قوله تعالى : " وجاهدوا في الله حق جهاده " قيل : عنى به جهاد الكفار . وقيل : هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به ، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه ، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى ، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته ، والظلمة في رد ظلمهم ، والكافرين في رد كفرهم . قال ابن عطية : وقال مقاتل : وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى : " فاتقوا الله ما استطعتم " {[11599]} [ التغابن : 16 ] . وكذا قال هبة الله : إن قول " حق جهاده " وقوله في الآية الأخرى . " حق تقاته " {[11600]}[ آل عمران : 102 ] منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه الأوامر . ولا حاجة إلى تقدير النسخ ، فإن هذا هو المراد من أول الحكم ؛ لأن " حق جهاده " ما ارتفع عنه الحرج . وقد روى سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خير دينكم أيسره ) . وقال أبو جعفر النحاس . وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ ، لأنه واجب على الإنسان ، كما روى حيوة بن شريح يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل ) . وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الجهاد أفضل ؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه ، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه ، ثم سأله عند جمرة العقبة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين السائل ؟ فقال : أنا ذا ، فقال عليه السلام : ( كلمة عدل عند سلطان جائر ) .
قوله تعالى : " هو اجتباكم " أي اختاركم للذب عن دينه والتزام أمره ، وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة ، أي وجب عليكم أن تجاهدوا لأن الله اختاركم له .
الأولى-قوله تعالى : " من حرج " أي من ضيق . وقد تقدم في " الأنعام " {[11601]} . وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام ، وهي مما خص الله بها هذه الأمة . روى معمر عن قتادة قال : أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي : كان يقال للنبي اذهب فلا حرج عليك ، وقيل لهذه الأمة : " وما جعل عليكم في الدين من حرج " . والنبي شهيد على أمته ، وقيل لهذه الأمة : " لتكونوا شهداء على الناس " . ويقال للنبي : سل تعطه ، وقيل لهذه الأمة : " ادعوني أستجب لكم " {[11602]} . الثانية-واختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله تعالى ، فقال عكرمة : هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع ، وما ملكت يمينك . وقيل : المراد قصر الصلاة ، والإفطار للمسافر ، وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره ، وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه ، والغريم ومن له والدان ، وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل . وقد مضى تفصيل أكثر هذه الأشياء{[11603]} . وروي عن ابن عباس والحسن البصري ( أن هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم ، فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم ) ، على خلاف فيه بيناه في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس رضي الله عنه . وما ذكرناه هو الصحيح في الباب . وكذلك الفطر والأضحى ؛ لما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ) . خرجه أبو داود والدارقطني ، ولفظه ما ذكرناه . والمعنى : باجتهادكم من غير حرج يلحقكم . وقد روى الأئمة أنه عليه السلام سئل يوم النحر عن أشياء ، فما يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها : ( افعل ولا حرج ) .
الثالثة-قال العلماء : رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع ، وأما السَّلاَّبَة والسُّرَّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج ، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين ، وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله تعالى ، ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج .
قوله تعالى : " ملة أبيكم " قال الزجاج : المعنى اتبعوا ملة أبيكم . الفراء : انتصب على تقدير حذف الكاف ، كأنه قال كملة . وقيل : المعنى وافعلوا الخير فعل أبيكم ، فأقام الفعل مقام الملة . وإبراهيم هو أبو العرب قاطبة . وقيل : الخطاب لجميع المسلمين ، وإن لم يكن الكل من ولده ؛ لأن حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد . " هو سماكم المسلمين من قبل " قال ابن زيد والحسن : " هو " راجع إلى إبراهيم ، والمعنى : هو سماكم المسلمين من قبل النبي صلى الله عليه وسلم . " وفي هذا " أي وفي حكمه أن من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فهو مسلم . قال ابن زيد : وهو معنى قوله : " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " {[11604]}[ البقرة : 128 ] . قال النحاس : وهذا القول مخالف لقول عظماء{[11605]} الأمة . روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : ( سماكم الله عز وجل المسلمين من قبل ، أي في الكتب المتقدمة وفي هذا القرآن ) ، قاله مجاهد وغيره .
" ليكون الرسول شهيدا عليكم " أي بتبليغه إياكم . " وتكونوا شهداء على الناس " أن رسلهم قد بلغتهم ، كما تقدم في " البقرة " {[11606]} . " فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير " تقدم مستوفى والحمد لله [ رب العالمين ]{[11607]} .
قوله : ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) أي جاهدوا المشركين والمنافقين طلبا لمرضاة الله . وذلك لدفع أذاهم وكف شرورهم عن المسلمين . وقيل : المراد بالجهاد هنا عموم الامتثال لأوامر الله جميعها ، والانتهاء عن كل نواهيه ؛ يعني جاهدوا أنفسكم بتوطينها على فعل الطاعات ومجانبة المعاصي والخطيئات . قوله : ( هو اجتباكم ) الله اختاركم لأشرف رسالة . وهي رسالة الإسلام . وما تضمنه من كامل الشريعة المباركة التي يصلح عليها الناس في حياتهم ومعادهم . قوله : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) الحرج معناه الضيق{[3151]} . وهذه الآية شاهد عظيم على صلوح الشريعة الإسلامية للإنسان في كل مكان وزمان . لا جرم أن هذه الشريعة بنيت على التيسير والتسهيل والرحمة ؛ فهي بذلك مغايرة للتشديد والتضييق والإعنات . وهذه واحدة من كبريات المزايا التي تتجلى في شريعة هذا الدين العظيم . وهي مزايا أساسية وثابتة تكشف عن طبيعة هذا الدين المميز المرغوب . طبيعته الكريمة الميسورة التي تنسجم تماما مع فطرة البشر .
على أن هذه الآية العظيمة تدخل في كثير من أحكام الشريعة الإسلامية بما يحقق فيها اليسر والتوسعة ويزيل منها التشديد أو الحرج الذي لا يطاق . ومن الأمثلة على هذه الحقيقة ، الصلاة . وهي عماد الدين ؛ بل هي الركيزة الثانية الكبرى في هذا الدين كله بعد شهادة أن لا إله إلا الله ؛ فإنها قد شرع فيها التيسير والترخيص مما يجعلها سهلة تطاق ، فهي تجب في الحضر أربعا وفي السفر تقصر إلى ركعتين اثنتين ، فضلا عن جمع الصلاة بوجهيه في التقديم والتأخير . وتصلى رجالا وركبانا في حالات الأعذار ويسقط فيها وجوب القيام للمريض فيؤديها جالسا ، فإن لم يستطع ؛ فعلى الجنب ، فإن لم يستطع ؛ فمستلقيا . فإن لم يستطع فيومئ إيماء . وكذلك فريضة الصيام شرع فيها الترخيص في الإفطار عند الحاجة . إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة المنتشرة في كل مناحي الشريعة ؛ فقد شرع فيها التخفيف والتوسعة والرخص ؛ دفعا للمشقة والحرج وإذهابا للعنت عن الناس وجلبا للتسهيل عليهم .
ومن جملة ذلك : تشريع الكفارات ؛ فقد شرعها الله لمحو كثير من الزلات والمخالفات . وكذلك الاستغفار والتوبة ؛ فهما بابان عظيمان لتكفير الذنوب والصفح عن الخطايا والعيوب التي يتعثر بها الإنسان أو يقع فيها استجابة لضعفه . لكنه إذ يبادر الاستغفار والندامة تائبا ؛ فإن الله تواب رحيم . وذلك يبين يُسر هذا الدين وسهولة الأخذ به . وفي الحديث : " بعثت بالحنيفية السمحة " .
قوله : ( ملة أبيكم إبراهيم ) ( ملة ) ، منصوب بفعل مقدر . وتقديره : اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم{[3152]} .
قوله : ( هو سماكم المسلمين ) الذين سماهم المسلمين هو الله عز وجل ؛ فقد سماهم بذلك من قبل في الكتب المتقدمة ( وفي هذا ) يعني القرآن .
قوله : ( ليكون الرسول شهيدا عليكم ) أي يشهد عليكم يوم القيامة أنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم ( وتكونوا شهداء على الناس ) أي لتشهدوا على الناس يوم القيامة أنهم قد بلغوا من رسلهم دعوة ربهم . فلا جرم أن هذه نعمة عظمى قد امتن الله بها على هذه الأمة ؛ إذ جعلها خير الأمم لتشهد يوم القيامة على سائر الأمم بحقيقة التبليغ . وهي نعمة من الله جديرة أن تقابل ببالغ الشكران لله . وذلك بصدق التوجه إلى جنابه وحسن الإخبات له ، مطيعين عابدين خاشعين . وهو قوله : ( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله ) أي ثقوا به كامل الثقة في كل أموركم ، واعتضدوا به تمام الاعتضاد ، وتوكلوا عليه بالغ التوكل ، واطلبوا منه وحده العون والنصر والتأييد ( هو مولاكم ) أي ناصركم ومؤيدكم ومظهركم على عدوكم ( فنعم المولى ونعم النصير ) نعم الولي ونعم الناصر{[3153]} .