الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (92)

قوله تعالى : " الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها " قال الجرجاني : قيل هذا كلام مستأنف ، أي الذين كذبوا شعيبا صاروا كأنهم لم يزالوا موتى . " يغنوا " يقيموا ، يقال : غنيت بالمكان إذا أقمت به . وغني القوم في دارهم أي طال مقامهم فيها . والمغنى : المنزل ، والجمع المغاني . قال لبيد :

وغَنِيتَ سِتًّا قبلَ مَجْرَى دَاحِسٍ *** لو كان للنفس اللَّجُوجِ خلودُ

وقال حاتم طيء :

غَنِينا زمانا بالتَّصَعْلُكِ والغِنَى *** [ كما الدهرُ في أيامه العسرُ واليسرُ ]{[7269]}

[ كسبنا صُروفَ الدهرِ لينًا وغلظةً ]{[7270]} *** وكلاًّ سقاناه بكأسهما الدهرُ

فما زادنا بغيا على ذي قرابة *** غِنَانَا ولا أزرى بأحسابِنَا الفَقْرُ

قوله تعالى : " الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين " ابتداء خطاب ، وهو مبالغة في الذم والتوبيخ وإعادة لتعظيم الأم وتفخيمه . ولما قالوا : من اتبع شعيبا خاسر قال الله الخاسرون هم الذين قالوا هذا القول .


[7269]:التكملة عن ديوان حاتم.
[7270]:التكملة عن ديوان حاتم
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (92)

قوله : { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } .

اسم الموصول الأول في محل رفع مبتدأ ، وخبره { كأن لم يغنوا فيها } {[1475]} ويغنوا : يقيموا . غني بالمكان ؛ أي أقام به . والغاني يعني النازل . والمغنى المنزل . وجمعه المعاني وهي المنازل أو المواضع التي يقام فيها{[1476]} ، وهذا بيان مثير ، ينشر في النفس مزيجا من الخوف والتحسر والأسى لحال الكافرين من قوم شعيب ، هؤلاء الذين أقاموا في نعيم من العيش الرخي ، لكنهم طغوا واستكبروا وأبوا إلا الكفر والفساد في الأرض ؛ فأخذهم الله نكال جحودهم وعصيانهم شر أخذة . أخذهم بالزلزلة الماحقة التي تقطع القلوب تقطيعا وتمزق الأجساد تمزيقا ، فقطع دابر القوم واستؤصلت كأنهم لم يكونوا ولم يقيموا في موطنهم .

ثم كرر على سبيل التأكيد والمبالغة في التحسير والتخويف { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } { هم } ضمير فصل . { الخاسرين } خبر كانوا ، أي أن الذين كذبوا نبيهم شعيبا هم الذين خسروا أنفسهم ؛ إذ أوردوها النار وبئس المورود ، وليس كما زعموا من قبل أن الذين يتبعون شعيبا خاسرون .


[1475]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 368.
[1476]:مختار الصحاح ص 483.