الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ} (23)

" لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون " أي من القول والعمل فيجازيهم . قال الخليل : " لا جرم " كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا ، يقال : فعلوا ذلك ، فيقال : لا جرم سيندمون . أي حقا أن لهم النار . وقد مضى القول في هذا في " هود " {[9847]} مستوفى . " إنه لا يحب المستكبرين " أي لا يثيبهم ولا يثني عليهم . وعن الحسن بن علي أنه مر بمساكين قد قدموا كسرا بينهم{[9848]} وهم يأكلون فقالوا : الغذاء يا أبا عبد الله ، فنزل وجلس معهم وقال : " إنه لا يحب المستكبرين " فلما فرغ قال : قد أجبتكم فأجيبوني ، فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم وانصرفوا . قال العلماء . وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه إلا الكبر ، فإنه فسق يلزمه الإعلان ، وهو أصل العصيان كله . وفي الحديث الصحيح ( إن المستكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم ) . أو كما قال صلى الله عليه وسلم : ( تصغر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها وتعظم لهم في النار حتى يضرهم عظمها ) .


[9847]:راجع ج 9 ص 20.
[9848]:في ج و ي: لهم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ} (23)

قوله : ( لاجرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) ( لا جرم ) أي لابد ، ولا محالة . وقيل : معناه حقا . والعرب تقول : لا جرم لآتينك . لا جرم لقد أحسنت ؛ فتراها بمنزلة اليمين . وقيل : لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة ، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم وصارت بمنزلة حقا . فلذلك يجاب عنها باللام كما يجاب بها عن القسم كقولهم : لا جرم لآتينك . وهو قول الفراء{[2514]} .

وفي الآية تأكيد جازم على أن الله يعلم ما يخفيه هؤلاء المشركون الظالمون في قلوبهم من مكنونات السوء والكيد ، وما يضمرونه للإسلام والمسلمين من نوايا الخبث والمكر . وهو كذلك يعلم ما يعلنون للبشرية من مجاهرة بالضلال والكفر وما يشيعونه على الملأ من أقاويل الظلم والباطل ليثيروا من حول الإسلام الشبهات والافتراءات فيثنوا المسلمين عن دينهم ويثبطونهم تثبيطا .

قوله : ( إنه لا يحب المستكبرين ) ليس من ذنب ولا خطيئة أشد شناعة وأفدح فظاعة بعد الإشراك بالله من الكبر ؛ لأن الكبر داء يستحوذ على القلب فيسوّل له الإدبار عن دين الله ويزين له التمرد على الله في شرعه للناس . ولا يحمل المرء في نفسه شيئا من استكبار إلا ويوشك أن يبوء بالشقوة والخسران إلا أن يبادر إلى التوبة والخشوع ؛ فإن من يستكبر يسلس قياده من قبل الشيطان ليجد طريقه ممهدا إلى النار . وهؤلاء المستكبرون لا يحبهم الله ولا يثني عليهم ؛ بل يجزيهم ما يستحقونه من أليم الجزاء .


[2514]:- لسان العرب جـ12 ص 94.