الأولى : قوله تعالى : " ليس البر " اختلف من المراد بهذا الخطاب ، فقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا سأل نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن البر ، فأنزل اللّه هذه الآية . قال : وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ثم مات على ذلك وجبت له الجنة ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وقال الربيع وقتادة أيضا : الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي ، فاليهود إلى المغرب قبل بيت المقدس ، والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس ، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليتها ، فقيل لهم : ليس البر ما أنتم فيه ، ولكن البر من آمن باللّه .
الثانية : قرأ حمزة وحفص " البر " بالنصب ؛ لأن ليس من أخوات كان ، يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر ، فلما وقع بعد " ليس " : " البر " نصبه ، وجعل " أن تولوا " الاسم ، وكان المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر ، والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف . وقرأ الباقون " البر " بالرفع على أنه اسم ليس ، وخبره " أن تولوا " ، تقديره ليس البر توليتكم وجوهكم ، وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر ، كقوله : " ما كان حجتهم إلا أن قالوا{[1464]} " [ الجاثية : 25 ] ، " ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوءى أن كذبوا{[1465]} " [ الروم : 10 ] " فكان عاقبتهما أنهما في النار{[1466]} " [ الحشر : 17 ] وما كان مثله . ويقوي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعا في قوله : " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " [ البقرة : 189 ] ولا يجوز فيه إلا الرفع ، فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له . وكذلك هو في مصحف أبي بالباء " ليس البر بأن تولوا " وكذلك في مصحف ابن مسعود أيضا ، وعليه أكثر القراء ، والقراءتان حسنتان .
الثالثة : قوله تعالى : " ولكن البر من آمن بالله " البر ههنا اسم جامع للخير ، والتقدير : ولكن البر بر من آمن ، فحذف المضاف ، كقوله تعالى : " واسأل القرية{[1467]} " [ يوسف : 82 ] ، " وأشربوا في قلوبهم العجل{[1468]} " [ البقرة : 93 ] قاله الفراء وقطرب والزجاج . وقال الشاعر :
أي ذات إقبال وذات إدبار وقال النابغة :
وكيف تواصل من أصبحت *** خِلالته كَأبِي مَرْحَبِ{[1469]}
أي كخلالة أبي مرحب ، فحذف . وقيل : المعنى ولكن ذا البر ، كقوله تعالى : " هم درجات عند الله{[1470]} " [ آل عمران : 163 ] أي ذوو درجات . وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود أنزل اللّه هذه الآية فقال : ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ، ولكن البر - أي ذا البر - من آمن باللّه ، إلى آخرها ، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء وسفيان والزجاج أيضا . ويجوز أن يكون " البر " بمعنى البار والبر ، والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر ، كما يقال : رجل عدل ، وصوم وفطر . وفي التنزيل : " إن أصبح ماؤكم غورا{[1471]} " [ الملك : 30 ] أي غائرا ، وهذا اختيار أبي عبيدة . وقال المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت " ولكن البر " بفتح الباء .
الرابعة : قوله تعالى : " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين " فقيل : يكون " الموفون " عطفا على " من " لأن من في موضع جمع ومحل رفع ، كأنه قال : ولكن البر المؤمنون والموفون ، قاله الفراء والأخفش . " والصابرين " نصب على المدح ، أو بإضمار فعل . والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام ، وينصبونه . فأما المدح فقوله : " والمقيمين الصلاة{[1472]} " [ النساء : 162 ] . وأنشد الكسائي :
وكلُّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم *** إلا نُمَيْراً أطاعت أمر غاويها
الظاعنين ولما يظعنوا أحدا *** والقائلون لمن دارٌ نُخَلِّيهَا
لا يَبْعَدَن قومي الذين هم *** سُمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ{[1473]}
النازلين بكل معترك *** والطيبون معاقد الأُزْرِ
فنصب على المدح . وأما الذم فقوله تعالى : " ملعونين أينما ثقفوا{[1474]} " [ الأحزاب : 61 ] الآية . وقال عروة بن الورد :
سقوني الخمر ثم تكنفوني *** عُدَاةَ الله من كذب وزورِ
وهذا مهيع{[1475]} في النعوت ، لا مطعن فيه من جهة الإعراب ، موجود في كلام العرب كما بينا . وقال بعض من تعسف في كلامه : إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام ، قال : والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى{[1476]} فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها . وهكذا قال في سورة النساء " والمقيمين الصلاة " [ النساء : 162 ] ، وفي سورة المائدة " والصابئون{[1477]} " [ المائدة : 69 ] . والجواب ما ذكرناه . وقيل : " الموفون " رفع على الابتداء والخبر محذوف ، تقديره وهم الموفون . وقال الكسائي : " والصابرين " عطف على " ذوي القربى " كأنه قال : وآتى الصابرين . قال النحاس : " وهذا القول خطأ وغلط بين ، لأنك إذا نصبت " والصابرين " ونسقته على " ذوي القربى " دخل في صلة " من " وإذا رفعت " والموفون " على أنه نسق على " من " فقد نسقت على " من " من قبل أن تتم الصلة ، وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف " . وقال الكسائي : وفي قراءة عبدالله " والموفين ، والصابرين " . وقال النحاس : " يكونان منسوقين على " ذوي القربى " أو على المدح . قال الفراء : وفي قراءة عبدالله في النساء " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة{[1478]} " [ النساء : 162 ] . وقرأ يعقوب والأعمش " والموفون والصابرون " بالرفع فيهما . وقرأ الجحدري " بعهودهم " . وقد قيل : إن " والموفون " عطف على الضمير الذي في " آمن " . وأنكره أبو علي وقال : ليس المعنى عليه ، إذ ليس المراد أن البر بر من آمن باللّه هو والموفون ، أي آمنا جميعا . كما تقول : الشجاع من أقدم هو وعمرو ، وإنما الذي بعد قوله " من آمن " تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم .
الخامسة : قال علماؤنا : هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام ، لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة : الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته - وقد أتينا عليها في " الكتاب الأسنى " - والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار - وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " - والملائكة والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله - كما تقدم - والنبيين وإنفاق المال فيما يعن من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله والمساكين كذلك ، ومراعاة ابن السبيل - قيل المنقطع به ، وقيل : الضيف - والسؤال وفك الرقاب . وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات{[1479]} ، والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد . وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب . وتقدم التنبيه على أكثرها ، ويأتي بيان باقيها بما فيها في موضعها إن شاء الله تعالى .
واختلف هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا ، أو لا يعطى حتى يكون فقيرا ، قولان للعلماء . وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة ، على ما نبينه آنفا{[1480]} .
السادسة : قوله تعالى : " وآتى المال على حبه " استدل به من قال : إن في المال حقا سوى الزكاة وبها كمال البر . وقيل : المراد الزكاة المفروضة ، والأول أصح ، لما خرجه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( إن في المال حقا سوى الزكاة ) ثم تلا هذه الآية " ليس البر أن تولوا وجوهكم " إلى آخر الآية . وأخرجه ابن ماجه في سننه والترمذي في جامعه وقال : " هذا حديث ليس إسناده بذاك ، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف . وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهو أصح " .
قلت : والحديث وإن كان فيه مقال فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى : " وأقام الصلاة وآتى الزكاة " فذكر الزكاة مع الصلاة ، وذلك دليل على أن المراد بقوله : " وآتى المال على حبه " ليس الزكاة المفروضة ، فإن ذلك كان يكون تكرارا ، واللّه أعلم . واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها . قال مالك رحمه اللّه : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم . وهذا إجماع أيضا ، وهو يقوي ما اخترناه ، والموفق الإله .
السابعة : قوله تعالى : " على حبه " الضمير في " حبه " اختلف في عوده ، فقيل : يعود على المعطي للمال ، وحذف المفعول وهو المال . ويجوز نصب " ذوي القربى " بالحب ، فيكون التقدير على حب المعطي ذوي القربى . وقيل : يعود على المال ، فيكون المصدر مضافا إلى المفعول . قال ابن عطية : ويجيء قوله " على حبه " اعتراضا بليغا أثناء القول .
قلت : ونظيره قوله الحق : " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا{[1481]} " [ الإنسان : 8 ] فإنه جمع المعنيين ، الاعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول ، أي على حب الطعام . ومن الاعتراض قوله الحق : " ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك{[1482]} " [ النساء : 124 ] وهذا عندهم يسمى التتميم ، وهو نوع من البلاغة ، ويسمى أيضا الاحتراس والاحتياط ، فتمم بقوله " على حبه " وقوله : " وهو مؤمن " [ النساء : 124 ] ، ومنه قول زهير :
من يلق يوما على عِلاَّتِه هَرِما *** يلق السماحة منه والنَّدَى خلقا
على هيكل يعطيك قبل سؤاله *** أَفَانِينَ جَرْيٍ غَيْرَ كَزٍّ ولا وَانِ
فقوله : " على علاته " و " قبل سؤاله " تتميم حسن ، ومنه قول عنترة :
أثنى علي بما علمت فإنني *** سهلٌ مخالفتي إذا لم أظلم
فقوله : " إذا لم أظلم " تتميم حسن . وقال طرفة :
فسقى ديارك غير مفسدها *** صوبَ الربيع وديمةٌ تَهْمِي
فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي *** وكل امرئ إلا أحاديثه فان
فقوله : " غير مفسدها " ، و " إلا أحاديثه " تتميم واحتراس . وقال أبو هفان :
فأفْنَى الرَّدَى أرواحَنَا غيرَ ظالم *** وأفنى الندى أموالَنَا غيرَ عائب
فقوله : " غير ظالم " و " غير عائب " تتميم واحتياط ، وهو في الشعر كثير . وقيل : يعود على الإيتاء ، لأن الفعل يدل على مصدره ، وهو كقوله تعالى : " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم{[1483]} " [ آل عمران : 180 ] أي البخل خيرا لهم ، فإذا أصابت الناس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم . وقيل : يعود على اسم اللّه تعالى في قوله " من آمن باللّه " . والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء .
الثامنة : قوله تعالى : " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا " أي فيما بينهم وبين اللّه تعالى وفيما بينهم وبين الناس . " والصابرين في البأساء والضراء " البأساء : الشدة والفقر . والضراء : المرض والزمانة ، قاله ابن مسعود . وقال عليه السلام : ( يقول اللّه تعالى أيما عبد من عبادي ابتليته ببلاء في فراشه فلم يشك إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فإن قبضته فإلى رحمتي وإن عافيته عافيته وليس له ذنب ) قيل : يا رسول اللّه ، ما لحم خير من لحمه ؟ قال : ( لحم لم يذنب ) قيل : فما دم خير من دمه ؟ قال : ( دم لم يذنب ) . والبأساء والضراء اسمان بنيا على فعلاء ، ولا فعل لهما ، لأنهما اسمان وليسا بنعت . " وحين البأس " أي وقت الحرب{[1484]} .
قوله تعالى : " أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون " وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها ، وأنهم كانوا جادين في الدين ، وهذا غاية الثناء . والصدق : خلاف الكذب . ويقال : صدقوهم القتال . والصديق : الملازم للصدق ، وفي الحديث : ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند اللّه صديقا ) .
وقوله تعالى : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون )
( البر ) اسم جامع للخير . وهو منصوب على الخبرية لليس . والمصدر المؤول من أن والفعل في محل رفع اسم ليس . والتقدير : ليس البر توليتُكم{[188]} .
وقد ورد في سبب نزول الآية أن أهل الكتاب وبعض المسلمين قد شق عليهم أن يغيروا قبلتهم التي كانوا عليها وهي بيت المقدس ثم يتوجهوا بعدها إلى مكة القبلة الجديدة . لقد غضب اليهود من ذلك أشد الغصب واستاءوا بذلك كثيرا . وكذلك قد ارتاب فريق من المسلمين من ضَعَفَةِ الإيمان وكأن البرّ والإيمان والإحسان كله محصور في شكل التوجه إلى جهة من الجهات ، سواء كانت شرقا أو غربا . فليس البر في التوجه نحو مشرق أو مغرب إن كان ذلك عن غير أمر من الله . ولكن البر كما شرحته الآية هو الإيمان الصحيح الأوفى الذي يأتي مقتران بالعمل الصحيح المشروع .
ما قيمة التوجه صوب جهة من الجهات مادام ذلك شكليا بحتا وغير قائم على العقيدة الواعية الراسخة ، وغير مقترن بالعمل النافع المشروع . ليس الإسلام قائما على التعصب لمتشنج أو الشكلية الخاوية من المضمون . ولا هو بالدين الذي يعتمد طقوسا شكلية بلهاء تتلقاها الأجيال كابرا عن كابر دون وعي أو إدراك أو تبصر .
ولكن الإسلام دين الفطرة والعقل . وهو طريقه الوحي المنزل من السماء الذي يحمل للأرض معالم الهداية والرشاد ليثوب الناس إلى ربهم وليمضوا في طريقه ، طريق الحق والعدل والنور ، طريق الهداية والفضيلة والعمل المخلص النافع .
وها هي الآية الكريمة تبين حقيقة البر الذي ينفع الناس والذي يقودهم إلى الخير ومرضاة الله ، فقال سبحانه : ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه . . . ) ذلك هو البر الصحيح المقصود . وليس هو التوجه نحو شرق أو غرب دون ترشيد من الله إلا التعصب والاستعصام بالشكليات غير الواعية .
إن البر هو الإيمان بالله أولا . فإن الله جل شأنه حق يملأ الوجود كله . وما من ظاهرة في هذا الكون ولا حقيقة أو معلوم أو خليقة من خلائق الأحياء وغير الأحياء إلا ويشهد في سطوح مكشوف على وجود الله وعلى عظمته وجلاله وهيمنته المطلقة .
وكذلك يوم الآخر . وهو يوم حافل ورهيب ومشهود تتلاقى فيه البشرية كافة وتجتمع فيه الأحياء جميعا . وفي هذا اليوم الشديد تلاقي كل نفس ما قدمت من عمل . وإذ ذاك لا مناص لكل امرئ من مواجهة مصيره المرتقب تبعا لما قدم في الدنيا . وحينئذ لا تنفع أحد شفاعة ولا تنجيه من العذاب خُلة كان يعقدها في الدنيا مع عظيم أو رئيس أو ذي مكانة وصولجان . بل إن هذه ساعة الفزع الأكبر التي تغيب فيها الوساطات والعلائق والشفاعات . وما من إنسان حينئذ إلا وهو حائر واجف مرتعب لا يلوي من خلفه أو خلفه أو حوله على شيء .
وكذلك الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين . وهذه أركان ثلاثة أخرى من أركان العقيدة في هذا الدين الكبير . فإنه لا قوام لا إيمان امرئ إلا أن يستوفي في نفسه أركان هذه العقيدة الستة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيرهما وشرهما .
ولا يكتمل البر تماما إلا بالعمل كذلك ، فإنه لا يكفي أن تتركز في النفس معاني الإيمان إلا أن يقترن بعمل الصالحات ، وهي في قوله : ( وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ) ، فإن من تمام البر إعطاء المال مع الحاجة إليه أو الرغبة فيه لذوي القربى والآخرين الذي بينتهم الآية . والمال منصوب على المفعولية . ( ذوي ) منصوب بالياء ؛ لأنه مفعول ثان للفعل ( آتى ) أي أعطى . وبذلك فإن شبه الجملة- ( على حبه ) - تأتي معترضة ؛ لما في ذلك من تبيين لتمام البر الذي يكون عند إعطاء المال مع الرغبة فيه أو الحاجة إليه . فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا : " أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر .
وفي حقيقة المال الذي يُقدم على حبه خلاف . فقد قيل : إن المراد بهذا المال الزكاة . وفي قول ثان : إن المراد ما كان من مال يؤدي غير الزكاة . وذلك هو الصواب . فقد أخرج الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت : قال رسول الله ( ص ) : " إن في المال حقا سوى الزكاة " ثم تلا هذه الآية ( ليس البر أن تولوا وجوهكم ) ويشبه ذلك أيضا قوله تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) وقوله سبحانه : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) .
وقوله كذلك في آية أخرى : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) . قوله : ( ذوي القربى ) هم أقرباء الرجل . فهم أولى بالبر والعطايا خصوصا إذا كانوا محاويج معوزين . فقد جاء في الحديث : " الصدقة على المساكين صدقة ، وعلى ذوي الرحم اثنتان : صدقة وصلة ، فهم أولى الناس يبرك وإعطائك " .
أما اليتامى فهم الذين مات آباؤهم ، ولما يبلغوا الحلم ولم يكن لهم معيل كاسب . هؤلاء الصغار الذين مات آباؤهم ولا يستطيعون أن يتكسبوا ؛ لصغرهم وافتقاد من يقوم على رعايتهم ، هم الأيتام الذين أوصى الله بهم وأوجب أن يعطوا من المال ما يدرأ عنهم الفاقة ، ويدفع عنهم غائلة الطوى والحاجة ، أما إن بلغ اليتيم الحلم فقد بات رجلا يستطيع أن يكد ويكتسب . فهو حينئذ لا يعطي من المال بكونه يتيما ، إلا أن يكون ذا حاجة فإنه يعطي . وقد جاء في الحديث الشريف : " لا يُتم بعد احتلام " {[189]} .
أما المساكين فهو جمع تكسير مفرده مسكين . والمسكين هو الذي يملك ما يكفيه أو يسد حاجته من الطعام والكساء والإيواء . وفي ذلك جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان ، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه " .
وأما ابن السبيل فإنه يراد به المسافر المنقطع الذي لا يمتلك مالا . أو هو البعيد عن أهله ودياره والذي انقطعت به أسباب العيش لافتقاده المال . فذلكم يعطي من المال ما يمكنه من بلوغ أهله ودياره .
وقيل : إنه يتناول الضيف فإنه معتبر من أبناء السبيل . والضيف الذي ينزل بأحد المسلمين له واجب الضيافة من إطعام وإيواء وإتحاف .
وقوله : ( والسائلين ) وهم الذين يسألون الناس آو يتعرضون لطلبهم ، فإنهم ينبغي أن يعطوا سواء كان ذلك من مال الزكاة أو غيرهما .
على أن السائل يعطي دون مسائلته أو التنقيب عن حقيقة حاله . فما يعتبر في هذا الأمر غير الطلب من أحد السائلين ، فإنه إذا سأل وجب إعطاؤه دون مجادلة أو منّة حتى وإن جاء السائل يلبس الفاخر من الثياب . فقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال : قال رسول الله ( ص ) : " للسائل حق وإن جاء على فرس " .
وقوله : ( وفي الرقاب ) وهم المكاتبون . ومن المكاتبة وهي عقد بين العبد والسيد يلتزم العبد بموجبه دفع مبلغ من المال لسيده بدل إعتاقه على أن يكون الدفع على التراخي . هؤلاء المكاتبون أمانات في رقاب الأسياد المالكين . فعليهم أن يرعوهم حق رعايتهم ، وأن يعاملوهم بالرحمة والإحسان ، وأن يستجيبوا لطلبهم في المكاتبة ليتمكنوا بعد ذلك من الفكاك من رق العبودية . وبذلك فإن الشريعة توجب إعطاء هذا الصنف من الناس قدرا من المال يستعينون به على التحرر . ومن المعلوم أن هذا القدر من المال غير داخل في مبلغ الزكاة الواجب إخراجه لمستحقيه ، ولكنه يؤديه المؤمنون الراغبون في عمل البر . وفي الحديث الشريف : " في المال حق سوى الزكاة " .
قوله : ( وأقام الصلاة وآتى الزكاة ) أي أتم الصلاة على أحسن وجه من تمام الركوع والسجود والقراءة وتمام الخشوع والطمأنينة مع ما يرافق ذلك من اجتماع النية وحضور القلب .
وكذلك فإن من البر إيتاء الزكاة . أي دفعها لمستحقيها دون تأخير أو تردد أو إنقاص . والمراد بالزكاة هنا المفروضة وهي غير المذكورة في أوجه البر السابقة ، يؤيد ذلك ما قاله الرسول ( ص ) : " إن في المال حقا سوى الزكاة " .
وقوله ( الموفون بعهدهم إذا عهدوا ) العهد هو الموثق والأمان والذمة{[190]} .
والوفاء به واجب على المسلم ليكتب عند الله مؤمنا صديقا وإلا كان على شعبة من النفاق ، فقد صح في الحديث الشريف : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " .
والوفاء بالعهد بعد الالتزام والتعاهد يكون بين العبد وربه ، أو بين العبد وغيره من الناس ، فإذا عاهد المسلم ربه ليلتزم بأمر من الأمور المشروعة وجب الوفاء بذلك . وهو كذلك إذا عاهد أحدا غيره من العباد ، فما يكون له بعد ذلك أن ينقض عهده أو يُخلف ما ألزم نفسه بالوفاء به .
وقوله : ( والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) ( والصابرين ) منصوب على المفعولية لفعل مدح محذوف ، وقيل : معطوف على قوله : ( ذوي القربى ) {[191]} و ( البأساء ) معناه الفقر . ( والضراء ) معناه المرض . أما البأساء فهو الحرب .
هذه هي المقتضيات الحقيقة للبر ، والتي تنطق بها حقيقة هذا الدين العظيم ، فلا طقوس أو شكليات ، ولا مظاهر جوفاء يعوزها المضمون كشأن المشركين وأهل الكتاب الذين يعبأون بالصورة دون المعنى ، وبالشكل دون الحقيقة ، وبالطقوس الخاوية البلهاء دون العقيدة الواعية والفكر السليم . وسواء كان التولي نحو المشرق أو المغرب ، فإنه لا قيمة لذلك ما لم يقترن بالتوجه الحقيقي والكامل نحو الله وحده وما لم يقترن كذلك بجملة الأسس الإيمانية والتطبيق العملي لظواهر هذا الدين ، وهي مقتضيات البر التي متحدثنا عنها آنفا . ما بين إيمان صحيح وإيتاء للمال على حبه ثم إقامة للصلاة وأداء للزكاة ووفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين البأس . ولا يمارس ذلك أو يحققه على التمام إلا من كان من الصادقين المتقين . وفي ذلك يقول سبحانه آخر الآية : ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) {[192]} .