وكيف مرج البحرين ، ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ، وكيف تسير السفن بقدرته وأمره ، وأن كل من على هذه الأرض فان ، { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } .
وقد بدأت السورة في تعداد نعم الله بعد ذكر أشرف نعمة ، وهي تعليم القرآن الكريم ، ثم سارت توضح عظمة خالق هذا الكون وما فيه من نعم ، وتبرز قدرته وسلطانه على الثقلين : الإنس والجن ، في السموات والأرض . ثم عرضت لعذاب المجرمين المكذبين في جهنم ، وأفاضت في نعيم المتقين في الجنة . وأخيرا ختمت السورة بتنزيه الله تعالى والثناء عليه { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } .
وقد روى البيهقي في الشعب عن علي كرم الله وجهه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لكل شيء عروس ، وعروس القرآن الرحمن .
الرحمن : اسمٌ من أسماء الله الحسنى لا يجوز أن يسمّى به غيره .
1- سورة " الرحمن " سميت بهذا الاسم ، لافتتاحها بهذا الاسم الجليل من أسماء الله –تعالى- .
وقد وردت تسميتها بهذا الاسم في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي عن جابر بن عبد الله قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة " الرحمن " من أولها إلى آخرها ، فسكتوا ، فقال صلى الله عليه وسلم : " لقد قرأتها على الجن ، فكانوا أحسن مردودا منكم كنتم كلما أتيت على قوله –تعالى- : [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] قالوا : ولا بشيء من نعمك يا ربنا تكذب فلك الحمد ]( {[1]} ) .
وسميت في حديث مرفوع أخرجه البيهقي عن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- " عروس القرآن "
وقد ذكروا في سبب نزولها ، أن المشركين عندما قالوا : [ وما الرحمن ] نزلت هذه السورة لترد عليهم ، ولتثنى على الله –تعالى- بما هو أهله .
2- وهي مكية في قول جمهور الصحابة والتابعين ، وروى عن ابن مسعود وابن عباس أنها مدنية ، وقيل هي مكية إلا قوله –تعالى- : [ يسأله من في السموات والأرض . . . ] .
قال القرطبي : والقول الأول أصح ، لما روى عن عروة بن الزبير قال : أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود .
وذلك أن الصحابة قالوا : ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر به قط ، فمن رجل يسمعهم إياه ؟
فقال ابن مسعود : أنا ، فقالوا : نخشى عليك ، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه ، فأبى ، ثم قام عند المقام فقال : بسم الله الرحمن الرحيم . [ الرحمن ، علم القرآن . . . ] ثم تمادى رافعا بها صوته وقريش في أنديتها ، فتأملوا وقالوا : ما يقول ابن أم عبد ؟
قالوا : هو يقول الذي يزعم محمد أنه أنزل عليه ، ثم ضربوه حتى أثروا في وجهه . . وفي هذا دليل على أنها مكية . . ( {[2]} ) .
والحق أن ما ذهب إليه الإمام القرطبي من كون سورة الرحمن مكية ، هو ما تطمئن إليه النفس ، لأن السورة من أولها إلى آخرها فيها سمات القرآن المكي ، الذي يغلب عليه الحديث المفصل عن الأدلة على وحدانية الله وقدرته وعظم نعمه على خلقه ، والمقارنة بين حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار . .
3- وعدد آياتها ثمان وسبعون آية في المصحف الحجازي ، وست وسبعون في المصحف البصري .
4- وتبدأ السورة الكريمة بالثناء على الله –تعالى- ، ثم بالثناء على القرآن الكريم ، ثم ببيان جانب من مظاهر قدرة الله –تعالى- ، ومن جميل صنعه ، وبديع فعله . . قال –تعالى- : [ الرحمن علم القرآن . خلق الإنسان . علمه البيان . الشمس والقمر بحسبان . والنجم والشجر يسجدان . والسماء رفعها ووضع الميزان . أن لا تطغوا في الميزان ] .
5- وبعد أن ساق –سبحانه- ما ساق من ألوان النعم ، أتبع ذلك ببيان أن كل من على ظهر هذه الأرض مصيره إلى الفناء ، وأن الباقي هو وجه الله –تعالى- وحده . . . وببيان أهوال القيامة ، وسوء عاقبة المكذبين وحسن عاقبة المؤمنين . .
قال –تعالى- : [ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ] .
[ ولمن خاف مقام ربه جنتان ، فبأي آلاء ربكما تكذبان . ذواتا أفنان ] .
6- ثم وصفت ما أعده الله –تعالى- للمتقين وصفا يشرح الصدور ، ويقر العيون ، فقد أعد –سبحانه- لهم بفضله وكرمه الحور العين ، والفرش التي بطائنها من إستبرق .
قال –تعالى- : [ حور مقصورات في الخيام . فبأي آلاء ربكما تكذبان . لم يطمثهن إنس ولا جان . فبأي آلاء ربكما تكذبان . متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان . فبأي آلاء ربكما تكذبان . تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام ] .
وهكذا نرى السورة الكريمة تطوف بنا في آفاق هذا الكون ، فتحكي لنا من بين ما تحكي –جانبا من مظاهر قدرة الله –تعالى- ونعمه على خلقه- وتقول في أعقاب كل نعمة [ فبأي آلاء ربكما تكذبان ] ، وتتكرر هذه الآية فيها إحدى وثلاثين مرة ، لتذكير الجن والإنس بهذه النعم كي يشكروا الله –تعالى- عليها شكرا جزيلا .
نسأل الله –تعالى- أن يجعلنا جميعا من عباده الشاكرين عند الرخاء ، الصابرين عند البلاء .
افتتحت السورة الكريمة بهذا الاسم الجليل لله - عز وجل - وهو لفظ مشتق من الرحمة ، وصيغته الدالة على المبالغة ، تنبه إلى عظم هذه الرحمة وسعتها .
هذه السورة مكية ، وآياتها ثماني وسبعون . وهي تتجلى فيها جملة من السمات التي تفيض عليها بسحائب كثاف من مباهج الجمال ، وروعة البناء والتركيب ، فضلا عن عجائب المضمون والمعنى الذي يتخلل السورة من أولها إلى آخرها .
وفي السورة من عجائب النظم وزاهر النغم والإيحاء ما يثير في نفس القارئ المتدبر أو السامع المتفكر فيضا من التّملي والبهجة مما يشده إلى معاودة التلاوة في تكرار مستديم ، لا تجد فيه النفس شيئا من ملال أو سأم كالذي يقع للمرء في تكرار أيما كتاب آخر . وهذه واحدة من ظواهر الإعجاز في هذا الكتاب الحكيم .
ويتجلى في السورة آية خاصة مميزة مكرورة يقرأها المتدبر باستمرار مستديم ، فلا يسأم أو يضجر أو يعاف ، بل يستأنس ويبهج ويتلذذ مما يجده في نفسه من إيحاء مثير .
على أن السورة مبدوءة باسم أعظم من أسماء الله وهو " الرحمان " وفي ذلك ما لا يخفى من الإشارة إلى رحمة الله الكبرى . الرحمة الواسعة الفضلى التي تتجلى وتتسع لتشمل الكون كله .
{ الرحمان 1 علم القرآن 2 خلق الإنسان3 علمه البيان 4 الشمس والقمر بحسبان 5 والنجم والشجر يسجدان 6 والسماء رفعها ووضع الميزان 7 ألا تطغوا في الميزان 8 وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان 9 والأرض وضعها للأنام 10 فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام 11 والحب ذو العصف والريحان 12 فبأي آلاء ربكما تكذبان } .
يعدد الله نعمه على الخلق في السورة كلها . وهي نعم دنيوية وأخروية كثيرة مصدّرة بذكر الرحمان . فهو سبحانه رؤوف بعباده رحيم بالخلق جميعا . والرحمان ، مبتدأ ، وخبره ما بعده من الأفعال مع ضمائرها .
ثم ذكر الله ما هو أصل النعم وأكرمها وأعظمها ، وأشرف ما عرف الكون من حقائق وأشياء ، وذلكم هو القرآن ، وهو قوله : { علم القرآن } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.