بعد أن ذكر الله تعالى الإنسان ومعادَه ، وأن مردَّه إليه يوم القيامة ، جاء هنا يذكر قصص الأنبياء مع أُممهم ، وكيف أعرضتْ عن دعوتهم . وذلك حتى يبيّن للرسول الكريم أن إعراضَ المشركين عن قبول الدعوة ليس أمراً جديدا ، بل وفي هذا تسليةٌ له صلى الله عليه وسلم .
أكّد الله تعالى مخاطِباً البشَر جميعا بأنه أرسلَ نوحاً إلى قومه الّذين بُعث فيهم ، وقال لهم مذكِّرا بأنه منهم : يا قومُ اعبُدوا الله تعالى وحدَه ، فليس لكم أيُّ إلهٍ غيره تتوجّهون إليه في عبادتكم . إني أخاف عليكم عذابَ يومٍ شديدٍ هولهُ ، وهو يوم الحساب والجزاء . . .
قرأ الكسائي : «ما لكم من إله غيرِهِ » بكسر الراء والهاء . والباقون «غيرُهُ » بضم الراء والهاء .
والآن فلنستمع بتدبر واعتبار إلى السورة الكريمة وهى تحدثنا عن قصة نوح مع قومه فتقول : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا . . } .
تلك هى قصة نوح مع قومه كماوردت في هذه السورة ، وقد وردت بصورة أكثر تفصيلا في سورة هود ، والمؤمنون ، ونوح وغيرها .
وقوله : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ } جواب قسم محذوف ، أى : والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه والدليل على هذا القسم وجود لامه في بدء الجملة .
قال الآلوسى : " واطرد استعال هذه اللام مع قد في الماضى - على ما قال الزمخشرى - وقل الاكتفاء بها وحدها . والسر في ذلك أن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها ، فكانت مظنة لتوقع المخاطب حصول المقسم عليه ، لأن القسم دل على الاهتمام فناسب ذلك إدخال قد " .
وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر نوح في القرآن في ثلاث وأربعين موضعا .
وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد . وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة .
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم نوحا ليدلهم على طريق الرشاد . قال ابن كثير : قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير : كان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا ، فبنى قومهم عليهم مساجد ، وصوروا صور أولئك الصالحين فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم ، فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور ، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين : وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا فلما تفاقم الأمر بعث الله - تعالى - رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له " .
وقوله : { فَقَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ } حكاية لما وجهه نوح لقومه من إرشادات ، أى : قال لهم بتلطف وأدب تلك الكلمة التي وجهها كل رسول لمن أرسل إليهم : اعبدوا الله وحده لا شريك له ، فإنه هو المستحق للعبادة ، أما سواه فلا يملك نفعا أو ضرا .
وكلمة { غَيْرُهُ } قرئت بالحركات الثلاث ، بالرفع على أنها صفة لإله باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية . وقرأ الكسائى بالجر باعتبار اللفظ ، وقرىء بالنصب على الاستثناء بمعنى ، ما لكم من إله إلا إياه .
ثم حكى القرآن أن نوحا حذر قومه من سوء عاقبة التكذيب ، وأظهر لهم شفقته بهم وخوفه عليهم فقال : { إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أى : إنى أخاف عليكم إذا ما سرتم في طريق الكفر والضلال وتركتم عبادة الله وحده عذاب يوم عظيم ، ووصف اليوم بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه ولتكميل الإنذار .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما موقع الجملتين بع قوله : { اعبدوا الله } قلت : الأولى - وهى ما لكم من إله غيره - بيان لوجه اختصاصه بالعبادة ، والثانية وهى - إنى أخاف .
. . إلخ - بيان الداعى إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون الله . واليوم العظيم : يوم القيامة ، أو يوم نزول العذاب بهم وهو الطوفان " .
{ ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا فاليوم نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هذا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } .
إفاضة الماء : صبه ، ومادة الفيض فيها معنى الكثرة .
والمعنى : أن أهل النار - بعد أن أحاط بهم العذاب المهين - أخذوا يستجدون أهل الجنة بذلة وانكسار فيقولون لهم : أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله من طعام ، لكى نستعين بهما على ما نحن فيه من سموم وحميم .
وهنا يرد عليهم أهل الجنة بما يقطع آمالهم بسبب أعمالهم فيقولون لهم : إن الله منع كلا منهما على الكافرين ، الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، أى الذين اتخذوا دينهم - الذي أمرهم الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه - مادة للسخرية والتلهى ، وصرف الوقت فيما لا يفد ، فأصبح الدين - في زعمهم - صورة ورسوما لا تزكى نفساً ، ولا تطهر قلباً ، ولا تهذب خلقا وهم فوق ذلك قد غرتهم الحياة الدنيا - أى شغلتهم بمتعها ولذائذها وزينتها عن كل ما يقربهم إلى الله ، ويهديهم إلى طريقه القويم .
وقوله - تعالى - : { فاليوم نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هذا } معناه فاليوم نفعل بهم فعل الناسى بالمنسى من عدم الاعتناء بهم وتركهم في النار تركا كليا بسبب تركهم الاستعداد لهذا اليوم ، وبسبب جحودهم لآياتنا التي جاءتهم بها أنبياؤهم .
فالنسيان في حق الله - تعالى - مستعمل في لازمه ، بمعنى أن الله لا يجيب دعاءهم ، ولا يرحم ضعفهم وذلهم ، بل يتركهم في النار كما تركوا الإيمان والعمل الصالح في الدنيا .
وهكذا تسوق لنا السورة الكريمة مشاهد متنوعة لأهوال يوم القيامة ، فتحكى لنا أحوال الكافرين ، كما تصور لنا ما أعده الله للمؤمنين . كما تسوق لنا ما يدور بين الفريقين من محاورات ومناقشات فيها العبر والعظات { لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيد }
قوله تعالى : { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم 59 قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين 60 قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين 61 أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } شرع يقص علينا أخبار المرسلين السابقين وما بذلوه من جهود هائلة لا يحتملها إلا أمثالهم من النبيين المرسلين . لقد بذلت رسل الله غاية طاقاتهم من التبليغ والأداء ودعوة الناس إلى عبادة الله والتزام دينه وشرعه وأن يجانبوا عبادة الطواغيت والمعاصي ليكونوا من الراشدين المهدين . فها هو جل جلاله يقص علينا من أخبار نوح عليه الصلاة والسلام . هذا النبي الكريم المفضال الذي عاش في قومه هديا ومبلغا ألف علم إلا قليلا . وقد يكون يدعوهم خلال هذا الزمن الطويل إلى الله وإلى الانثناء عن ضلالاتهم وحماقاتهم في الإذعان للأصنام . لكنه لقي من جحود قومه وعتوهم وعصيانهم وإيذائهم مالا يطيقه بشر من البشر إلا من كان في درجة نوح عليه الصلاة والسلام .
وفي حقيقة هذا الاسم ( نوح ) قيل : إنه سمي بذلك لكثرة ما ناح على نفسه . واختلفوا في سبب نياحه على نفسه فقيل : سببه دعونه على قومه بالهلاك . وقيل : مراجعته ربه في شأن ابنه كنعان . وقيل : إصرار قومه على الكفر . فكان كلما دعاهم وأعرضوا عنه بكي وناح عليهم . وقيل غير ذلك من الأخبار الظنية غير المستندة إلى أدلة معتبرة ومقبولة إلا الإغراق في الظن البعيد الذي لا يغني من الحق شيئا . والظاهر أن هذا الاسم قد وضع له عليه الصلاة والسلام لدى ولادته ؛ فهو غير مشتق من النياحة أو النياح أو المناحة أو النوح . بل هو اسم أعجمي منصرف لخفته{[1441]} .
قوله : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } غيره ، مرفوع صفة لإله ، أو بدل منه باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء . وقيل : مجرور على أنه صفة لإله باعتبار لفظه{[1442]} .
وفي الآية هذه ينادي نوح قومه الضالين المشركين نداء الرفيق الشفيق أن اعبدوا الله وحده وأطيعوه وأذعنوا له بالانقياد وذروا هذه الأنداد المصطنعة المفتراة ؛ فإنها جميعا لا تضر ولا تنفع ؛ فهي صم بلهاء لا تعي ولا تسمع ولا تملك لكم شيئا ؛ فإنه ليس لكم في الحقيقة من إله خالق قادر رازق سوى الله .
قوله : { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } وهذا تنذير من نوح لقومه يخوفهم به تخويفا ، فإذا لم يفيئوا إلى الله بعبادته وحده ونرك الأصنام كليا والانخلاع من هذه الربقة المهلكة . ربقة الشرك والضلال والتعس ، والتشبث بالأصنام المفتراة –لئن لم يفيقوا من هذا العمه الطاغي يستنقذوا أنفسهم من كابوس الوثنية الضالة العمياء ؛ فلسوف يحيق بهم العذاب من الله . وهو عذاب أليم شديد قي يوم مذهل رعيب يشتد فيه الهول ويتعاظم فيه البلاء . ونوح عليه السلام حريص على قومه كل الحرص لتنجيتهم من العذاب . بل إنه يخاف عليهم أن يحل عليهم العذاب يوم القيامة ، وحينئذ لا يحول دونه حائل ، ولا تجدي معه شفاعة الشافعين .