فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{ٱلرَّحۡمَٰنُ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الرحمن

هي ست أو ثمان وسبعون آية وهي مكية

قال القرطبي : كلها في قول الحسن وعروة بن الزبير وعكرمة وعطاء وجابر ، قال ابن عباس : إلا آية منها ، وهي قوله : { يسأله من في السماوت والأرض } الآية وصوابه إلا آيتين كما صرح به الكازروني والآيتان هما : { يسأله } إلى قوله : { كل يوم هو في شأن } ، هذه واحدة ، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } هذه أخرى . وقال ابن مسعود ومقاتل : هي مدنية كلها ، والأول أصح ، قال ابن الزبير :أنزلت بمكة ، وعن عائشة نزلت بمكة وعن ابن عباس مثله ، " وعن أسماء بنت أبي بكر قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وهو يصلي نحو الركن ، قيل أن يصدع بما يؤمر ، والمشركون يسمعون : { فبأي آلاء ربكما تكذبان } {[1]} ، أخرجه أحمد وابن مردويه ، قال السيوطي : بسند حسن ، وعن ابن عباس : نزلت سورة الرحمن بالمدينة ، ويمكن الجمع بين القولين بأنه نزل بعضها بمكة ، وبعضها بالمدينة .

" وعن جابر بن عبد الله قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا ، فقال : مالي أراكم سكوتا ؟ لقد قرأتها على الجن ليلة الجن . .

فكانوا أحسن مردودا منكم ، كلما أتيت على قوله : { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ؟ قالوا : لا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد " ، رواه الترمذي وابن المنذر والحاكم ، وصححه والبيهقي ، قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد وحكي عن الإمام أحمد أنه كان يستنكر روايته عن زهير ، وقال البزار : لا نعرفه يروي إلا من هذا الوجه ، أخرجه البزار وابن جرير والدارقطني في الإفراد وغيرهم من حديث ابن عمر ، وصحح السيوطي إسناده ، وقال البزار : لا نعلمه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد .

" وعن علي : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكل شيء عروس وعروس القرآن الرحمن " .

{ الرحمن } مبتدأ وما بعده من الأفعال خبر له ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف ؛ أي : الله الرحمن ، أو مبتدأ : خبره محذوف ، أي : الرحمن ربنا : وهذان الوجهان عند من يرى أن الرحمن آية مع هذا المضمر وعلى الوجه الأول ليس بآية :

{ علم القرآن } أي : يسره للذكر ، ليحفظ ويتلى ، قاله الزجاج قال الكلبي : علم القرآن محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلمه محمد صلى الله عليه وسلم أمته ، وقيل : علم جبريل القرآن ، وقيل : علم الإنسان ، وهذا أولى لعمومه ، ولأن قوله : خلق الإنسان دال عليه ، وقيل : جعله علامة لما يعبد الناس به ، وآية يعتبر بها ، قيل : نزلت هذه الآية جوابا لأهل مكة حين قالوا : إنما يعمله بشر . وقيل : جوابا لقولهم ، وما الرحمن ؟ ولما كانت هذه السورة لتعديد نعمه التي أنعم بها على عباده ، قدم النعمة التي هي أجلها قدرا ، وأكثرها نفعا ، وأعلاها رتبة ، وأتمها فائدة وأعظمها عائدة ، وهي نعمة تعليم القرآن العزيز ، فإنها مدار سعادة الدارين ، وقطب رحي الخيرين ، وعماد الأمرين وسنام الكتب السماوية . المنزل على أفضل البرية .


[1]:ثم بفتح الثاء أي هناك.