الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ} (175)

قوله تعالى : " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة " تقدم{[1460]} القول فيه . ولما كان العذاب تابعا للضلالة وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي طرحوه دخلا في تجوز الشراء .

قوله تعالى : " فما أصبرهم على النار " مذهب الجمهور - منهم الحسن ومجاهد - أن " ما " معناه التعجب وهو مردود إلى المخلوقين ، كأنه قال : اعجبوا من صبرهم على النار ومكثهم فيها . وفي التنزيل : " قتل الإنسان ما أكفره{[1461]} " [ عبس : 17 ] و " أسمع بهم وأبصر{[1462]} " [ مريم : 38 ] . وبهذا المعنى صدر أبو علي . قال الحسن وقتادة وابن جبير والربيع : ما لهم واللّه عليها من صبر ، ولكن ما أجرأهم على النار وهي لغة يمنية معروفة . قال الفراء أخبرني الكسائي قال : أخبرني قاضي اليمن أن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف ، فقال له صاحبه : ما أصبرك على اللّه ؟ أي ما أجرأك عليه . والمعنى : ما أشجعهم على النار إذ يعملون عملا يؤدي إليها . وحكى الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار ، من قولهم : ما أصبر فلانا على الحبس أي ما أبقاه فيه . وقيل : المعنى فما أقل جزعهم من النار ، فجعل قلة الجزع صبرا وقال الكسائي وقطرب : أي ما أدومهم على عمل أهل النار . وقيل : " ما " استفهام معناه التوبيخ ، قاله ابن عباس والسدي وعطاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى ، ومعناه : أي أكثر شيء صبرهم على عمل أهل النار ؟ وقيل : هذا على وجه الاستهانة بهم والاستخفاف بأمرهم .


[1460]:يراجع ج 1 ص 210 طبعة ثانية.
[1461]:راجع ج 19 ص 215
[1462]:راجع ج 11 ص 108
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ} (175)

وقوله : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ) ( أولئك ) اسم إشارة في محل رفع مبتدأ وخبره الاسم الموصول ( الذين ) في محل رفع ، والجملة الفعلية بعده صلة الموصول .

المراد باسم الإشارة ( أولئك ) هم اليهود الذين اعتاضوا عن الاستقامة وقول الحق والعدل والالتزام بشرع الله ودينه ، بالزيغ والانحراف إذ كذبوا على الله بنكرانهم نبوة محمد ( ص ) وتحيزهم إلى فئة المشركين . وذلك هو اشتراء الضلالة وهي الكفر والانحراف والتحيز للشرك والباطل ، ودفعوا بدل ذلك عقيدتهم وملتهم إذ زيفوهما تزييفا وبدلوهما تبديلا . ومثل هذا التزييف أو التبديل أو الانحراف يؤول بهؤلاء المشركين إلى عذاب الله بدلا من مغفرته .

وقوله : ( فما أصبرهم على النار ) ما تفيد التعجب والتقدير : شيء أصبرهم . أصبر فعل ماض مبني على الفتح والضمير المتصل في محل نصب مفعول به . والميم للجمع وما في محل رفع مبتدأ ، وما بعدها خبر{[187]} . والآية تبين فظاعة العذاب الأليم الذي يحترق فيه هؤلاء المشركون الضالون . وهم حين يلجون النار يُكبكبون فيها تكبكبا وهم داخرون مقهورون . حتى إن من يبصرهم وهم يتقاحمون في النار يمتلكه العجب المدهش لصبرهم على النار المتأججة المستعرة التي تصهر الجبال فكيف بالجلود والأبدان ؟ ! .

وقيل : ( فما أصبرهم على النار ) أي ما أدومهم وأطول بقاءهم في النار وقيل : ما تفيد الاستفهام ومعناه التوبيخ . وقيل : تعني الاستهانة والاستخفاف بهم .


[187]:- البين للأنباري جـ 1 ص 138