الأولى- قوله تعالى : " وقالوا " ذكر شيئا آخر من مطاعنهم . والضمير في " قالوا " لقريش ، وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس مشهور ، وقد تقدم في " سبحان " {[12093]} . ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره . مضمنه - أن سادتهم عتبة بن ربيعة وغيره اجتمعوا معه فقالوا : يا محمد ! إن كنت تحب الرياسة وليناك علينا ، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا ، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك رجعوا في باب الاحتجاج معه فقالوا : ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام ، وتقف بالأسواق ! فعيروه بأكل الطعام ؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكا ، وعيروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة والقياصرة والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق ، وكان عليه السلام يخالطهم في أسواقهم ، ويأمرهم وينهاهم ، فقالوا : هذا يطلب أن يتملك علينا ، فماله يخالف سيرة الملوك ، فأجابهم الله بقوله ، وأنزل على نبيه : " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق " [ الفرقان : 20 ] فلا تغتم ولا تحزن ، فإنها شكاة ظاهر عنك عارها .
الثانية- دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب المعاش . وكان عليه السلام يدخلها لحاجته ، ولتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته ، ويعرض نفسه فيها على القبائل ، لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق . وفي البخاري في صفته عليه السلام : " ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق " . وقد تقدم في " الأعراف " {[12094]} . وذكر السوق مذكور في غير ما حديث ، ذكره أهل الصحيح . وتجارة الصحابة فيها معروفة ، وخاصة المهاجرين ، كما قال أبو هريرة : وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق{[12095]} بالأسواق . خرجه البخاري . وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في هذه السورة إن شاء الله .
قوله تعالى : " لولا أنزل إليه ملك " أي هلا . " فيكون معه نذيرا " جواب الاستفهام .
قوله تعالى : ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ( 7 ) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ( 8 ) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيل ( 9 ) ا تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ( 10 ) بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب الساعة سعيرا ( 11 ) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ( 12 ) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ( 13 ) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ( 14 ) ) الضمير في ( وقالوا ) عائد إلى المشركين من أهل مكة فقد سألوا- على سبيل الاستهزاء والتهكم- ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) ( ما ) ، استفهامية في محل رفع مبتدأ . والجار والمجرور بعدها في محل رفع خبر المبتدأ . و ( يأكل ) ، جملة فعلية حالية . وقد كتبت لام الجر مفصولة من مجرورها ، وهو خارج عن قياس الخط{[3301]} . على أن استفهام المشركين مستهجن يهذي به الظالمون السفهاء ، وهم يحفزهم إلى ذلك عتادهم وضلالتهم وهوان أحلامهم ؛ إذ قالوا لرسول الله : ما لك وأنت مرسل من ربك تأكل الطعام وتقف بالأسواق متجرا ملتمسا المعاش والرزق ؟ وتسميتهم له بالرسول ليس عن تصديق ؛ بل على سبيل التهكم والسخرية . فقد قالوا : إن كان حقا نبيا ، فما له يأكل الطعام كما نأكله نحن ، ويتردد في الأسواق من أجل العمل والاتجار كما نعمل ونتّجر ؛ أي لزم أن يكون ملكا من الملائكة ، ليكون مستغنيا عن السعي وطلب الرزق وتحصيل المعاش . وهذا هو مقتضى قوله : ( لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ) رجعوا عن اقتراحهم بكونه ملكا إلى كونه إنسانا معه ملك يعززه في الإنذار والتبليغ والتخويف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.