الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (77)

قوله تعالى : " قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق " أي لا تفرطوا كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى ، غلو اليهود قولهم في عيسى ، ليس ولد رشدة{[5824]} ، وغلو النصارى قولهم : إنه إله . والغلو مجاوزة الحد ، وقد تقدم في ( النساء ){[5825]} بيانه .

قوله تعالى : " ولا تتبعوا أهواء قوم " الأهواء جمع هوى وقد تقدم في ( البقرة ){[5826]} . وسمي الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه في النار . " قد ضلوا من قبل " قال مجاهد والحسن : يعني اليهود . " وأضلوا كثيرا " أي أضلوا كثيرا من الناس . " وضلوا عن سواء السبيل " أي عن قصد طريق محمد صلى الله عليه وسلم . وتكرير ضلوا على معنى أنهم ضلوا من قبل وضلوا من بعد ، والمراد الأسلاف الذين سنوا الضلالة وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى .


[5824]:ولد رشدة (بكسر الراء وقد تفتح): أي ولد نكاح.
[5825]:راجع ص 21 من هذا الجزء.
[5826]:راجع ج 2 ص 24 وما بعدها.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (77)

قوله : { قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق } يخاطب الله أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى قائلا : { لا تغلوا في دينكم غير الحق } والغلو هو الخروج عن الحد . غالى في أمره مغالاة ، أي بالغ . غلا في الدين : شدد حتى جاوز الحد{[1027]} وذلك أن الحق إنما يكون بين طرفي نقيضين وهما الإفراط والتفريط . وذلك هو دين الله المبرأ من التزييف والتحريف . وهو وسط بين الغلو والتقصير .

قوله : { غير الحق } منصوب على أنه صفة للمصدر . أي لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق ، وكلا الفريقين مغال في حق المسيح عليه السلام . فقد غالى اليهود في حقه مغالاة بشعة تهبط بهم إلى الدركات السحيقة من الفجور والظلم والخسة ، إذ نسبوه إلى الزنا . وحاشا لابن مريم النبي الزكي الرفاف . وحاشا لأمه العذراء البتول مثابة الصون والطهر والعفاف .

وفي المقابل غالت النصارى في حق عيسى ، إذ ادعوا فيه الإلهية أو قالوا إنه إله . سبحانك اللهم هذا ظلم عظيم ! فكلا الفريقين مغال مجانف مجانب للحق والصواب .

قوله : { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } الأهواء جمع ومفرده هوى . سمي بذلك ، لأنه يهوي بصاحبه في النار . فالهوى الباطل الموافق للنفس أو الذي تدعو إليه الشهوة دون الحجة . وقيل : ما ذكر لفظ الهوى في القرآن إلا في موضع الذم والشر . فلا يقال : فلان يهوى الخير بل يقال : يريد الخير . وقال ابن عباس : كل هوى ضلالة . والمراد في الآية : لا تتبعوا الضلال الذين هم سلفكم من الناس الذين ضلوا قديما { وأضلوا كثيرا } أي أضلوا خلقا كثيرا من الناس ممن تبعهم ووافقهم { وضلوا عن سواء السبيل } أي خرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال . وسواء السبيل يعني السبيل المعتدل السوي وهو الإسلام . ذلك أنهم حسدوا الرسول حسدا بالغا حسدا شغل قلوبهم وأعصابهم وكل اهتمامهم . فكذبوه وآذوه وتمالئوا عليه لإسكاته أو إخراجه أو قتله .


[1027]:- مختار الصحاح ص 480 والمصباح المنير ج 1 ص 106.