الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا} (7)

فيه مسألتان :

الأولى- قوله تعالى : " وقالوا " ذكر شيئا آخر من مطاعنهم . والضمير في " قالوا " لقريش ، وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس مشهور ، وقد تقدم في " سبحان " {[12093]} . ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره . مضمنه - أن سادتهم عتبة بن ربيعة وغيره اجتمعوا معه فقالوا : يا محمد ! إن كنت تحب الرياسة وليناك علينا ، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا ، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك رجعوا في باب الاحتجاج معه فقالوا : ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام ، وتقف بالأسواق ! فعيروه بأكل الطعام ؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكا ، وعيروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة والقياصرة والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق ، وكان عليه السلام يخالطهم في أسواقهم ، ويأمرهم وينهاهم ، فقالوا : هذا يطلب أن يتملك علينا ، فماله يخالف سيرة الملوك ، فأجابهم الله بقوله ، وأنزل على نبيه : " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق " [ الفرقان : 20 ] فلا تغتم ولا تحزن ، فإنها شكاة ظاهر عنك عارها .

الثانية- دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب المعاش . وكان عليه السلام يدخلها لحاجته ، ولتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته ، ويعرض نفسه فيها على القبائل ، لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق . وفي البخاري في صفته عليه السلام : " ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق " . وقد تقدم في " الأعراف " {[12094]} . وذكر السوق مذكور في غير ما حديث ، ذكره أهل الصحيح . وتجارة الصحابة فيها معروفة ، وخاصة المهاجرين ، كما قال أبو هريرة : وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق{[12095]} بالأسواق . خرجه البخاري . وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في هذه السورة إن شاء الله .

قوله تعالى : " لولا أنزل إليه ملك " أي هلا . " فيكون معه نذيرا " جواب الاستفهام .


[12093]:راجع ج 10 ص 328 طبعة أولى أو ثانية.
[12094]:راجع ج 7 ص 299 طبعة أولى أو ثانية.
[12095]:الصفق: التبايع.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا} (7)

قوله تعالى : ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ( 7 ) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ( 8 ) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيل ( 9 ) ا تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ( 10 ) بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب الساعة سعيرا ( 11 ) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ( 12 ) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ( 13 ) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ( 14 ) ) الضمير في ( وقالوا ) عائد إلى المشركين من أهل مكة فقد سألوا- على سبيل الاستهزاء والتهكم- ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) ( ما ) ، استفهامية في محل رفع مبتدأ . والجار والمجرور بعدها في محل رفع خبر المبتدأ . و ( يأكل ) ، جملة فعلية حالية . وقد كتبت لام الجر مفصولة من مجرورها ، وهو خارج عن قياس الخط{[3301]} . على أن استفهام المشركين مستهجن يهذي به الظالمون السفهاء ، وهم يحفزهم إلى ذلك عتادهم وضلالتهم وهوان أحلامهم ؛ إذ قالوا لرسول الله : ما لك وأنت مرسل من ربك تأكل الطعام وتقف بالأسواق متجرا ملتمسا المعاش والرزق ؟ وتسميتهم له بالرسول ليس عن تصديق ؛ بل على سبيل التهكم والسخرية . فقد قالوا : إن كان حقا نبيا ، فما له يأكل الطعام كما نأكله نحن ، ويتردد في الأسواق من أجل العمل والاتجار كما نعمل ونتّجر ؛ أي لزم أن يكون ملكا من الملائكة ، ليكون مستغنيا عن السعي وطلب الرزق وتحصيل المعاش . وهذا هو مقتضى قوله : ( لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) رجعوا عن اقتراحهم بكونه ملكا إلى كونه إنسانا معه ملك يعززه في الإنذار والتبليغ والتخويف .


[3301]:- الدر المصون جـ8 ص 458.