الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (13)

قوله تعالى : " أم يقولون افتراه " " أم " بمعنى بل ، وقد تقدم في " يونس{[8624]} " أي قد أزحت علتهم وإشكالهم في نبوتك بهذا القرآن ، وحَجَجْتهم به ، فإن قالوا : افتريته - أي اختلقته - فليأتوا بمثله مفترى بزعمهم . " وادعوا من استطعتم من دون الله " أي من الكهنة والأعوان .


[8624]:راجع ج 8 ص 344.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (13)

ولما كان ذوو الهمم العوال ، لا يصوبون إلى الكنوز والأموال ، وكان الملك إنما يراد لتطييب النفس بتثبيت الأمر . وكان فيما يشهد به إعجاز القرآن ببديع نظمه وباهر حكمه وحكمه و{[38936]} زاجر غرائبه ووافر علمه ما{[38937]} يغني عن ذلك ، وكان في كل آية منه ما يبين للفهم سفاسف قدحهم في الرسالة ، كان موضع الإنكار له ، فكان كأنه قيل : أ{[38938]}يقولون ذلك تعنتاً{[38939]} منهم واقتراحاً وإعراضاً عن معجز القرآن فأعرض عنه فإنه لا يضر{[38940]} في وجه الدليل { أم يقولون } أي مكررين { افتراه } فكان ذلك موضع أن يقال : نعم ، إنهم ليقولون ذلك فيقدحون في الدليل فماذا يقال لهم ؟ فقيل : { قل } أي لهم على سبيل التنزل { فأتوا } يا معاشر العرب فإنكم مثلي في العربية واللسان والمولد والزمن{[38941]} وفيكم من يزيد{[38942]} عليَّ بالكتابة والقراءة ومخالطة العلماء والتعلم من الحكماء ونظم الشعر واصطناع الخطب و{[38943]} النثر وتكلف الأمثال وكل ما يكسب الشرف والفخر{[38944]} { بعشر سور } أي قطع ، كل قطعة منها تحيط بمعنى تام يستدل فيها عليه { مثله } أي تكون{[38945]} العشر مثل جميع القرآن في طوله وفي مثل احتوائه على أساليب البلاغة وأفانين العذوبة والمتانة والفحولة والرشاقة حال كونها { مفتريات } أي أنكم قد عجزتم عن الإتيان بسورة أي قطعة واحدة آية أو آيات من مثله فيما هو عليه من البلاغة والإخبار بالمغيبات والحكم والأحكام والوعد والوعيد والأمثال وادعيتم مكابرة أنه مفترى فارغ عن الحكم فأتوا بعشر مثله في مجرد البلاغة غير ملزمين بحقائق المعاني وصحة المباني - ذكره البغوي{[38946]} عن المبرد ، وقد مضى في البقرة عند { فأتوا بسورة من مثله }{[38947]} عن الجاحظ وغيره ما يؤيده ؛ قال أبو حيان{[38948]} : وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه أولاً بأن يفعل أمثالاً مما يفعل هو ، ثم إذا تبين عجزه قال : افعل مثالا{[38949]} واحداً - انتهى . فكأنهم تحدوا أولاً بجميع القرآن في مثل قوله :{ فليأتوا بحديث مثله }{[38950]}[ الطور : 34 ] أي في التحتم والتطبيق على الوقائع وما يحدث{[38951]} ويتجدد شيئاً في إثر شيء ثم قطع بعد عجزهم بدوام عجزهم في قوله تعالى :[ الإسراء : 88 ] الآية{[38952]} تبكيتاً لهم وإخزاء وبعثاً على ذلك وإغراء ، ثم تحدوا في سورة يونس عليه السلام بسورة واحدة مثل جميع القرآن غير معتنين{[38953]} فيها بالتفصيل إلى السور تخفيفاً عليهم واستهانة بأمرهم ، فلما عجزوا{[38954]} تحدوا بعشر مفتراة ، ولما خفف عنهم فيها التقيد بصدق المعنى وحقيقة المباني ، ألزمهم بما خففه عنهم في يونس من التفصيل ولم يخلهم من التخفيف إشارة إلى هوان أمرهم واحتقار شأنهم بأن جعلها إلى عشر فقط ، فلما عجزوا أعيد في المدينة الشريفة لأجل أهل الكتاب تحديهم بسورة ، أي قطعة واحدة مقروناً ذلك بالإخبار بدوام عجزهم عن ذلك في قوله{[38955]} تعالى في البقرة { فإن لم تفعلوا ولن{[38956]} تفعلوا }[ البقرة : 24 ] ، فالمتحدى به في كل سورة غير المتحدى به في الأخرى ، وقد مضى في يونس والبقرة ويأتي في سبحان والطور إنشاء الله تعالى ما يتم به فهم هذا المقام ، والبلاغة ثلاث طبقات فأعلاها معجز ، وأوسطها وأدناها ممكن ، والتحدي وقع بالعليا ، وليس هذا أمراً بالافتراء لأنه تحدّ فهو للتعجيز وقوله : { وادعوا من استطعتم } أي طلبتم أن يطيعكم ففعل ، ولما كانت الرتب كلها تحت رتبته تعالى والعرب مقرة بذلك قال : { من دون الله } أي الملك الأعلى . وأشار إلى عجزهم بقوله : { إن كنتم صادقين* } وفي ذلك{[38957]} زيادة بيان وتثبيت للدليل ، فإن كل{[38958]} ظهير من سواهم دونهم في البلاغة ، فعجزهم عجز لغيرهم بطريق الأولى .


[38936]:زيد من ظ.
[38937]:سقط من ظ.
[38938]:سقط من ظ.
[38939]:في ظ: تفننا.
[38940]:في ظ: لا يغير.
[38941]:في ظ: الرمى.
[38942]:من ظ، وفي الأصل: تزيد.
[38943]:زيد من ظ.
[38944]:سقط من ظ.
[38945]:من ظ، وفي الأصل: يكون.
[38946]:راجع هامش لباب التأويل 3/181.
[38947]:آية 23.
[38948]:راجع البحر المحيط 5/208.
[38949]:من البحر، وفي الأصل وظ: مثالا.
[38950]:سورة 52 آية 34.
[38951]:زيد من ظ.
[38952]:سورة 17 آية 88.
[38953]:من ظ، وفي الأصل: معنيين.
[38954]:زيد من ظ.
[38955]:في ظ: قولهم.
[38956]:في ظ: لم ـ راجع آية 24.
[38957]:زيد من ظ.
[38958]:في ظ: كان.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (13)

قوله : { أم يقولون افتراه } { أم } منقطعة بمعنى بل والهمزة . والمعنى : أيقولون افتراه ؟ أي اختلقه وتقوله ، والاستفهام للتوبيخ والتقريع . قوله : { قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات } يعني إن كان ما أنبأكم به من هذا القرآن مختلفا ؛ فإني أتحداكم أن تأتوا بعشر سور مختلفات –في زعمكم- من مثل هذا القرآن . وهذه مرحلة ثانية من مراحل التحدي للعرب ؛ فقد تحداهم الله أول مرة أن يأتوا بمثل القرآن إن استطاعوا . وهم أعجز أن يأتوا ببضع آيات من مثله . والآن يأمر الله نبيه أن يتحداهم بالإتيان بعشر سور من مثل سوره . وهم في كل مرة لا يخفون عجزهم المطبق عن معارضة هذا الكتاب الحكيم ، مع أنهم الفصحاء والبلغاء ، وفيهم جهابذة البيان وأقطاب اللسن ، وهم أقدر الناس على إدراك فنون اللغة ، ما بيت منثور ومسجوع وشعر أو خطابه تتدفق ألفاظها من أفواه النابغين المصاقع ؛ لكنهم مع عراقتهم وبراعتهم في ذلك كله قد انتكسوا مخذولين دون أن يقتدروا على مضاهاة القرآن الكريم في روعة نظمه وأسلوبه ، وجمال رصفه ومبناه ، وكمال مضمونه وما حواه من عظيم المعاني والعلوم . كل ذلك لا جرم يزجي بقاطع الدلالة على أن هذا الكتاب معجز ، وأنه من كلام الله .

قوله : { وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } أي ادعوا من استطعتم أن تدعوهم من العوان والأنداد سواء كانوا من البشر أو ممن تعبدون من الأوثان لافتراء ذلك واختلافه { إن كنتم صادقين } أن هذا القرآن مفترى ، أو أنه قد اختلقه محمد بزعمكم .