الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّمَا جَزَـٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (33)

فيه خمس عشرة مسألة :

الأولى : اختلف الناس في سبب نزول{[5504]} هذه الآية ، فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين ، روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن أنس بن مالك : أن قوما من عكل{[5505]} - أو قال من عرينة - قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا{[5506]} المدينة ، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا ، فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم ، فلما ارتفع النهار حتى جيء بهم ، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر{[5507]} أعينهم وألقوا في الحرة{[5508]} يستسقون فلا يسقون . قال أبو قلابة : فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله . وفي رواية : فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم{[5509]} ؛ وفي رواية : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة{[5510]} فأتي به قال : فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا " الآية . وفي رواية قال أنس : فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض{[5511]} بفيه عطشا حتى ماتوا . وفي البخاري قال جرير بن عبدالله في حديثه : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا{[5512]} على بلادهم ، فجئنا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال جرير : فكانوا يقولون الماء ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( النار ) . وقد حكى أهل التواريخ والسير : أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه ، وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات ، وأدخل المدينة ميتا . وكان اسمه يسار وكان نوبيا . وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة . وفي بعض الروايات عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم . وروي عن ابن عباس والضحاك : أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض . وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس قال : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " إلى قوله : " غفور رحيم " نزلت هذه الآية في المشركين فمن أخذ{[5513]} منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه . وممن قال : إن الآية نزلت في المشركين عكرمة والحسن ، وهذا ضعيف يرده قوله تعالى : " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف{[5514]} " [ الأنفال : 38 ] ، وقوله عليه الصلاة{[5515]} والسلام : ( الإسلام يهدم ما قبله ) أخرجه مسلم ، والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك . وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد . قال ابن المنذر : قول مالك صحيح ، وقال أبو ثور محتجا لهذا القول : وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك ، وهو قوله جل ثناؤه : " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم ، فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام . وحكى الطبري عن بعض أهل العلم : أن هذه الآية نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين ، فوقف الأمر على هذه الحدود . وروى محمد بن سيرين قال : كان هذا قبل أن تنزل الحدود ، يعني حديث أنس ، ذكره أبو داود . وقال قوم منهم الليث بن سعد : ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بوفد عرينة نسخ{[5516]} ؛ إذ لا يجوز التمثيل بالمرتد . قال أبو الزناد : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله عز وجل في ذلك ، فأنزل الله تعالى في ذلك " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا " الآية . أخرجه أبو داود . قال أبو الزناد : فلما وعظ ونهي عن المثلة لم يعد . وحكي عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل ؛ لأن ذلك وقع في مرتين ، لا سيما وقد ثبت في صحيح مسلم وكتاب النسائي وغيرهما قال : إنما سمل النبي{[5517]} صلى الله عليه وسلم أن أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة ، فكان هذا قصاصا ، وهذه الآية في المحارب المؤمن . قلت : وهذا قول حسن ، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي ؛ ولذلك قال الله تعالى : " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسق قبل القدرة . والمرتد يستحق القتل بنفس الردة - دون المحاربة - ولا ينفى ولا تقطع يده ولا رجله ولا يخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم ، ولا يصلب أيضا ، فدل أن ما اشتملت عليه الآية ما عني به المرتد . وقال تعالى في حق الكفار : " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " [ الأنفال : 38 ] . وقال في المحاربين : " إلا الذين تابوا " الآية ؛ وهذا بين . وعلى ما قررناه في أول الباب لا إشكال ولا لوم ولا عتاب إذ هو مقتضى الكتاب ، قال الله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " {[5518]} [ البقرة : 194 ] فمثلوا فمثل بهم ، إلا أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في القتل ، وذلك تكحيلهم بمسامير محماة وتركهم عطاشى حتى ماتوا ، والله أعلم . وحكى الطبري عن السدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمل أعين العرنيين وإنما أراد ذلك ، فنزلت الآية ناهية عن ذلك ، وهذا ضعيف جدا ، فإن الأخبار الثابتة وردت بالسمل ، وفي صحيح البخاري : فأمر بمسامير فأحميت لهم . ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود . وفي قوله تعالى : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " استعارة ومجاز ؛ إذ الله سبحانه وتعالى لا يحارب ولا يغالب لما هو عليه من صفات الكمال ، ولما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد . والمعنى : يحاربون أولياء الله ، فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكبارا لإذايتهم ، كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " [ البقرة : 245 ] حثا على الاستعطاف عليهم ، ومثله في صحيح السنة ( استطعمتك فلم تطعمني ) . الحديث أخرجه مسلم ، وقد تقدم في " البقرة " {[5519]} .

الثانية : واختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة ، فقال مالك : المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة{[5520]} ولا ذحل{[5521]} ولا عداوة . قال ابن المنذر : اختلف عن مالك في هذه المسألة ، فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة ، وقالت طائفة : حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة ، وهذا قول الشافعي وأبي ثور . قال ابن المنذر : كذلك هو لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة ، والكتاب على العموم ، وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة . وقالت طائفة : لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجا عن المصر . هذا قول سفيان الثوري وإسحاق والنعمان . والمغتال كالمحارب وهو الذي يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله ، وإن لم يشهر السلاح لكن دخل عليه بيته أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله فيقتل حدا لا قودا .

الثالثة : واختلفوا في حكم المحارب ؛ فقالت طائفة : يقام عليه بقدر فعله ، فمن أخاف السبيل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف ، وإن أخذ المال وقتل قطعت يده ورجله ثم صلب ، فإذا قتل ولم يأخذ المال ، وإن هو لم يأخذ المال ولم يقتل نفي . قاله ابن عباس . وروي عن أبي مجلز والنخعي وعطاء الخراساني وغيرهم . وقال أبو يوسف : إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل على الخشبة . قال الليث : بالحربة مصلوبا . وقال أبو حنيفة : إذا قتل قتل ، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه ، إن شاء قطع يده ورجله وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه{[5522]} ؛ قال أبو يوسف : القتل يأتي على كل شيء . ونحوه قول الأوزاعي . وقال الشافعي : إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت ، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلي ؛ لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة ، وإذا قتل قتل ، وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب ، وروي عنه أنه قال : يصلب ثلاثة أيام ؛ قال : وإن حضر وكثر وهيب وكان ردءا للعدو حبس . وقال أحمد : إن قتل قتل ، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعي . وقال قوم : لا ينبغي أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب . وحكي عن الشافعي : أكره أن يقتل مصلوبا لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة . وقال أبو ثور : الإمام مخير على ظاهر الآية ، وكذلك قال مالك ، وهو مروي عن ابن عباس ، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد والضحاك والنخعي كلهم قال : الإمام مخير في الحكم على المحاربين ، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية . قال ابن عباس : ما كان في القرآن " أو " فصاحبه بالخيار ، وهذا القول أشعر{[5523]} بظاهر الآية ، فإن أهل القول الأول الذين قالوا " أو " للترتيب وإن اختلفوا - فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدين فيقولون : يقتل ويصلب ، ويقول بعضهم : يصلب ويقتل ؛ ويقول بعضهم : تقطع يده ورجله وينفى ، وليس كذلك الآية ولا معنى " أو " في اللغة ، قاله النحاس . واحتج الأولون بما ذكره الطبري عن أنس بن مالك أنه قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الحكم في المحارب فقال : " من أخاف السبيل وأخذ المال فأقطع به للأخذ ورجله للإخافة ومن قتل فاقتله ومن جمع ذلك فأصلبه " . قال ابن عطية : وبقي النفي للمخيف فقط والمخيف في حكم القاتل ، ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العذاب{[5524]} والعقاب استحسانا .

الرابعة : قوله تعالى : " أو ينفوا من الأرض " اختلف في معناه ، فقال السدي : هو أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حد الله ، أو يخرج من دار الإسلام هربا ممن يطلبه ، عن ابن عباس وأنس بن مالك ومالك بن أنس والحسن والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري . حكاه الرماني في كتابه . وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ، ويطلبون لتقام عليهم الحدود . وقال الليث بن سعد والزهري أيضا . وقال مالك أيضا : ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره ويحبس فيه كالزاني . وقال مالك أيضا{[5525]} والكوفيون : نفيهم سجنهم فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها ، فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض إلا من موضع استقراره ، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك :

خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا

إذا جاءنا السجَّانُ يوما لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا

حكى مكحول أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون وقال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة ، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم ، والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة وقد تجنب ، الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ، ومنه الحديث{[5526]} ( الذي ناء بصدره ونحو الأرض المقدسة ) . وينبغي الإمام إن كان هذا المحارب مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه ، وإن كان غير مخوف الجانب فظن أنه لا يعود إلى جناية{[5527]} سرح . قال ابن عطية : وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب ويسن حيث يغرب ، وهذا على الأغلب في أنه مخوف ، ورجحه الطبري وهو الواضح{[5528]} ؛ لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية ، وسجنه بعد بحسب الخوف منه ، فإن تاب وفهمت حاله سرح .

الخامسة : قوله تعالى : " أو ينفوا من الأرض " النفي أصله الإهلاك ، ومنه الإثبات والنفي ، فالنفي الإهلاك بالإعدام ، ومنه النفاية لردي المتاع ، ومنه النفي لما تطاير من الماء عن الدلو . قال الراجز{[5529]} :

كأن مَتْنَيْهِ{[5530]} من النَّفِيِّ *** مواقعُ الطَّيْرِ على الصُّفِيِّ

السادسة : قال ابن خويز منداد : ولا يراعى المال الذي يأخذه المحارب نصابا كما يراعى في السارق . وقد قيل : يراعى في ذلك النصاب ربع دينار . قال ابن العربي : قال الشافعي وأصحاب الرأي : لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق . وقال مالك : يحكم عليه بحكم المحارب وهو الصحيح ، فإن الله تعالى وقت على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام القطع في السرقة في ربع دينار ، ولم يوقت في الحرابة شيئا ، بل ذكر جزاء المحارب ، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حبة ، ثم إن هذا قياس أصل على أصل وهو مختلف فيه ، وقياس الأعلى بالأدنى والأدنى بالأسفل وذلك عكس القياس . وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق وهو يطلب خطف المال فإن شعر به فر ، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال فإن منع منه أو صبح عليه وحارب عليه فهو محارب حكم عليه بحكم المحارب . قال القاضي ابن العربي : كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق ، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم ، وأصحابه يأخذون مال الرجل ، حكمت فيهم بحكم المحاربين ، فافهموا هذا من أصل الدين ، وارتفعوا إلى يفاع العلم عن حضيض الجاهلين . قلت : اليفع{[5531]} أعلى الجبل ومنه غلام يفعة إذا ارتفع إلى البلوغ ، والحضيض الحفرة في أسفل الوادي . كذا قال أهل اللغة .

السابعة : ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل . وللشافعي قولان : أحدهما : أنها تعتبر المكافأة لأنه قتل فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص ، وهذا ضعيف ؛ لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل ، وإنما هو على الفساد العام من التخويف وسلب المال . قال الله تعالى : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا " فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين محاربة وسعيا في الأرض بالفساد ، ولم يخص شريفا من وضيع ، ولا رفيعا من دنيء .

الثامنة : وإذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقتل بعض المحاربين ولم يقتل بعض قتل الجميع . وقال الشافعي : لا قتل إلا من قتل ، وهذا أيضا ضعيف ، فإن من حضر الوقيعة شركاء في الغنيمة وإن لم يقتل جميعهم ، وقد اتفق معنا على قتل الردء وهو الطليعة ، فالمحارب أولى .

التاسعة : وإذا أخاف المحاربون السبيل وقطعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من غير أن يدعوهم ، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وهم عن أذى المسلمين ، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا ، فإن كان كذلك أتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته ؛ ولا يدفف{[5532]} منهم على جريح إلا أن يكون قد قتل ، فإن أخذوا وجد في أيديهم مال لأحد بعينه رد إليه أو إلى ورثته ، وإن لم يوجد له صاحب جعل في بيت المال ، وما أتلفوه من مال لأحد غرموه ، ولا دية لمن قتلوا إذا قدر عليهم قبل التوبة ، فإن تابوا وجاؤوا تائبين وهي :

العاشرة : لم يكن للإمام عليهم سبيل ، وسقط عنهم ما كان حدا لله وأخذوا بحقوق الآدميين ، فاقتص منهم من النفس والجراح ، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك ، ويجوز لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين ، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي . وإنما أخذ ما بأيديهم من الأموال وضمنوا قيمه ما استهلكوا ؛ لأن ذلك غصب فلا يجوز ملكه لهم ، ويصرف إلى أربابه أو يوقفه الإمام عنده حتى يعلم صاحبه . وقال قوم من الصحابة والتابعين : لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده ، وأما ما استهلكه فلا يطالب به ، وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه ، وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بحارثة بن بدر الغداني فإنه كان محاربا ثم تاب قبل القدرة عليه ، فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا . قال ابن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد ولم يوجد له مال . هل يتبع دينا بما أخذ ، أو يسقط عنه كما سقط عن السارق ؟ والمسلم والذمي في ذلك سواء .

الحادية عشرة : وأجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب ، فإن قتل محارب أخا امرئ أو أباه في حال المحاربة ، فليس إلى طالب الدم من أمر المحارب شيء ، ولا يجوز عفو ولي الدم ، والقائم بذلك الإمام ، جعلوا ذلك بمنزلة حد من حدود الله تعالى .

قلت : فهذه جملة من أحكام المحاربين جمعنا غررها ، واجتلبنا دررها ، ومن أغرب ما قيل في تفسيرها وهي :

الثانية عشرة : تفسير مجاهد لها ، المراد بالمحاربة في هذه الآية الزنى والسرقة ، وليس بصحيح ، فإن الله سبحانه بين في كتابه وعلى لسان نبيه أن السارق تقطع يده ، وأن الزاني يجلد ويغرب إن كان بكرا ، ويرجم إن كان ثيبا محصنا . وأحكام المحارب في هذه الآية مخالف لذلك ، اللهم إلا أن يريد إخافة الطريق بإظهار السلاح قصدا للغلبة على الفروج ، فهذا أفحش المحاربة ، وأقبح من أخذ الأموال وقد دخل في معنى قوله تعالى : " ويسعون في الأرض فسادا " .

الثالثة عشرة : قال علماؤنا : ويناشد اللص بالله تعالى ، فإن كف ترك وإن أبى قوتل ، فإن أنت قتلته فشر قتيل ودمه هدر . روى النسائي عن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن عدي على مالي ؟ قال : ( فانشد بالله ) قال : فإن أبوا علي . قال : ( فانشد بالله ) قال : فإن أبوا علي قال : ( فانشد بالله ) قال : فإن أبوا علي قال : ( فقاتل فإن قتلت ففي الجنة ، وإن قتلت ففي النار ) وأخرجه البخاري ومسلم - وليس فيه ذكر المناشدة - عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ قال : ( فلا تعطه مالك ) قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : ( فقاتله ) قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : ( فأنت شهيد ) قال : فإن قتلته ؟ قال : ( هو في النار ) . قال ابن المنذر : وروينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم ، هذا مذهب ابن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان ، وبهذا يقول عوام أهل العلم : إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلما ؛ للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص وقتا دون وقت ، ولا حالا دون حال إلا السلطان ، فإن جماعة أهل الحديث لا يحاربه ولا يخرج عليه ؛ للأخبار الدالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم ، من الجور والظلم ، وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة .

قلت : وقد اختلف مذهبنا إذا طلب الشيء الخفيف كالثوب والطعام هل يعطونه أو يقاتلون ؟ وهذا الخلاف مبني على أصل ، وهو هل الأمر بقتالهم لأنه تغيير منكر أو هو من باب دفع الضرر ؟ وعلى هذا أيضا ينبني الخلاف في دعوتهم قبل القتال . والله أعلم .

الرابعة عشرة : قوله تعالى : " ذلك لهم خزي في الدنيا " لشناعة المحاربة وعظم ضررها ، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر ؛ لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس ؛ لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات ، وركنها وعمادها الضرب في الأرض ؛ كما قال عز وجل : " وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " {[5533]} [ المزمل : 20 ] فإذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر ، واحتاجوا إلى لزوم البيوت ، فانسد باب التجارة عليهم ، وانقطعت أكسابهم ، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة ، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم ، وفتحا لباب التجارة التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم ، ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة . وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي ، ومستثناة من حديث عبادة في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له{[5534]} كفارة ) والله أعلم . ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب ، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا ، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره . ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم ، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب ، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة ، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة كقوله تعالى : " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء{[5535]} " [ النساء : 116 ] أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية{[5536]} .


[5504]:من ك.
[5505]:عكل (بضم العين المهملة وسكون الكاف): قبيلة مشهورة.
[5506]:أي أصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها. (النهاية) لابن الأثير.
[5507]:سمر عين فلان: سملها (فقأها).
[5508]:الحرة (بفتح الحاء وتشديد الراء): أرض خارج المدينة ذات حجارة سود.
[5509]:حسم العرق: قطعه ثم كواه لئلا يسيل دمه.
[5510]:القافة جمع (قائف) وهو الذي يتبع الأثر.
[5511]:كدمه: عضه بأدنى فمه.
[5512]:في و و ا: وقد أشرفنا.
[5513]:في مصنف أبي داود: تاب، بدل، أخذ.
[5514]:راجع ج 7 ص 401.
[5515]:من ج.
[5516]:من ك وهو الصواب، وفي هـ و ج و ا و ز و ل: لم يجز.
[5517]:من ج و ك و هـ.
[5518]:راجع ج 2 ص 354.
[5519]:راجع ج 3 ص 240.
[5520]:نأرت نائرة في الناس: هاجت هائجة.
[5521]:الذحل: الثأر.
[5522]:في ك: لم يقطع وصله.
[5523]:في ج و ك: أسعد.
[5524]:من ك.
[5525]:من ك.
[5526]:هو حديث الذي قتل تسعا وتسعين نفسا. وناء بمعنى نهض، ويحتمل أنه بمعنى بعد (النهاية لابن الأثير).
[5527]:من ك.
[5528]:من ك. وفي ج، هـ، ز: الراجح.
[5529]:هو الأخيل.
[5530]:جاء في (اللسان) مادة نفى أن الصحيح (كأن متني) لأن بعده (من طول إشرافي على الطوى). ومتنا الظهر مكتنفا الصلب عن يمين وشمال من عصب ولحم. والصفى (بضم الصاد وكسرها) جمع صفا مقصور، وصفا جمع صفاة وهي الحجر الصلد الضخم الذي لا ينبت شيئا. وفسر بأنه شبه الماء وقد وقع على ظهر المستقي بذرق الطائر على الصفى.
[5531]:اليفع بمعنى اليفاع.
[5532]:دفف على الجريح أجهز عليه.
[5533]:راجع ج 19 ص 50.
[5534]:الزيادة عن ابن عطية.
[5535]:راجع ج 5 ص 385.
[5536]:كذا في الأصل وفي تفسير ابن عطية. والذي في البحر: "وهذا الوعيد كغيره مقيد بالمشيئة وله تعالى أن يغفر هذا الذنب ولكن في الوعيد خوف على المتوعد عليه نفاذ الوعيد". وهو أوضح.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّمَا جَزَـٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (33)

قوله تعالى : { إنما جزاؤا الذين يحابون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ( 33 ) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } .

ثمة خلاف في سبب نزول هذه الآية . لكن الراجح والأقوى والذي عليه الجمهور هو ما رواه أئمة الحديث عن أنس بن مالك أن قوما من عكل – أو من عرينة – قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتروا{[939]} المدينة ، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا . فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم فما ارتفع النهار حتى جيئ بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر{[940]} أعينهم وألقوا في الحرة{[941]} يستسقون فلا يسقون " فأنزل الله الآية في هذا الصنف من الناس الذي يعيث في الأرض فسادا وتخريبا فيثير بين الناس الرعب والفوضى ، ويبدد في المجتمع ظواهر الأمن والاستقرار فيعيش المسلمون في وجل وهلع . من أجل ذلك شدد الإسلام في التنديد بهؤلاء الفاسقين المفسدين وشرع في حقهم من العقوبة الزاجرة الرادعة ما يكافئ جنايتهم النكراء . على أن محاربة الله ورسوله يراد بها محاربة أهل شريعته وملته من المسلمين . فإن محاربة المسلمين في حكم محاربة الله ورسوله . سواء كان ذلك في عصر النبوة أو غيرها من الأعصار .

والكلام في ذلك عن الحرابة ، وهي إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر ، أو داخله على الخلاف فيمن يستحق اسم المحاربة . فقد ذهبت المالكية والشافعية إلى أن الحرابة إشهار داخل المصر أو خارجه . فهما من حيث وجوب الحد سواء . استنادا إلى عموم الآية وعلى هذا فإن المحارب من حمل على الناس السلاح في المصر أو في البرية وكابرهم على أنفسهم وأموالهم من غير عداوة أو ثأر .

واشتراط الشافعي في ذلك حصول الشوكة . ومعناها عنده قوة المغالبة . فهو بذلك يشترط البعد عن العمران ، لأن المغالبة إنما تتأتى بالبعد عن العمران . وعند الإمام أبي حنيفة وآخرين أن المحاربة لا تكون إلا خارج المصر حيث الخوف وقلة النصرة والبعد عن السلطان{[942]} .

واختلف الفقهاء وأهل العلم فيما يجب على المحارب من القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض . فهل هذه العقوبات على التخيير فيكون الإمام مخيرا في إيقاع العقاب الذي يجده زاجرا أم أن هذه العقوبات مرتبة على قدر الجنايات تبعا للاختلاف في معنى قوله : { أو } . فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن { أو } هنا للتخيير . وهو قول ابن عباس في رواية عنه . وقال به الحسن البصري وسعيد بن المسيب ومجاهد . فيكون المعنى بذلك أن الإمام إن شاء قتل ، وإن شاء صلب ، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل ، وإن شاء نفى . فأيما واحد من هاتيك العقوبات شاء الإمام فعل . وهو مذهب الإمام مالك . وقال به عمر بن عبد العزيز . وآخرون ، إذ قالوا كلهم : الإمام مخير في الحكم على المحاربين . فهو يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية . قال ابن عباس : ما كان في القرآن { أو } فصاحبه بالخيار .

وذهب آخرون إلى أن { أو } لبيان أن هذه العقوبات تختلف باختلاف الجنايات وهي رواية عن ابن عباس . وعلى هذا فمن اقتصر على القتل قتل . ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب . ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف . ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض . وهو قول أكثر العلماء . وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وحمد . واحتجوا بما ذكره الطبري عن أنس بن مالك أنه قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الحكم في المحراب فقال : " من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ ورجله للإخافة ، ومن قتل فاقتله ، ومن جمع ذلك فاصلبه " .

واحتجوا أيضا بالقياس الجلي إذ قالوا : القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق وصار القتل حتما لا يجوز العفو عنه . وأخذ المال يتعلق به القطع في غير قاطع ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين . وإن جمعوا بين القتل وبين أخذ المال جمع في حقهم بين القتل وبين الصلب ولما في الصلب من زجر للآخرين عن الإقدام على مثل هذه المعصية{[943]} . وتفصيل الكلام في أحكام الحرابة بأكثر من ذلك في مظانه من كتب الفقه .

قوله : { أو ينفوا من الأرض } اختلف في المراد بالنفي . فقد قالت الحنفية : النفي من الأرض معناه الحبس . وهو اختيار أكثر أهل اللغة . ووجه القول بأنه الحبس أن النفي إما أن يكون المراد منه النفي من جميع الأرض ، وذلك غير ممكن . وإما أن يكون المراد إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى فهو غير جائز ، لأن المقصود من نفيه أن يندفع شره عن المسلمين . فإذا أخرج إلى آخر استضر أهله به . وإما أن يكون المراد إخراجه إلى دار الكفر وهو كذلك غير جائز لما في إخراج المسلم إلى دار الكفر من تعريض له بالردة وهو غير جائز . فإذا بطل الكل لم يبق إلا أن يكون المراد من النفي نفيه عن جميع الأرض إلا مكان الحبس . والمحبوس يسمى منفيا من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها بل ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها .

وقال الشافعي : معناه ، إن وجد الإمام هؤلاء الحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف . وإن لم يجدهم طلبهم أبدا حتى إذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه . وهو قول أحمد وإسحق . وجملة ذلك أن المحارب يطلب حتى إذا قدر عليه أقيم عليه الحد أو يظل هاربا فزعا إلى أن يتوب ويرجع .

وقال الإمام مالك : ينفي من البلد الذي أحدث فيه جنايته إلى بلد آخر ويحبس فيه كالزاني . وقيل غير ذلك .

والذي نختاره في معنى النفي من الأرض أنه النفي من بلد إلى غيره وحبسه فيه حتى تظهر توبته من فسوقه ونزوعه عن معصيته ربه{[944]} .

قوله : { ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } اسم الإشارة { ذلك } في محل رفع مبتدأ . وجملة { لهم خزي } من خبر مقدم ومبتدأ . والجملة في محل رفع خبر للمبتدأ الأول ( اسم الإشارة ) . واسم الإشارة عائد على ما فصل من الأحكام والأجزية التي يستحقها قطاع الطرق ما بين قتل وصلب وقطع للأيدي والأرجل من خلاف ونفي من الأرض ، فذلك كله خزي لهم أي ذلة وفضيحة في هذه الدنيا . وكذلك لهم في الآخرة { عذاب عظيم } حيث النار والأهوال . وذلك إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا . أما إن تابوا في الدنيا قبل الممات فإن الله تواب رحيم . وفي ذلك روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أذنب في الدنيا فعوقب به فالله أعدل من يثني عقوبته على عبده . ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه " .


[939]:- اجتروا المدينة: كرهوا هواءها، لأنه لم يوافقهم. انظر القاموس المحيط ص 1641.
[940]:- سمر أعينهم: أي سملها أو فقأها. أنظر القاموس المحيط ص 252.
[941]:- الحرة: أرض خارج المدينة ذات حجارة سود.
[942]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 151 والهداية ج 1 ص 423 وبداية المجتهد ج 2 ص 491.
[943]:- تفسير الرازي ج 11 ص 220-222 وتفسير القرطبي ج 5 ص 151 وبداية المجتهد ج 2 ص 492 وروح المعاني ج 6 ص 119 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 50.
[944]:- تفسير الطبري ج 4 ص 139-141 وتفسير الرازي ج 11 ص 222 وروح المعاني ج 5 ص 120 والكشاف ج 1 ص 609.